تقارير اقتصادية

    مستقبل العلاقات بين واشنطن وبكين.. تعاون مشروط أم صدام حتمي؟

    •آخر تحديث •5 دقائق
    مستقبل العلاقات بين واشنطن وبكين.. تعاون مشروط أم صدام حتمي؟

    مع اقتراب موعد تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة للمرة الثانية، تزداد التكهنات حول شكل العلاقات بين واشنطن وبكين، وهما القوتان الأكبر في النظام العالمي. وتأتي هذه التكهنات وسط تصريحات متبادلة بين الطرفين تحمل في طياتها دعوات للتعاون والتحذير من التصعيد.

    العلاقات بين واشنطن وبكين: تعاون محتمل أم تصعيد مرتقب؟

    أعلنت الصين على لسان وزير خارجيتها وانغ يي استعدادها للتعاون مع الإدارة الأميركية المقبلة لتحقيق إنجازات مشتركة، لكنَّها في الوقت ذاته شددت على أنَّ أيَّ تدخل في شؤونها الداخلية، ولا سيَّما في قضية تايوان، سيُقابل برد صارم.

    يتزامن هذا الانفتاح الدبلوماسي مع تصريحات ترامب السابقة التي أظهرت توجهًا تصعيديًا تجاه الصين، خاصةً فيما يتعلق بقضايا التجارة، والدعم الأميركي لتايوان، وحقوق الإنسان.

    وبينما تشير بعض المؤشرات إلى إمكانية التوصل إلى تفاهمات جديدة بين الطرفين، تظلُّ الخلافات العميقة بينهما حول القضايا الاقتصادية والجيوسياسية عائقًا أمام تحقيق تقارب شامل، رغم أنّ الصين كانت قد أعلنت استعدادها للتعاون مع الولايات المتحدة، بحسب تصريحات وزير الخارجية الصيني وانغ يي، وأكد الوزير أن التعاون الثنائي يمكن أن يثمر عن نتائج عظيمة إذا عملت الدولتان معًا.

    رسائل الصين وموقفها من إدارة ترامب

    تقول الدكتورة شيماء وجيه، أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية العربية للنقل البحري، تهدف بكين، عبر تصريحاتها الدبلوماسية، إلى إرسال رسائل مزدوجة؛ فمن جهة، تعبر عن رغبتها في التعاون مع الإدارة الأميركية الجديدة، ومن جهة أخرى، تحذر من التصعيد في قضايا حساسة مثل تايوان وحقوق الإنسان، وقد أكَّدت بكين أنها ستدافع عن مصالحها بكل حزم، وستُحافظ على القواعد الأساسية للعلاقات الدولية.

    وأضافت وجيه في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia” أنّ تصريحات ترامب أوضحت ملامح سياسته تجاه الصين، حيث تعهَّد بزيادة الرسوم الجمركية على البضائع الصينية بنسبة تصل إلى 60%، الأمر الذي أثار قلقًا لدى بكين، إلَّا أنَّ تصريحاته الأخيرة بدت أكثر مرونة، حيث دعا الرئيس الصيني لحضور حفل تنصيبه، مشيرًا إلى إمكانية حل مشاكل العالم بالتعاون بين البلدين.

    وتابعت أستاذ الاقتصاد: “اختيارات ترامب لأعضاء إدارته توحي بسياسة صارمة تجاه الصين، حيث تمَّ اختيار شخصيات معروفة بمواقفها المتشددة لتولي مناصب دبلوماسية واقتصادية، هذا ما يعزز التوقعات بأنَّ فترة ولايته المقبلة قد تشهد توترًا أكبر بين القوتين العظميين”.

    الخلافات بين الصين والولايات المتحدة

    تشمل الخلافات بين البلدين قضايا مثل بحر الصين الجنوبي، حيث تعتبر الولايات المتحدة تحرُّكات الصين هناك تهديدًا لحرية الملاحة، بالإضافة إلى قضايا حقوق الإنسان، خاصة في مناطق مثل شينجيانغ وهونغ كونغ.

    تأتي التصريحات الصينية الداعية للتعاون في إطار التحضير لفترة إدارة ترامب الثانية، ويأمل المراقبون أن تخف حدة التوترات بين البلدين، وأن تؤدي المحادثات المستقبلية إلى تخفيف التصعيد في القضايا العالقة. ومع ذلك، تبقى هذه التوقعات مرهونةً بالخطوات التي ستتخذها إدارة ترامب عند توليه السلطة رسميًا.

    الصراع حول تايوان

    لفتت وجيه إلى أنَّ قضية تايوان تعتبر محور الخلافات بين بكين وواشنطن؛ حيث ترى الصين أن دعم واشنطن لتايوان، سواء عبر بيع الأسلحة أو عبر زيارات المسؤولين الأميركيين، يخالف سياسة “الصين الواحدة”، مع تأكيد بكين أنَّ تايوان جزء لا يتجزأ من أراضيها، ومعارضتها الشديدة لأي محاولات تدعم استقلال الجزيرة.

    اقرأ مستجدات التصعيد الجديد: الصين تفرض قيودًا على صادرات أشباه الموصلات لأمريكا

    العلاقات التجارية بين البلدين

    شهدت العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة توترًا كبيرًا خلال ولاية ترامب الأولى، مع فرض رسوم جمركية على السلع الصينية، وهو ما أثر سلبًا على الاقتصاد الصيني الذي يعتمد بشكل كبير على التصدير، وقد ردَّت الصين بخطوات مثل خفض قيمة عملتها “اليوان” لدعم صادراتها.

    وفي هذا السياق، أشارت وجيه إلى أنَّ دعم الحكومة الصينية للشركات المحلية يعتبر نقطة خلاف رئيسة، حيث ترى الولايات المتحدة أنَّ هذا الدعم يمنح المنتجات الصينية ميزة تنافسية غير عادلة في الأسواق الأميركية.

    اقرأ أيضا: كيف تؤثر تهديدات ترامب الجمركية على المكسيك والصين وكندا؟

    هل سيُعيد ترامب النظر في العلاقات مع بكين؟

    من جانبه، يقول الدكتور عمرو يوسف أستاذ الاقتصاد: “في فترة رئاسة ترامب السابقة شهدت العلاقات بين واشنطن وبكين تصعيدًا كبيرًا، خاصةً في المجال التجاري؛ فقد أطلق ترامب حربًا تجارية فرض خلالها رسومًا جمركية مرتفعة على واردات الصين، ما أثر سلبًا على التبادل التجاري بين البلدين”.

    فضلًا عن ذلك، “اتَّهم ترامب الصين بعدة قضايا، منها التلاعب بالعملة وسرقة الملكية الفكرية، واصفًا سياساتها الاقتصادية بأنَّها تهدد الاقتصاد الأمريكي. ومع ذلك، تمكن الطرفان من التوصل إلى اتفاق “المرحلة الأولى” في يناير 2020، الذي أظهر أنَّ الحوار بين الطرفين ممكن رغم التوترات”، بحسب يوسف.

    وأضاف يوسف في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia“: “السؤال الأهم هو: هل ستتغير هذه الديناميكية بعد عودته إلى الحكم؟ بعض المؤشرات قد تدفع نحو تصور وجود دوافع للتعاون بين الطرفين؛ حيث تحتاج الصين إلى تهدئة التوترات مع الولايات المتحدة لتعزيز استقرار أسواقها الداخلية والتخفيف من الضغوط الاقتصادية الناتجة عن التباطؤ العالمي. ومن جانب آخر، قد يبحث ترامب عن فرص اقتصادية تعزز شعبيته داخليًا، ما قد يدفعه لإعادة النظر في سياسته تجاه بكين لتحقيق مكاسب تجارية جديدة”.

    عودة ترامب: فرصة أم عقبة أمام العلاقات الأمريكية-الصينية؟

    “سياسيًا، قد ترى الصين في ترامب فرصة لتخفيف التحالفات الدولية المناهضة لها، خاصةً أن سياسته الخارجية ركزت أكثر على القضايا الداخلية وتقليص التدخلات الخارجية مقارنة بالإدارة الحالية، لكنَّ هذا لا يعني أنَّ ترامب سيتبنى سياسة ناعمة تجاه الصين؛ فقد أظهر سابقًا ميلًا لاستخدام الأدوات الاقتصادية والضغوط السياسية لتحقيق أهدافه”، بحسب يوسف.

    وأضاف: “رغم هذه الفرص، هناك عقبات كبيرة تجعل التعاون بين الجانبين تحديًا صعبًا؛ أولها الإرث الثقيل من التوترات الأيديولوجية بين الطرفين، فالصين ترى في الولايات المتحدة منافسًا عالميًا يخطط لعرقلة صعودها، بينما تعتبر واشنطن الصين تهديدًا استراتيجيًا لنفوذها العالمي”.

    وفي سياق مُشابه، أوضح الخبير أنّ القضايا الجيوسياسية أيضًا تبقى عائقًا رئيسًا أمام التقارب؛ حيث يمثل ملف تايوان نقطة حساسة للغاية للصين، بينما تستمر الولايات المتحدة في تقديم الدعم لتايوان كجزء من استراتيجيتها للحد من النفوذ الصيني في منطقة المحيط الهادئ.

    ومن ناحية أخرى، يظل موقف الصين من الحرب الروسية-الأوكرانية، وحقوق الإنسان في شينجيانغ وهونغ كونغ موضوعات شائكة قد تعمّق الخلافات بين الطرفين.

    كما أنّ تصريحات ترامب السابقة، مثل وصفه لجائحة كورونا بـ”الفيروس الصيني”، جعلت العلاقات بين واشنطن وبكين أكثر هشاشة، خاصة أنَّ هذه التصريحات رُبطت بمحاولات تحميل الصين مسؤولية تأثير الجائحة على الاقتصاد العالمي.

    الصين تعلن عن خطة اقتصادية جريئة ..ما هي التفاصيل؟ اطّلع عليها في التقرير!

    هل تقود المصالح المشتركة إلى تقارب مشروط؟

    على المستوى الدولي، قد تلعب القوى العالمية الأخرى دورًا في تحديد طبيعة العلاقة بين الصين والولايات المتحدة مع عودة ترامب، فحُلفاء واشنطن في أوروبا وآسيا قد يضغطون لتخفيف التوترات مع بكين لضمان استقرار الأسواق الدولية، خاصةً أنَّ أي تصعيد بين القوتين العظميين قد ينعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي.

    واختتم يوسف تصريحاته قائلاً: “في النهاية، تبقى الإجابة على سؤال “هل تتعاون الصين مع ترامب؟” مرهونة بالظروف الدولية والإقليمية التي قد تطرأ في المستقبل، فمن المحتمل أن تشهد العلاقات بين واشنطن وبكين بعض التقارب المشروط بالمصالح الاقتصادية والسياسية المشتركة”.

    وأضاف: “من ناحية أخرى، التوترات الأيديولوجية والجيوسياسية الراهنة تجعل من الصعب تحقيق تحوُّل جذري في العلاقة بين البلدين، فقد يُخطط ترامب لاستغلال ورقة الصين لتحقيق مكاسب داخلية، لكن بكين لن تتنازل بسهولة عن طموحاتها الاستراتيجية، ما يعني أن العلاقة ستظل محكومة بالتفاوض الحذر والمصالح المتبادلة”.

    قد يهمّك أيضًا: التوترات الاقتصادية بين واشنطن وبكين تعصف بالاستقرار العالمي