تقرير: باسل محمود
في ليلة باردة من عام 2025، خطا مارك كارني بثبات نحو منصة الحزب الليبرالي الكندي، وأمامه مستقبل سياسي لم يكن يتخيله قبل سنوات، إذ لم يكن فوزه مجرَّد فوزٍ انتخابي، بل “تتويج لمسيرة رجل أدار أزمات الاقتصاد العالمي في أحلك لحظاته”، كما وصفته CNN.
من شاب يلعب الهوكي في شوارع إدمونتون، إلى أحد أبرز المصرفيين في العالم، وأخيرًا إلى قائد كندا الجديد في مواجهة تحديات تجارية وسياسية غير مسبوقة.
رحلة مارك كارني: من جولدمان ساكس إلى قيادة الاقتصاد العالمي
وُلِد مارك كارني في بلدة صغيرة بالأقاليم الشمالية الغربية، لكنه سرعان ما شق طريقه نحو العالمية، فقد درس الاقتصاد في جامعة هارفارد، ثم حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه من أوكسفورد، وبدأ مسيرته في “جولدمان ساكس”، متنقلًا بين مكاتبها في لندن وطوكيو ونيويورك وتورونتو، حيث صقل مهاراته في التعامل مع الأسواق المالية العالمية.
لكن تحوله الكبير جاء في 2003 عندما انضم إلى بنك كندا، ليصبح لاحقًا محافظه خلال 2008، في خضم الأزمة المالية العالمية، فلعب دورًا محوريًا في حماية الاقتصاد الكندي من تداعيات الأزمة، وهو ما جعله محط أنظار بريطانيا التي قرَّرت الاستعانة به كمحافظ لبنك إنجلترا، ليكون أول أجنبي يتولى هذا المنصب.
مواجهة الركود وبريكست والمناخ
في بنك إنجلترا، كان كارني في قلب معركتين اقتصاديتين متتاليتين؛ الأولى هي الركود الاقتصادي الذي أعقب الأزمة المالية، والثانية صدمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 2016، وقبل الاستيفاء كان من أبرز المحذرين من التداعيات الاقتصادية لـ”بريكست”، لكنّه استمر في منصبه حتى 2020 رغم ذلك.
لاحقًا، تحوّل إلى أحد أبرز المدافعين عن السياسات البيئية، حيث تولى منصب المبعوث الخاص للأمم المتحدة للعمل المناخي والتمويل، وركز جهوده على دفع القطاع المالي نحو تحقيق صافي انبعاثات صفرية.
وفي أحد تصريحاته، كشف كارني عن الدافع وراء اهتمامه بالمناخ: “عندما كنت محافظًا لبنك إنجلترا، لاحظت أن عدد الكوارث الطبيعية تضاعف ثلاث مرات، وتكلفتها زادت بمقدار خمسة أضعاف، ولم يعد الأمر خيارًا، بل ضرورة اقتصادية وأمنية”.
قد يهمّك أيضًا: التغير المناخي يكلف الاقتصاد العالمي 2 تريليون دولار خلال عقد
الطريق إلى السياسة.. بعد طول انتظار
على مدار عقدٍ كامل، سعى الحزب الليبرالي الكندي لاستقطاب كارني إلى عالم السياسة، إلا أنّ المصرفي المخضرم ظل مترددًا، مكتفيًا بلعب دور المستشار لرئيس الوزراء جاستن ترودو، خاصة خلال أزمة كورونا، لكن كل شيء تغير في يناير 2025، عندما أعلن ترودو استقالته تاركًا فراغًا في قيادة الحزب الليبرالي.
كان المرشحون الآخرون سياسيين تقليديين، لكن كارني، بخلفيته الاقتصادية وعلاقاته العالمية، بدا وكأنه الرجل المناسب لهذه اللحظة، ورغم افتقاره لأي خبرة انتخابية حظي بدعمٍ قوي، وانتُخب زعيمًا للحزب، ليصبح المرشح الأوفر حظًا لرئاسة الوزراء في الانتخابات الفيدرالية المقبلة.
تصاعد التوتر التجاري: كيف سيرد كارني على ترامب؟
التحدي الأكبر أمام مارك كارني لم يكن داخل كندا بل خارجها، فمع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تصاعدت الحرب التجارية بين واشنطن وأوتاوا؛ حيث أعلن ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على الواردات الكندية، في خطوة اعتبرها كارني “هجومًا اقتصاديًا” على العمال والشركات الكندية.
هذا الأمر دفع كارني للرد سريعًا بدعوة حكومته لفرض تعريفات جمركية انتقامية على المنتجات الأمريكية، قائلًا: “ترامب يهاجم اقتصادنا، لكنَّه لا يعرف أننا لا نستسلم، وفي التجارة كما في الهوكي كندا ستنتصر”.
يرى الكثيرون أنَّ كارني، بخبرته في إدارة الأزمات المالية، هو الشخص الأمثل لقيادة كندا في هذه المرحلة الحرجة، لكنه يواجه تحديات ضخمة، من توتر العلاقات مع الولايات المتحدة، إلى أزمة السكن والتضخم وقضية ضريبة الكربون المثيرة للجدل.
وفي الوقت الذي يستعد فيه لخوض الانتخابات الفيدرالية، يبقى السؤال: هل سيتمكن المصرفي المخضرم من إثبات نفسه كرجل دولة، أم أنَّ عالم السياسة سيكون أكثر صعوبة من أسواق المال؟
اقرأ أيضًا: كيف تؤثر تهديدات ترامب الجمركية على المكسيك والصين وكندا؟
