السندات

    السندات الزرقاء.. كيف تدعم نمو الاقتصاد البحري؟

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •4 دقائق
    مجموعة من الأسماك داخل المحيط، في سياق الحديث عن أهمية السندات الزرقاء في حماية المحيطات.

    غالبًا ما يُشار إلى كوكب الأرض بلقب “الكوكب الأزرق”، وذلك لأن نحو 70% من سطحه مغطى بالمياه، إلا أن هذا الامتداد المائي الهائل لم يَسلم من التلوث البيئي، حيث أصبحت المحيطات والبحار تعاني من مستويات خطيرة من التلوث البحري، مما جعل من هذه القضية تحديًا عالميًا يتطلب حلولًا تمويلية مبتكرة ومستدامة.

    وفي إطار الجهود العالمية الرامية إلى مواجهة التغير المناخي، وتعزيز الاستدامة البيئية، واستعادة النظم البيئية المتدهورة، ظهرت عدة مبادرات نوعية، كان من أبرزها “السندات الخضراء” التي ساهمت في تمويل مشاريع صديقة للمناخ. ومؤخرًا، شهد قطاع التمويل المستدام بروز أداة مالية جديدة تُعرف باسم “السندات الزرقاء”، وهي تطور نوعي يواكب الطلب المتزايد على أدوات الاستثمار المؤثر والداعم لقضايا البيئة والمناخ.

    أهمية المحيطات في التوازن البيئي والاقتصادي

    تلعب المحيطات دورًا حيويًا في الحفاظ على التوازن البيئي، إذ لا تقتصر أهميتها على كونها موطنًا لملايين الكائنات البحرية، بل تتعدى ذلك لتشكل مصدرًا لأكثر من نصف الأكسجين الذي نتنفسه، حيث تعمل كمصيدة طبيعية لغاز ثاني أكسيد الكربون. كما تعد المحيطات مصدرًا أساسيًا للغذاء والدواء، وتوفر ملايين فرص العمل حول العالم.

    ومن الناحية الاقتصادية، تمثل الممرات المائية الشريان الرئيسي لحركة التجارة الدولية، حيث تُنقل عبرها أكثر من 80% من السلع والمنتجات على مستوى العالم، وفقًا للمنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة.

    ثروة اقتصادية ضخمة

    يُقدّر حجم الاقتصاد البحري عالميًا بنحو 2.5 تريليون دولار سنويًا، أي ما يعادل 2.5% من الناتج الإجمالي العالمي. ووفقًا لتقرير صادر عن منظمة الحياة البرية العالمية (WWF)، تُقدّر القيمة الإجمالية لأصول المحيطات بما لا يقل عن 24 تريليون دولار، ما يجعل “اقتصاد المحيطات” واحدًا من أكبر عشرة اقتصادات في العالم إذا ما قورن بإجمالي الناتج المحلي للدول.

    وتُظهر البيانات أن أكثر من ثلثي القيمة الاقتصادية السنوية المستخرجة من المحيطات تعتمد بشكل مباشر على سلامة النظم البيئية البحرية، ورغم ذلك فإن صحة هذه الأنظمة تتعرض لتدهور مستمر بفعل عدة عوامل، أبرزها التلوث البحري، والاستغلال الجائر للموارد الطبيعية، وارتفاع درجات حرارة المحيطات.

    في ضوء هذه التحديات، تبنّت الأمم المتحدة ضمن أهداف التنمية المستدامة هدفًا مخصصًا لحماية الحياة تحت الماء، يركّز على الحفاظ على المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها بشكل مستدام، بما يعزز الاستقرار البيئي والاقتصادي على حد سواء.

    دخول السندات الزرقاء في عالم التمويل المستدام

    تُعد السندات الزرقاء أداة مالية مبتكرة تهدف إلى دعم المشاريع المستدامة المرتبطة بالبيئة البحرية، مثل حماية المحيطات، إدارة الموارد السمكية، وتحسين جودة المياه، وهي تُصنّف كإحدى فئات السندات الخضراء لكنّها تركز بشكل حصري على “الاقتصاد الأزرق”.

    ويُعرّف البنك الدولي السندات الزرقاء بأنها: “أداة دين تصدرها الحكومات، أو بنوك التنمية، أو الكيانات المؤسسية الأخرى بهدف جمع رأس مال من المستثمرين المؤثرين لتمويل مشاريع بحرية ومحيطية تحقق منافع بيئية واقتصادية ومناخية طويلة الأجل”.

    تعرّف أيضًا إلى مقايضة الديون مقابل سندات الكربون

    محطات رئيسية في مسار السندات الزرقاء

    في أكتوبر 2018، أطلقت جمهورية سيشيل أول سندات سيادية زرقاء في العالم، لتكون بذلك رائدة في هذا المجال، وفي يناير 2019، أصدر بنك الاستثمار الشمالي (NIB) سندات زرقاء لمدة خمس سنوات بقيمة 2 مليار كرونة سويدية، مخصصة لتمويل البنوك التي تستثمر في مشاريع حماية وإدارة المياه في بحر البلطيق، كما تم إدراج هذه السندات في بورصة ناسداك ستوكهولم في فبراير 2019.

    وفي أكتوبر 2020، أطلق بنك الاستثمار القومي إصدارًا جديدًا من السندات الزرقاء بقيمة 1.5 مليار كرونة سويدية، مخصصًا لدول الشمال ودول البلطيق، وتستحق في أكتوبر 2025.

    وفي خطوة تهدف إلى تسليط الضوء على أزمة النفايات البلاستيكية في المحيطات، أصدر البنك الدولي في أبريل 2019 سندًا أزرقًا بسعر فائدة ثابت، جمع من خلاله 10 ملايين دولار لدعم المبادرات البيئية ذات الصلة.

    أما بنك الصين، فقد أطلق في نوفمبر 2020 أول سند أزرق يصدره قطاع خاص، وكان أيضًا أول إصدار من بنك تجاري وأول إصدار يتم في آسيا، حيث جمعت هذه السندات مزدوجة العملة ما يعادل 942 مليون دولار أمريكي، وتم توجيه العائدات نحو مشاريع حماية المحيطات.

    تطور الأسواق المستدامة والبنية التحتية المالية

    رغم أنَّ عدد إصدارات السندات الزرقاء لا يزال محدودًا مقارنة بنظيرتها الخضراء، إلا أن البيئة التنظيمية والأسواق المالية شهدت تحولات مهمة مهدت الطريق لنمو هذا النوع من الأدوات؛ ففي عام 2015 أطلقت ناسداك أول سوق للسندات المستدامة في العالم، وسرعان ما شهد هذا السوق نموًا ملحوظًا، مما أدى إلى إطلاق شبكة ناسداك للسندات المستدامة (NSBN) في عام 2019.

    وكانت ناسداك من بين الشركاء المؤسسين لمبادرة “البورصات المستدامة” التي تسعى إلى تحفيز الاستثمارات في المشاريع المستدامة، لا سيما تلك المرتبطة بأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.

    في نهاية المطاف، تظل السندات الزرقاء إحدى الركائز الأساسية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتذكيرًا بأن حماية المحيطات لم تعد ترفًا بيئيًا، بل ضرورة اقتصادية وإنسانية لا غنى عنها.

    اطّلع على أبرز ما جاء في مؤتمر المناخ COP29.. اتفاقيات جديدة للتعويضات الكربونية تُثير الجدل