الذهب والفضة

    مجلس الذهب العالمي: البنوك المركزية تعزز احتياطياتها من الذهب

    45% من البنوك المركزية يعتزمون زيادة الحيازات و74% يتوقعون تراجع حصة الدولار

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •8 دقائق
    مجلس الذهب العالمي: البنوك المركزية تعزز احتياطياتها من الذهب

    قال مجلس الذهب العالمي إن نسبة قياسية من البنوك المركزية حول العالم تعتزم زيادة حيازاتها من الذهب خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، في إشارة جديدة إلى ترسخ مكانة المعدن النفيس داخل محافظ الاحتياطيات الرسمية، وسط تصاعد المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية عالميًا.

    وأوضح المجلس، في تقريره الصادر تحت عنوان “مسح احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية لعام 2026”، أن الإقبال على زيادة الحيازة من المعدن الأصفر يواصل الصعود، إذ أظهر المسح أن 45% من البنوك المركزية المشاركة تتوقع زيادة احتياطياتها من الذهب خلال عام، مقارنة بنحو 43% في مسح العام الماضي. في المقابل، رجحت 54% من البنوك المركزية الإبقاء على حيازاتها دون تغيير، بينما توقعت 1% فقط خفض احتياطياتها.

    وأشار تقرير مجلس الذهب العالمي إلى أن التفاؤل لا يقتصر على خطط المؤسسات المشاركة نفسها، إذ توقع 89% من المشاركين أن تزيد احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية عالميًا خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، مقابل 95% في عام 2025، بينما رأى 11% أنها ستبقى دون تغيير.

    المؤشرات الرقمية لمسح مجلس الذهب العالمي 2026

    جرى المسح خلال الفترة من 5 فبراير إلى 19 مايو 2026، وشمل 76 ردًا مؤهلًا من بنوك مركزية، وهي أعلى مشاركة منذ بدء إجراء المسح قبل تسع سنوات. وقال مجلس الذهب العالمي إن العينة تمثل مجتمع البنوك المركزية من حيث التوزيع الجغرافي وحجم حيازات الذهب.

    ووفقًا للبيانات التي أوردها المجلس، راكمت البنوك المركزية في المتوسط نحو ألف طن من الذهب سنويًا خلال السنوات الأربع الماضية، مقارنة بمتوسط بلغ 500 طن سنويًا خلال العقد السابق، في تسارع ربطه المجلس بحالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي التي دفعت المؤسسات الرسمية إلى تعزيز حيازاتها من الذهب.

    ذكر 84% من المشاركين في المسح أن حصة الذهب من إجمالي الاحتياطيات العالمية ستكون أعلى بدرجة متوسطة أو كبيرة خلال السنوات الخمس المقبلة، ارتفاعًا من 76% في مسح عام 2025.

    ويأتي ذلك في وقت تتراجع فيه التوقعات بشأن حصة الدولار الأمريكي داخل الاحتياطيات العالمية، إذ قال 74% من المشاركين إن حصة الدولار ستكون أقل خلال خمس سنوات، رغم استمرار هيمنته كأهم عملة احتياطية رسمية على مستوى العالم.

    وعرض التقرير على المشاركين تركيبة الاحتياطيات العالمية حتى نهاية الربع الثالث من عام 2025، حيث شكل الدولار 42% من الإجمالي، والذهب 26%، واليورو 15%، والرنمينبي الصيني 1%، قبل أن يطلب منهم تحديد توقعاتهم للسنوات الخمس المقبلة.

    وأظهرت نتائج المسح أن 78% من المشاركين يتوقعون ارتفاع حصة الذهب إلى نطاق يتراوح بين 27% و35% من إجمالي الاحتياطيات خلال خمس سنوات، بينما توقع 5% أن تتجاوز الحصة 35%، في حين لم يتوقع أي مشارك هبوط حصة الذهب إلى أقل من 15%.

    وقال عدد من المشاركين في المسح، وفقًا للتقرير، إن وزن الذهب داخل الاحتياطيات قد يرتفع نتيجة زيادة مشتريات البنوك المركزية، خصوصًا في الاقتصادات النامية، في إطار توجه أوسع لتنويع المحافظ. كما أشار آخرون إلى أن الذهب قد يستفيد من تصاعد التوترات الجيوسياسية والتجارية عالميًا.

    دوافع البنوك المركزية لشراء الذهب

    أوضح التقرير أن تنويع الاحتياطيات يأتي في مقدمة دوافع البنوك المركزية لزيادة حيازاتها من الذهب، إذ اختار 31 بنكًا مركزيًا من أصل 34 بنكًا يعتزمون إضافة الذهب هذا العام هذا العامل كأحد أسباب الشراء، مقارنة بـ22 بنكًا من أصل 31 في مسح عام 2025.

    وجاءت الحاجة إلى الذهب كأداة تحوط في المرتبة التالية، إذ اختارها 23 مشاركًا من أصل 34 ممن يعتزمون زيادة الحيازات؛ وتشمل هذه الحاجة التحوط من التضخم، والتعرض للدولار الأمريكي، واضطرابات الأسواق.

    كما اختار 23 مشاركًا من أصل 34 عامل ارتفاع المخاطر الاقتصادية في اقتصادات عملات الاحتياطيات، مثل عجز الميزانية الأمريكية وتباطؤ النمو في الاقتصادات المتقدمة، باعتباره أحد دوافع زيادة الذهب.

    علاوة على ذلك، شكّلت مخاطر النزاعات التجارية والرسوم الجمركية عاملاً إضافياً انحاز إليه 17 مشاركاً. وأشار 20 مشاركًا من أصل 34 إلى ارتفاع سعر الذهب باعتباره عاملًا وراء خطط الشراء، بينما ربط 19 مشاركًا خطط زيادة الحيازات بضعف الدولار الأمريكي.

    الذهب يرسخ موقعه كملاذ للأزمات

    قال مجلس الذهب العالمي إنّ أداء الذهب في أوقات الأزمات جاء في صدارة الأسباب التي تدفع البنوك المركزية للاحتفاظ به، إذ اعتبره 90% من المشاركين عاملًا مهمًا أو مهمًا إلى حد ما، وهو أعلى مستوى يسجله هذا العامل منذ بدء المسح.

    وجاء دور الذهب كمخزن طويل الأجل للقيمة وكأداة تحوط من التضخم ضمن العوامل الرئيسة أيضًا، إذ اختاره 84% من المشاركين، بينما أشار 83% إلى دور الذهب في تنويع المحافظ، ما يعزز موقعه كأصل احتياطي استراتيجي لا يرتبط بمخاطر ائتمانية مباشرة.

    وتظهر الفروق بين مجموعات البنوك المركزية أن 92% من بنوك الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية اعتبرت أداء الذهب وقت الأزمات عاملًا مهمًا للاحتفاظ به، مقابل 81% في الاقتصادات المتقدمة. كما اعتبرت 85% من بنوك الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية الذهب أداة تحوط من المخاطر الجيوسياسية، مقابل 56% فقط في الاقتصادات المتقدمة.

    وأفاد تقرير مجلس الذهب العالمي، بأن 75% من البنوك المركزية المشاركة اشترت أو باعت الذهب أو استخدمت أدوات لإدارة الذهب خلال السنوات الخمس الماضية، مع ارتفاع النسبة إلى 86% لدى بنوك الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، مقابل 39% لدى بنوك الاقتصادات المتقدمة.

    اقتصادات الأسواق الناشئة تقود موجة الشراء

    أظهرت نتائج المسح أن بنوك اقتصادات الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية تقود خطط شراء الذهب، إذ قال 53% من بنوك هذه الفئة إن احتياطياتها من الذهب ستزيد خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، مقابل 18% فقط من بنوك الاقتصادات المتقدمة.

    في المقابل، توقعت غالبية بنوك الاقتصادات المتقدمة عدم تغيير حيازاتها من الذهب خلال الفترة المقبلة، بما يعكس اختلافًا واضحًا في دوافع إدارة الاحتياطيات بين الاقتصادات المتقدمة والنامية.

    ويربط التقرير هذا التوجه بارتفاع حضور المخاطر الجيوسياسية في قرارات إدارة الاحتياطيات، إذ قال 88% من المشاركين إن عدم الاستقرار الجيوسياسي يمثل عاملًا مهمًا، مقابل 79% لمخاوف التضخم، و92% لمستويات معدلات الفائدة.

    كيف ستمول البنوك المركزية مشترياتها الجديدة؟

    طرح المسح هذا العام سؤالًا على البنوك المركزية التي تعتزم إضافة الذهب إلى احتياطياتها بشأن طريقة تمويل المشتريات الجديدة، وأظهرت النتائج أن 50% من هذه البنوك ستعتمد على برامج شراء محلية بالعملة المحلية، بينما قالت 38% إنها ستمول المشتريات عبر بيع أصول احتياطية قائمة.

    كما أشار 32% من المشاركين إلى أنهم سيستخدمون احتياطيات متراكمة حديثًا لتمويل شراء الذهب، ما يعكس تنوع آليات التمويل بحسب ظروف كل بنك مركزي وهيكل احتياطياته.

    كيف ستتم حيازة وتخزين الذهب؟

    أوضح التقرير أن الذهب في شكل سبائك “غود دليفري” المعتمدة في لندن لا يزال الخيار المفضل في عمليات الشراء والحيازة، إذ اختار 62% من المشاركين هذه السبائك كخيار أول عند شراء الذهب المادي، بينما قال 93% إنهم يحتفظون بالذهب فعليًا بهذا الشكل كخيار رئيس.

    وعلى مستوى التخزين، لا يزال بنك إنجلترا الموقع الأكثر تفضيلًا لحفظ احتياطيات الذهب، إذ قال 57% من المشاركين إنهم يحتفظون بجزء من احتياطياتهم هناك، وجاء التخزين المحلي في المرتبة التالية بنسبة 49%، ثم بنك التسويات الدولية بنسبة 16%.

    وأشار التقرير إلى زيادة ملحوظة في تغيير ترتيبات الحفظ، إذ قال 9% من المشاركين إنهم زادوا التخزين المحلي خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، بينما قال 10% إنهم نوعوا مواقع التخزين في الخارج، مقارنة بـ5% و2% فقط على التوالي في مسح العام الماضي.

    رؤية تحليلية: أبعاد التحول الاستراتيجي في إدارة الذهب

    في تعليقها على التقرير، قالت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، إن التطورات الأخيرة في سوق الذهب العالمي تكشف عن تحول مهم في طريقة تعامل البنوك المركزية مع المعدن الأصفر، مشيرة إلى أن ارتفاع أسعار الذهب لم يعد وحده العامل الحاسم في قرارات الشراء أو البيع، بل أصبحت البنوك المركزية تنظر إلى الذهب باعتباره أصلًا استراتيجيًا لحماية الاحتياطيات في أوقات الاضطراب.

    وأوضحت رمسيس أن نتائج الاستطلاع  تعكس اتساع شهية البنوك المركزية تجاه المعدن النفيس رغم وصوله خلال الفترة الماضية إلى مستويات سعرية مرتفعة.

    وأضافت أن اللافت في نتائج استطلاع مجلس الذهب العالمي ليس فقط ارتفاع نسبة البنوك المركزية الراغبة في زيادة حيازاتها، بل إن واحدًا فقط أعلن أنه يخطط لتقليص حيازته من الذهب، وهو ما يؤكد أن الاتجاه العام لدى المؤسسات النقدية العالمية يميل إلى التراكم والاحتفاظ، وليس إلى البيع أو التخارج.

    ومن ناحية أخرى، أكدت خبيرة أسواق المال أن تراجع أسعار الذهب من قممه التاريخية لم يُنظر إليه من جانب البنوك المركزية باعتباره مؤشرًا سلبيًا أو سببًا للتخلص من المعدن، بل اعتبرته كثير من هذه المؤسسات فرصة لإعادة الشراء وبناء مراكز جديدة، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي عالميًا.

    وأشارت رمسيس إلى أن القصة لم تعد تقتصر على شراء الذهب فقط، بل امتدت إلى طريقة الشراء نفسها، حيث بدأت بعض الدول في تقليل اعتمادها على الدولار الأمريكي في عمليات شراء الذهب، واتجهت إلى شراء المعدن من مناجمها المحلية باستخدام عملاتها الوطنية، ثم إضافته مباشرة إلى احتياطياتها الرسمية.

    البنوك المركزية تتخلى عن الأصول التقليدية

    ترى رمسيس أن هذه الخطوة تحمل رسالة اقتصادية وسياسية مهمة، مفادها أن بعض البنوك المركزية تسعى إلى تقليل تعرضها للدولار، وتنويع أدوات إدارة الاحتياطيات بعيدًا عن الأصول التقليدية المرتبطة بالعملات الأجنبية، خاصة في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية والعقوبات والتوترات التجارية.

    وأضافت أن الرسالة الأهم لا تتمثل فقط في زيادة مشتريات البنوك المركزية من الذهب، وإنما أيضا في إعادة النظر في أماكن تخزينه، حيث بدأت بعض الدول تنقل جزءا من احتياطياتها بعيدا عن مراكز التخزين التقليدية، سواء في الولايات المتحدة أو لندن، بسبب المخاطر الجيوسياسية المتزايدة.

    وأوضحت أن هذا التوجه يعكس رغبة متنامية لدى بعض الدول في أن يكون ذهبها تحت سيطرتها المباشرة أو بالقرب من نطاقها السيادي، بدلًا من الاعتماد الكامل على مراكز تخزين خارجية، وهو ما يعبر عن تغير واضح في فلسفة إدارة الاحتياطيات الرسمية.

    وقالت رمسيس إن البنوك المركزية أصبحت تتعامل مع الذهب باعتباره أصلًا لا يرتبط بوعود ائتمانية أو التزامات من أطراف أخرى، على عكس السندات أو العملات الأجنبية، ولذلك يزداد الإقبال عليه في الفترات التي ترتفع فيها المخاطر السياسية والمالية.

    اقرأ أيضًا: دليلك الشامل لفهم آليات عمل السندات الحكومية وأنواعها

    علاقة زيادة مشتريات الذهب بالأسعار

    أشارت رمسيس إلى أن استمرار البنوك المركزية في تعزيز حيازاتها من الذهب قد يمثل عامل دعم مهم للأسعار على المدى المتوسط والطويل، لأن الطلب الرسمي غالبًا ما يكون طويل الأجل ولا يتحرك بمنطق المضاربة السريعة، بل بمنطق بناء الاحتياطيات والتحوط ضد الأزمات.

    لكنها أكدت في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني بالضرورة عودة فورية وقوية لأسعار الذهب إلى مستويات قياسية جديدة، لأن الأسعار ستظل مرتبطة بعدة عوامل؛ أبرزها تحركات الدولار، وسياسات الفائدة الأمريكية، واتجاهات التضخم، وحجم المخاطر الجيوسياسية، وشهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر.

    واختتمت حنان رمسيس تصريحاتها بالتأكيد على أن نتائج استطلاع مجلس الذهب العالمي تعكس أن الذهب لا يزال يحتفظ بمكانته كأحد أهم أصول التحوط لدى البنوك المركزية، وأن أي تراجعات سعرية قد تتحول إلى فرصة شراء للمؤسسات الرسمية، لا إلى موجة بيع، خاصة إذا استمر العالم في حالة من عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي.

    اقرأ أيضًا: الاتفاق الأمريكي الإيراني.. إعادة تشكيل أسواق الطاقة والأسهم والذهب