حقّقت الدولة المصرية طفرة في تدفقات النقد الأجنبي خلال فترة وجيزة، حيث نجحت في استقطاب تمويلات واستثمارات خارجية تجاوزت حاجز الـ 58 مليار دولار منذ أواخر فبراير 2024، وقد توزعت هذه الحصيلة الدولارية الضخمة بين استثمارات مباشرة بقيمة 35 مليار دولار ناتجة عن صفقة “رأس الحكمة” مع دولة الإمارات، وحزمة دعم من صندوق النقد الدولي بلغت 8 مليارات دولار، يُضاف إليها 1.2 مليار دولار من “صندوق الاستدامة”، فضلاً عن 8 مليارات دولار من الاتحاد الأوروبي و6 مليارات دولار من البنك الدولي.
وبالتوازي مع هذه التدفقات، أقدمت السلطات النقدية على “هندسة” مشهد الإصلاح الاقتصادي عبر قرارات مفصلية اتخذت في السادس من مارس 2024؛ حيث أطلق البنك المركزي المصري رصاصة البداية برفع أسعار الفائدة بمقدار 600 نقطة أساس، مع تحرير كامل لسعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية. وقد أدت هذه الخطوة إلى استقرار العملة المحلية عند مستويات واقعية ناهزت الـ 48 جنيهاً للدولار الواحد، في مسعى لتقليص الفجوة بين السوقين الرسمية والموازية والقضاء على التشوهات السعرية.
تطور المديونية الخارجية
وفيما يخص انعكاسات هذه التحركات على المديونية الخارجية، استهل عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، الدكتور فرج عبد الله، تحليله بالإشارة إلى أن التأثير المتوقع على الدين العام قد يتم احتواؤه بشكل ملموس؛ بفضل التراجع الحاد في العائد على السندات الدولية المصرية؛ فبعد أن قاربت تكلفة الاقتراض حاجز الـ 40% نتيجة ارتفاع تقييم المخاطر قبيل قرارات التحرير الأخيرة، هبطت هذه النسبة لتستقر عند مستويات الـ 28% في أعقاب حزمة الإجراءات الإصلاحية.
وعلى صعيد المؤشرات الرقمية، تظهر بيانات البنك المركزي المصري استقرار إجمالي الدين الخارجي عند مستويات 164.52 مليار دولار بنهاية الربع الأول من العام المالي الجاري (2023/2024)، ومن المرتقب أن تشهد هذه المديونية خفضاً هيكلياً بموجب صفقة “رأس الحكمة”، التي تقضي بتحويل 11 مليار دولار من الودائع الخليجية (ديون خارجية) إلى استثمارات مباشرة.
وفي سياق متصل، تشير تقديرات وزارة المالية إلى أن كلفة خدمة الدين الخارجي ستبلغ نحو 3.8 مليار دولار خلال العام المالي الحالي، تتوزع بين 1.4 مليار دولار كفوائد، و2.4 مليار دولار كأقساط واجبة السداد.
اقرأ أيضًا: هل الجنيه المصري على مشارف تعويم جديد؟
عودة الأموال الساخنة
بعيداً عن التمويلات المؤسسية، عاد ملف “الأموال الساخنة” ليتصدر المشهد الاقتصادي عقب قرار البنك المركزي برفع الفائدة بمقدار 600 نقطة أساس؛ حيث باتت مصر تقدم ثالث أعلى عائد على السندات بالعملة المحلية ضمن 23 اقتصاداً ناشئاً تتبعها وكالة “بلومبرغ”. هذا الارتفاع القياسي في العوائد أعاد شهية المستثمرين الدوليين للمراهنة على السندات المصرية، وسط تقديرات تشير إلى احتمالية تدفق نحو 20 مليار دولار من هذه الاستثمارات خلال العامين الحالي والمقبل.
إلا أنّ هذه التدفقات لا تخلو من مخاطر جوهرية؛ إذ يحذر الدكتور فرج عبد الله من مغبة العودة للاعتماد المفرط على هذا النوع من السيولة “المتقلبة”، ويستند في مخاوفه إلى تجربة مريرة عاشها الاقتصاد المصري عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في 2022، حينما شهدت البلاد نزوحاً مفاجئاً لنحو 23 مليار دولار في غضون أشهر قليلة، مما يعيد إلى الأذهان هشاشة الاعتماد على أدوات الدين قصيرة الأجل التي تدفقت بكثافة عقب تحرير سعر الصرف في 2016.
اقرأ أيضًا: هل ينقذ تعويم الجنيه الاقتصاد المصري؟
تعزيز الاحتياطي النقدي المصري
فيما يخص أثر التدفقات الرأسمالية على المؤشرات الكلية، يرى عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، الدكتور فرج عبد الله، أن الزخم المالي الناتج عن الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة سيقود إلى تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي بشكل ملموس، وقد أوضح أن هذا المسار يتوازى مع حزمة من السياسات المالية التي تتبناها الدولة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في جانبي الإيرادات والمصروفات العامة.
ونوه عبد الله بأن هذه المعالجات أثمرت عن تحقيق “فائض أولي” متنامٍ في الموازنة العامة، وهو نجاح لا يعزى لزيادة الأعباء الضريبية (الأوعية)، بل لاتساع “القاعدة الضريبية” عبر دمج أنشطة جديدة وتحسين كفاءة التحصيل. واختتم رؤيته بالإشارة إلى الدور الجوهري لعمليات “الرقمنة والحوكمة” في ترشيد الإنفاق العام، مما يضمن توجيه الموارد المالية بكفاءة أعلى ويعزز من استدامة الإصلاح المالي.
اقرأ أيضًا: التكنولوجيا المالية تقود التحول الرقمي في مصر وتجذب استثمارات ضخمة
استراتيجية مصر لتحصين الاقتصاد ضد التقلبات
في استشرافه للسياسات المالية المقبلة، يتوقع الدكتور فرج عبد الله أن تتبنى الحكومة المصرية استراتيجية “تحوطية” مغايرة في إدارة التدفقات النقدية الدولارية؛ تهدف في جوهرها إلى تحصين الاقتصاد الوطني ضد الصدمات الخارجية المحتملة والتقلبات النقدية التي قد تعصف بالأسواق الدولية في المرحلة القادمة.
وفي هذا السياق، نبّه عبد الله إلى مفارقة جوهرية في هيكل المديونية المصرية؛ إذ يرى أن “الدين العام الداخلي” بات يشكل تحدياً يفوق في وطأته الدين الخارجي، سواء من حيث كلفة الفوائد أو أعباء السداد (أصل الدين) خلال السنوات الثلاث المقبلة.
كما اعتبر أن بلوغ خدمة الدين الداخلي مستويات مرتفعة من إجمالي الإيرادات العامة يفرض ضرورة حتمية لتعميق “حوكمة المالية العامة”، بالتوازي مع إطلاق يد القطاع الخاص وتحفيزه على النمو، لضمان تنويع الروافد الإيرادية للدولة وتخفيف الضغط على الموازنة.
