تقارير اقتصادية

    مجلس السلام في غزة: تفاصيل الخطة الأمريكية لإدارة القطاع

    •آخر تحديث •7 دقائق
    مجلس السلام في غزة: تفاصيل الخطة الأمريكية لإدارة القطاع

    أعاد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تشكيل “مجلس السلام في غزة” طرح ملف القطاع على طاولة السياسة الدولية من زاوية غير مسبوقة، لا تقتصر على الترتيبات الأمنية أو المسارات الدبلوماسية التقليدية، بل تمتد إلى رؤية اقتصادية استثمارية شاملة، تُدار بشكل مباشر من واشنطن وتحت إشراف الرئيس الأمريكي نفسه.

    المجلس الذي يرأسه ترامب، يضم نخبة من الشخصيات الأمريكية والدولية، في مقدمتها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، والمبعوث الرئاسي ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، إضافة إلى نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي روبرت جابريال، ورجل الأعمال الأمريكي مارك روان، ورئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانجا.

    وبحسب بيان البيت الأبيض، تم تعيين نيكولاي ملادينوف ممثلًا ساميًا لغزة، ليتولى التنسيق بين مجلس السلام والهياكل المحلية، فيما جرى إسناد قيادة قوة الاستقرار الدولية في القطاع إلى الجنرال الأمريكي جاسبر جيفرز، المكلف بالإشراف على الملف الأمني، ونزع السلاح، وتأمين وصول المساعدات ومواد إعادة الإعمار.

    تشكيل مجلس السلام في غزة متعدد المستويات

    كشفت التفاصيل أنَّ الخطة الأمريكية لا تقوم على كيان واحد، بل على منظومة متعددة المستويات، في أعلاها مجلس السلام الذي وُجهت الدعوة للانضمام إليه إلى عدد من قادة الدول، من بينهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في صيغة ينظر إليها باعتبارها مجلسًا ذا طابع شرفي يمنح العملية وزنًا سياسيًا دوليًا.

    يلي ذلك مجلس تنفيذي تأسيسي يتولى إدارة الملفات الكبرى، ثم مجلس تنفيذي خاص بغزة لإدارة التفاصيل اليومية، وصولًا إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة برئاسة المهندس علي شعث، والتي تضم خمسة عشر تكنوقراطيًا فلسطينيًا للإشراف على استعادة الخدمات العامة وبناء المؤسسات المدنية.

    كيف تنظر الولايات المتحدة لقطاع غزة؟

    من زاوية اقتصادية، ترى مروى خضر أن تشكيل هذا العدد الكبير من اللجان والكيانات يعكس تحولًا جذريًا في النظرة إلى غزة، موضحة أن “الولايات المتحدة لا تتعامل مع القطاع باعتباره ملفًا إنسانيًا أو إغاثيًا فحسب، بل كمشروع اقتصادي متكامل يخضع لحسابات العائد والمخاطر والاستدامة”، مضيفة أن وجود رجال أعمال كبار ورئيس البنك الدولي داخل المنظومة “يرسل رسالة واضحة بأن التمويل لن يكون مساعدات مجانية، بل استثمارات مشروطة بإصلاحات مؤسسية وأمنية صارمة”.

    وأشارت خضر إلى أن إدخال منطق الاستثمار في إعادة إعمار غزة يمثل قطيعة مع النماذج السابقة، التي اعتمدت على التبرعات والمنح، مؤكدة أن هذا التحول “قد يوفر فرصًا حقيقية لإعادة بناء اقتصاد منتج، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام مخاوف تتعلق بخصخصة المأساة وتحويل إعادة الإعمار إلى سوق يخضع لقواعد الربح والخسارة”.

    ولفتت الخبيرة الاقتصادية إلى أن اختيار شخصيات مثل مارك روان يعكس عقلية ترامب التجارية، التي ترى في الأراضي المدمرة فرصة لإعادة التخطيط والبناء وفق نماذج جديدة، موضحة أن “ترامب يتعامل مع غزة بعقلية المطور العقاري، وليس بعقلية الوسيط السياسي التقليدي”، وهو ما يتسق مع تصريحاته السابقة حول تحويل القطاع إلى “ريفييرا الشرق الأوسط”.

    في المقابل، ترى مروى خضر أن وجود رئيس البنك الدولي داخل هذه المنظومة يهدف إلى توفير مظلة تمويل دولية، سواء عبر القروض أو آليات التمويل المختلط، لكنها تشدد على أنَّ “أي تمويل دولي سيكون مشروطًا بمستويات عالية من الشفافية، ومكافحة الفساد، وضمان عدم تكرار الدمار، وهي شروط قد تصطدم بتعقيدات الواقع السياسي والأمني في غزة”.

    اقرأ أيضًا: 68 مليون طن من الركام.. معركة إعمار غزة المؤجلة

    مشاركة الدول العربية في خطة السلام وإعادة الإعمار

    على الصعيد الإقليمي، يبرز إشراك شخصيات من تركيا وقطر والإمارات، إلى جانب رجل أعمال إسرائيلي ومنسقة أممية لإعادة الإعمار، كمحاولة أمريكية لخلق توازن بين القوى الإقليمية، دون منح أي طرف دورًا مهيمنًا، وعلقت خضر على ذلك بالقول إن “هذا التنوع يهدف إلى توزيع الأعباء السياسية والمالية، لكنه في الوقت ذاته يعكس رغبة واشنطن في الإمساك بمفاتيح القرار الأساسية”.

    وفي القاهرة، أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي تلقي دعوة رسمية لانضمام الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى مجلس السلام، مؤكدًا أن مصر تدرس الأمر في إطار استحقاقات المرحلة الثانية من قرار مجلس الأمن الخاص بغزة.

    وترى مروى خضر أن الدور المصري، إن تم تأكيده، “سيكون محوريًا في موازنة الطابع الاستثماري للمشروع مع الاعتبارات السياسية والأمنية العربية”.

    اقرأ أيضًا: كيف ينعكس وقف الحرب على غزة على الاقتصاد المصري؟

    السيطرة الاقتصادية المحلية في غزة بين التعاون والوصاية

    فيما يخص الجدل الدائر حول ما إذا كانت هذه الخطوة تمثل فرصة لغزة أم شكلًا جديدًا من أشكال التدويل، أكدت الخبيرة الاقتصادية أن الإجابة ليست أحادية، قائلة إن “غزة قد تستفيد من زخم دولي غير مسبوق لإعادة الإعمار، لكن الثمن قد يكون فقدان جزء من السيطرة المحلية على القرار الاقتصادي”، مشددة على أن نجاح التجربة مرهون بقدرة الفلسطينيين على بناء مؤسسات قوية تشارك في صنع القرار، لا أن تكون مجرد منفذ لخطط تُرسم في الخارج.

    واختتمت مروى خضر تحليلها بالتأكيد على أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في ضخ الأموال أو تشكيل المجالس، بل في ضمان استقرار أمني دائم، قائلة إن “أي استثمار، سواء كان خاصًا أو دوليًا، لن يصمد ما لم تُضمن بيئة أمنية مستقرة تمنع تكرار الدمار”، وهو ما يجعل دور قوة الاستقرار الدولية عنصرًا حاسمًا في نجاح أو فشل هذه المقاربة الجديدة.

    ومن جهته، قال الدكتور محمد خيري إن الإعلان الأمريكي عن تشكيل مجلس السلام لإدارة غزة بعد الحرب لا يمكن فصله عن السياق الدولي الأوسع لإعادة صياغة إدارة الصراعات، مؤكدًا أن هذه الخطوة تمثل مقاربة غير تقليدية تجمع بين السياسة والأمن والاقتصاد في إطار واحد، لكنها في الوقت ذاته تثير تساؤلات عميقة حول طبيعة الدور الأمريكي وحدود السيادة الفلسطينية.

    مخاوف من تحول مجلس السلام إلى أداة سيطرة

    أوضح خيري أن البنية المعلنة تكشف أننا أمام منظومة متعددة المستويات، تبدأ بمجلس السلام الذي يترأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ويضم شخصيات سياسية وازنة، ثم مجلس تنفيذي تأسيسي، يليه مجلس إدارة قطاع غزة، وصولًا إلى اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة القطاع. واعتبر أن هذا التعدد في الهياكل يعكس محاولة للسيطرة الدقيقة على مسار القرار، لكنه يحمل في داخله خطر تضارب الصلاحيات وغموض المرجعيات.

    وأضاف أن اختيار نيكولاي ميلادينوف لرئاسة المجلس التنفيذي يمثل نقطة محورية في هذه الخطة، لافتًا إلى أن ميلادينوف يتمتع بخبرة طويلة في الملف الفلسطيني، ويفهم تعقيدات غزة، ويؤمن نظريًا بوحدة الأرض الفلسطينية وعدم الفصل بين غزة والضفة الغربية.

    وفي السياق ذاته، شدد خيري على أن نجاح هذا الدور يظل مرهونًا بمدى استقلالية المجلس التنفيذي عن الإرادة السياسية لمجلس السلام، وقدرته على العمل وفق قرارات الشرعية الدولية لا وفق اعتبارات القوة.

    في المقابل، حذَّر الباحث السياسي من أن استخدام مصطلحات مثل “ممثل سامٍ” و”قوة استقرار دولية” يعيد إلى الأذهان نماذج تاريخية للانتداب والوصاية، مؤكدًا أن هذه اللغة ليست بريئة سياسيًا، وقد تعكس توجهًا لإدارة غزة من الخارج بدل تمكين الفلسطينيين من إدارة شؤونهم بأنفسهم. وقال إن الخطر الحقيقي يكمن في أن يتحول مجلس السلام من منصة لإنهاء الحرب إلى أداة لإعادة إنتاج السيطرة بأشكال جديدة.

    وأشار خيري إلى أن قراءة هذا المشروع يجب أن تتم في ضوء الواقع الميداني، حيث تواصل إسرائيل فرض هيمنة أمنية وجغرافية على قطاع غزة، وتقليص مساحته الفعلية، ما يجعل أي حديث عن إعادة إعمار دون معالجة هذا الخلل البنيوي مجرد غطاء لسياسات تهجير غير معلنة. وأضاف أن ما تريده إسرائيل ليس إعادة بناء غزة، بل تفريغها من مضمونها السياسي والديموغرافي.

    وفي المقابل، رأى خيري أن المقاربة الأمريكية، رغم ما تحمله من مخاطر، قد تطرح بوصفها “أقل الأضرار” مقارنة باستمرار الحرب المفتوحة، موضحًا أن الفلسطينيين لا يملكون ترف رفض كل المسارات، بل عليهم التفكير في كيفية التحول من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل داخل هذه الترتيبات المعقدة، خاصة عبر المؤسسات الوسيطة مثل المجلس التنفيذي واللجنة الوطنية الفلسطينية.

    قد يهمّك أيضًا: بعد عامين من حرب غزة.. هل يقترب الاقتصاد الإسرائيلي من الانهيار؟

    قوة الاستقرار الدولية.. الاختبار الأخطر للمشروع

    أكد الدكتور محمد خيري أنَّ وجود شخصيات إقليمية مؤثرة داخل المجلس التنفيذي، لا سيما من مصر وتركيا ودول عربية أخرى، قد يوفر هامش توازن مهم إذا ما جرى توظيفه لحماية الحقوق الفلسطينية، ومنع تمرير حلول تتعارض مع وحدة الأرض أو تصفية القضية، لكنه حذر في الوقت ذاته من أن تضارب الأجندات الإقليمية قد يتحول إلى نقطة ضعف إذا لم يتم إدارتها بحكمة سياسية عالية.

    وحول دور “قوة الاستقرار الدولية”، شدد خيري على أن هذه النقطة تمثل الاختبار الأخطر للمشروع بأكمله، متسائلًا عما إذا كانت هذه القوة ستعمل كآلية لحماية المدنيين وفرض وقف دائم لإطلاق النار، أم كأداة لنزع سلاح طرف واحد وفق الرؤية الإسرائيلية، وهو ما سيقوض أي فرصة لسلام حقيقي.

    واختتم خيري تصريحاته بالتأكيد على أنَّ الفلسطينيين يقفون أمام لحظة تاريخية شديدة القسوة، حيث تتقاطع مشاريع التصفية مع فرص محدودة لإعادة فتح أفق الدولة الفلسطينية، وقال إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في رفض الوصاية، بل في القدرة على استثمار التناقضات الدولية لصالح مشروع وطني جامع، مشددًا على أن الحد الأدنى المقبول سياسيًا يظل إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة، وأن أي مسار لا يقود إلى هذا الهدف، مهما بدا مغريًا، سيبقى مسارًا ناقصًا ومهددًا بالانفجار من جديد.

    قد يهمّك أيضًا: مشروع شروق الشمس لإعمار غزة.. بـ112 مليار دولار وشروط معقّدة