التكنولوجيا

    مراكز البيانات في الخليج.. هل تستفيد من الرفض الأميركي؟

    بقلم باسل محمود••آخر تحديث •4 دقائق
    مراكز البيانات

    قد تستفيد مراكز البيانات في الخليج من ارتفاع الحساسية السياسية تجاه مشاريع الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، خاصة بعد فوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي، لكن ذلك لا يعني أن شركات التكنولوجيا ستنقل استثماراتها إلى المنطقة تلقائياً، فالانتخابات الأميركية رفعت كلفة عدم اليقين في التراخيص والكهرباء والقبول المجتمعي، فيما يملك الخليج عناصر جذب واقعية، لكنه يواجه في الوقت نفسه قيوداً تتعلق بالرقائق والمياه وشبكات الكهرباء والمخاطر الجيوسياسية.

    لماذا رفعت الانتخابات الأميركية قيمة مراكز البيانات في الخليج؟

    لم تكن مراكز البيانات القضية الوحيدة في انتخابات التجديد النصفي الأميركية، لكنها تحولت إلى ملف انتخابي ملموس في ولايات تستضيف جزءاً كبيراً من طفرة الحوسبة، فالمجتمعات المحلية تربط هذه المنشآت بارتفاع الطلب على الكهرباء والمياه، وبالحوافز الضريبية، وبمحدودية الوظائف الدائمة قياساً إلى حجم الاستثمار.

    وبحسب تقرير لـ"أسوشيتد برس" دعمت 32 من أصل 34 مرشحاً فائزاً في سباقات حكام راقبتها منصة متخصصة تشديد تنظيم مراكز البيانات، بينهم 12 مرشحاً أيدوا حظراً أو تجميداً مؤقتاً، كما مرّت قيود محلية في 44 من 45 اقتراعاً اكتمل فرزه، وفق الرصد الذي نقلته الوكالة.

    لكن فوز مرشحين يتبنون قيوداً أشد لا يساوي وقفاً فورياً للبناء، فتغيير قواعد التراخيص أو الضرائب أو استخدام المياه يحتاج إلى قوانين وقرارات تنظيمية على مستوى الولايات والبلديات، بينما تظل مشروعات كثيرة قائمة أو مرخصة بالفعل، كما أن البيت الأبيض لا يزال يدفع نحو تسريع إجراءات التصاريح الفيدرالية لمشروعات البنية التحتية الكبيرة.

    مراكز البيانات في الخليج

    من الرفض المحلي إلى تكلفة الحوسبة

    الأثر الأهم للانتخابات ليس إلغاء مراكز البيانات الأميركية، بل زيادة مخاطر الزمن والكلفة أمام المشاريع الجديدة، فالمطور الذي يواجه مراجعات أطول للطاقة والمياه، أو إلزاماً بتمويل جزء من توسعة الشبكة، أو شروطاً بيئية ومحلية إضافية، يحتاج إلى احتساب كلفة أعلى وتأخير محتمل في موعد تشغيل الخوادم.

    وهنا تظهر قيمة تنويع المواقع، فقد قالت دينا باول ماكورميك، رئيسة "ميتا"، إن شركات الحوسبة السحابية العملاقة باتت تفكر في الحاجة إلى البناء خارج الولايات المتحدة للتحوط من مخاطر الاستثمار، وفق تصريحاتها في مؤتمر "WSJ Tech".

    لكن التفكير في الخارج لا يعني اختيار الخليج تحديداً، ولا توجد إعلانات تربط نقل مشروع أميركي معين بالانتخابات، فالشركات قد توسع منشآت قائمة داخل الولايات المتحدة، أو تتجه إلى كندا وأوروبا وأستراليا، أو تختار مواقع خارجية لتوزيع المخاطر فقط، بينما يبقى جزء كبير من الطلب الأميركي قريباً من العملاء والشبكات والسوق المحلية.

    الخليج يملك مشروعات وخططاً قائمة

    لا يبدأ الخليج من الصفر، فقد أعلنت الإمارات والولايات المتحدة خططاً لإنشاء مجمع لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في أبوظبي بقدرة مستهدفة تبلغ 5 غيغاواط، تشمل مرحلة أولى بقدرة 1 غيغاواط، وهذه قدرة مخططة وليست قائمة بالفعل، وفق وزارة الخارجية الإماراتية.

    وفي السعودية، يدعم صندوق البنية التحتية الوطني مشروعات مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي التي تستوفي معايير تشمل حدّاً أدنى يبلغ 10 ميغاواط، وتصنيف "Tier III" أو أعلى، وكفاءة مستهدفة لاستهلاك الطاقة، وتغطية تعاقدية أو مفاوضات متقدمة لنصف السعة على الأقل.

    كما يجري تطوير 100 ميغاواط ضمن مرحلة أولى تبلغ 360 ميغاواط في مشروع "أوكساغون" التابع لـ"نيوم"، داخل حرم مستهدف بقدرة 1.5 غيغاواط، مع استهداف تشغيل أول 100 ميغاواط في 2028، بحسب "نيوم" و"هيومين" و"داتا فولت".

    هذه المشروعات سبقت الانتخابات الأميركية، لكنها توضح أن المنطقة تمتلك أرضاً وتمويلاً سيادياً وقدرة على بناء شراكات مع شركات التكنولوجيا، كما ترتبط هذه البيئة الاستثمارية باتساع تدفقات رأس المال نحو السعودية.

    اقرأ أيضاً: مخاطر وكلاء الذكاء الاصطناعي على خصوصية البيانات

    ما الذي يمنع تحوّل الخليج إلى بديل فوري؟

    القدرة التشغيلية الحالية في الخليج لا تزال محدودة مقارنة بالولايات المتحدة، وتقدّر "كوفاس" أن المنطقة تمتلك أكثر قليلاً من 1% من السعة العالمية العاملة، مقابل نحو 7% من السعة قيد الإنشاء و6% من السعة المخططة، ما يشير إلى قوة خط المشروعات أكثر من هيمنة قائمة على السوق العالمية.

    وتبقى الكهرباء الموثوقة والرقائق المتقدمة العاملين الحاسمين، فمراكز الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى طاقة مستقرة بأسعار تنافسية، وربط رقمي عالي الاعتمادية، وتراخيص لوحدات المعالجة الرسومية الأميركية، إلى جانب عملاء قادرين على استئجار السعة لفترات طويلة.

    كما تفرض الحرارة وندرة المياه كلفة إضافية على التبريد والتحلية، في وقت يحذر المنتدى الاقتصادي العالمي من أن توسع مراكز البيانات فائقة الحجم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد يتجاوز قدرات الكهرباء والمياه والتبريد إذا لم يواكبه تخطيط واستثمار متزامنان.

    وتضاف إلى ذلك المخاطر الجيوسياسية الإقليمية، وحماية الكابلات والمنشآت، ومتطلبات سيادة البيانات، ولذلك، لن ينتقل الاستثمار إلى المكان الذي يملك الأرض والتمويل فقط، بل إلى الموقع الذي يستطيع ضمان الطاقة والاتصال والرقائق والأمن التشغيلي معاً.

    ولذلك فإن الرفض المحلي الأميركي يفتح نافذة أمام مراكز البيانات في الخليج، لكنه لا يمنحها الفوز تلقائياً، فالفرصة الحقيقية تكمن في جذب جزء من الأحمال الحوسبية والاستثمارات الجديدة، لا في استبدال البنية الأميركية بالكامل.