تقارير اقتصادية

    مجموعة العشرين وإيران.. هل تنجح واشنطن في عزل طهران؟

    بقلم باسل محمود••آخر تحديث •4 دقائق
    مجموعة العشرين

    دخلت إيران اجتماعات مجموعة العشرين كأزمة طاقة وتجارة وتمويل، لا كملف سياسي فقط، وبينما تسعى واشنطن إلى توسيع عزل طهران اقتصادياً، تكشف مواقف الشركاء أن الاتفاق على حماية الاقتصاد العالمي أسهل من الاتفاق على أدوات الضغط على طهران.

    كان يفترض أن تركز اجتماعات وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية في مجموعة العشرين على النمو والديون والاستثمار، ولكن اضطراب أسواق الطاقة عالمياً، وتوتر حركة الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب الحرب في إيران، فرضت نفسها على جدول أعمال المجموعة.

    وجاء الاجتماع بعد أيام من إطلاق واشنطن حملة "المنبوذ الاقتصادي"، التي تستهدف قطع الروابط المالية والتجارية مع إيران ورفع مخاطر العقوبات على الجهات التي تساعدها على الالتفاف على القيود الأميركية.

    وكان السؤال الذي خيم على اجتماعات المجموعة بسيطاً، وهو هل تستطيع الولايات المتحدة تحويل قلق شركائها من الحرب إلى دعم فعلي لحملتها الاقتصادية ضد طهران؟

    كيف دخلت إيران إلى اجتماع مجموعة العشرين؟

    أقرت رئاسة مجموعة العشرين بأن اضطراب تجارة الطاقة يهدد النمو العالمي، ودعا بيان الرئاسة إلى حرية وأمان الملاحة في مضيق هرمز، وإلى إنهاء الحروب والنزاعات التي تضغط على الاقتصاد العالمي.

    وتعطل مضيق هرمز، يعني أن ناقلات النفط والغاز ستتأخر أو تبحث عن طرق أطول، ومع كل يوم إضافي، ترتفع كلفة الشحن والتأمين، قبل أن تظهر في أسعار الوقود والسلع لدى المستهلكين.

    لكن بيان المجموعة لم يتحول إلى موقف جماعي يؤيد الحملة الأميركية ضد إيران، فقد اتفقت الدول على تشخيص الخطر، من دون اتفاق واضح على طريقة التعامل معه.

    مجموعة العشرين

    ماذا تريد واشنطن من شركائها؟

    أطلقت وزارة الخزانة الأميركية حملة "المنبوذ الاقتصادي" في 24 أغسطس، وقالت إن الهدف هو قطع مصادر التمويل التي تعتمد عليها إيران، وشملت الحملة توسيع مخاطر العقوبات الثانوية، واستهداف شركات وأفراد وسفن مرتبطة بشبكات النفط والتمويل والتكنولوجيا والشحن الإيرانية.

    والمطلوب من شركاء الولايات المتحدة، ليس إدانة سياسية فقط، فواشنطن تريد من الحكومات والبنوك والشركات الأخرى، تقليص الروابط التي قد تساعد إيران على بيع النفط أو نقل الأموال، أو الوصول إلى خدمات مالية ولوجستية خارجية.

    وهنا تتحول القضية إلى اختبار صعب لحلفاء واشنطن، فالعقوبات الأميركية قد تكون مؤثرة بسبب دور الدولار والنظام المالي الأميركي، لكنها تصبح أقوى عندما يلتزم بها شركاء تجاريون ومراكز مالية خارج الولايات المتحدة.

    اقرأ أيضاً: اجتماعات مجموعة العشرين تبحث أزمات التجارة والديون وإيران

    لماذا يصعب توحيد موقف مجموعة العشرين؟

    هناك توافق واسع داخل مجموعة العشرين على أهمية حماية إمدادات الطاقة عالمياً ومنع اضطراب الملاحة في الممرات المائية، كما تحدث صندوق النقد الدولي عن الحاجة إلى تعاون أكبر لتقليل تداعيات الصدمات عبر الحدود.

    ولكن ذلك لا يعني أن المجموعة تبنت موقفاً واضحاً من حملة "المنبوذ الاقتصادي" التي تقودها واشنطن، فالدول الأعضاء تختلف في علاقاتها مع إيران، وفي حجم اعتمادها على الطاقة والتجارة الإقليمية، وفي استعدادها لتحمل كلفة عقوبات إضافية.

    ويظهر الفرق بين دعم استقرار الملاحة ودعم العقوبات في صياغة بيان الرئاسة نفسه، فهو ركز بشكل واضح على تدفق الطاقة وحل النزاعات، من دون أن يذكر الحملة الأميركية، أو يضع التزاماً جماعياً بمقاطعة إيران، لأن عزل إيران اقتصادياً لا يحدث في فراغ، فهناك دول تخشى ارتفاع أسعار الطاقة، ودول ترتبط بتجارة أو استثمارات أو طرق نقل تمر عبر المنطقة، كما أن الشركات والبنوك توازن بين مخاطر العقوبات الأميركية وكلفة قطع علاقاتها القائمة مع طهران.

    وتوجد أيضاً مشكلة سياسية داخل مجموعة العشرين، فالاجتماع نفسه انتهى من دون بيان مشترك بسبب خلاف حول صادرات الصين، كما أثارت مشاركة روسيا انزعاج بعض الوفود الأوروبية، وهذا الانقسام يجعل بناء تحالف واسع حول إيران أكثر صعوبة، بمعنى أن الدول تتفق على أن الحرب تضر الاقتصاد العالمي، لكنها لا تتفق بالضرورة على أن العقوبات الأميركية هي الطريق الأفضل لإنهائها.

    اقرأ أيضاً: عملية "المنبوذ الاقتصادي".. خطة أمريكا لخنق اقتصاد إيران

    كيف تضغط الأزمة على الاقتصاد العالمي؟

    حتى الآن، يرى صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد العالمي استوعب صدمة الطاقة أفضل مما كان متوقعاً، بفضل السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، ومصادر الطاقة البديلة وإدارة الطلب على النفط، ولكن هذا لا يلغي الخطر إذا طال الاضطراب، فاستمرار الضغط على مضيق هرمز، قد يرفع التضخم بشكل أكثر تسارعاً ويؤخر خفض أسعار الفائدة في دول كثيرة، كما قد يضغط على الدول المستوردة للطاقة وعلى الأسواق الناشئة التي تعاني بالفعل من ارتفاع كلفة التمويل والديون.

    وفي المقابل، فإن اتساع العقوبات قد يعيد رسم مسارات التجارة والمدفوعات العابرة للحدود، ويدفع شركات إلى البحث عن وسطاء وطرق نقل بديلة، وهذا يرفع كلفة التجارة حتى على دول لا تشارك مباشرة في الصراع.

    ولا تملك مجموعة العشرين سلطة لفرض عقوبات أو إنهاء حرب، ولكنها تظل مكاناً مهماً لتنسيق المواقف وتخفيف أثر الصدمات على الطاقة والديون والتجارة.

    ومع ذلك، كشف اجتماع آشفيل حدود هذا الدور، فالتوافق على مبادئ عامة مثل استقرار الطاقة وحماية سلاسل الإمداد ممكن، أما الاتفاق على عقوبات اقتصادية أو خطوات سياسية مشتركة فما زال أصعب بكثير، لذلك ستبقى قدرة واشنطن على عزل إيران مرتبطة بما تفعله العواصم الكبرى والشركات والبنوك.