استراتيجيات التداول

    ما هو مؤشر الانحراف المعياري في التداول؟

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •6 دقائق
    مخطط الشموع اليابانية.

    يُعد مؤشر الانحراف المعياري (Standard Deviation) أحد الأدوات الإحصائية الهامة التي وجدَت طريقها بقوة إلى عالم التحليل الفني للأسواق المالية، ويُستخدم كمقياس دقيق لتقدير درجة التشتت أو الانتشار في مجموعة من البيانات السعرية، مثل أسعار إغلاق سهم معين خلال فترة زمنية محددة، أو ببساطة يستخدم للتعبير عن مدى ابتعاد أو اقتراب قيم البيانات (الأسعار) عن متوسطها الحسابي.

    جوهر الفكرة يكمن في أنه كلما ارتفعت قيمة الانحراف المعياري، كان ذلك دليلاً على تشتت أكبر للأسعار وتقلبات أعلى في السوق، وعلى العكس تُشير القيمة المنخفضة للانحراف المعياري إلى استقرار نسبي في الأسعار وتذبذب أقل.

    لا يقتصر دور هذا المؤشر على كونه مجرد رقم إحصائي، بل يعتبر أداة قوية لتحليل تقلبات السوق (Volatility)، ومن خلال فهم طبيعة التغيرات في أسعار الأصول المالية –سواء كانت أسهماً، أو عملات، أو سلعاً، أو غيرها– يمكن للمتداولين والمستثمرين استخدام هذا الفهم بشكل فعال في بناء استراتيجياتهم واتخاذ قراراتهم الاستثمارية.

    ما هو مؤشر الانحراف المعياري وكيف يُستخدم في التداول؟

    في سياق التداول والتحليل الفني، يُعرف مؤشر الانحراف المعياري بأنه أداة تُستخدم لتحديد مستوى التغير أو التذبذب في سعر أصل مالي معين خلال فترة زمنية محددة، أي أنّه يقيس مدى تباين الأسعار حول متوسطها، ولا يحدد اتجاه السعر، فهو ليس أداة اتجاه.

    يُساعد مؤشر الانحراف المعياري المتداولين على قياس سلوك التقلبات في السوق، بكشفه عمّا إذا كان السعر يتحرك في نطاقات ضيقة أم يشهد تقلبات حادة. ويُمكّن هذا المقياس المتداولين من تقييم المخاطر واتخاذ قرارات تداول أكثر دقة؛ إذ تُعد الأسواق ذات الانحراف المعياري المرتفع أشد خطورة وتتطلب إدارة أعمق للمخاطر.

    على سبيل المثال، يمكن مقارنة سهمين مختلفين؛ السهم الذي يُظهر انحرافاً معيارياً أعلى لأسعاره يُعتبر أكثر تقلباً (وبالتالي قد يكون أكثر خطورة أو يوفر فرصاً أكبر لتحقيق أرباح سريعة لمن يتقنون التعامل مع التقلبات) مقارنة بسهم آخر له انحراف معياري أقل. لكن الجدير بالذكر أنّ الانحراف المعياري يقيس البيانات التاريخية -التي حدثت بالفعل- ولا يتنبأ بالمستقبل بشكل مباشر.

    كيف يتم حساب مؤشر الانحراف المعياري؟

    لفهم كيفية عمل المؤشر، من الضروري معرفة طريقة حسابه، ويتم ذلك عبر الخطوات الآتية:

    • جمع البيانات:

    الخطوة الأولى هي الحصول على سلسلة من البيانات السعرية للأصل المالي المراد تحليله، والتي عادةً ما تكون أسعار الإغلاق لفترة زمنية محددة (مثلاً: أسعار الإغلاق اليومية لسهم ما خلال الـ 20 أو 30 يوماً الماضية)، مع إمكانية استخدام أي فترة زمنية، ولكن الفترات الأكثر شيوعاً هي 20 فترة.

    • حساب المتوسط الحسابي:

    يتم حساب المتوسط الحسابي البسيط لأسعار الإغلاق التي تم جمعها في الخطوة السابقة، وذلك عن طريق جمع كل أسعار الإغلاق ثم قسمة المجموع على عدد الفترات (عدد الأيام في مثالنا).
    المتوسط الحسابي = (مجموع أسعار الإغلاق) / (عدد الفترات)

    • حساب الانحرافات عن المتوسط:

    لكل سعر إغلاق في السلسلة، يتم حساب الفرق بينه وبين المتوسط الحسابي الذي تم حسابه في الخطوة الثانية.
    الانحراف = سعر الإغلاق لكل فترة – المتوسط الحسابي

    • تربيع الانحرافات:

    يتم تربيع قيمة كل انحراف تم حسابه في الخطوة الثالثة، والهدف من ذلك هو التخلص من الإشارات السالبة (لأن بعض الأسعار ستكون أعلى من المتوسط وبعضها أقل) وإعطاء وزن أكبر للانحرافات الكبيرة.

    • حساب متوسط الانحرافات التربيعية (التباين):

      • إذا كانت البيانات تمثل المجتمع الكامل:
        التباين = مجموع مربعات الانحرافات ÷ عدد القيم

      • إذا كانت عينة (وهو الأكثر شيوعاً في الإحصاء)
        التباين = مجموع مربعات الانحرافات ÷ (عدد القيم - 1)

    • أخذ الجذر التربيعي:

    الخطوة الأخيرة هي أخذ الجذر التربيعي لقيمة التباين التي تم حسابها في الخطوة الخامسة، سيكون الناتج هو قيمة الانحراف المعياري.
    الانحراف المعياري = √التباين

    اقرأ أيضًا: كيف قلبت استراتيجية الـ “كاري تريد” الأسواق رأسا على عقب؟

    مثالي توضيحي لحساب مؤشر الانحراف المعياري

    لنفترض أننا نريد حساب الانحراف المعياري لأسعار إغلاق سهم ما خلال 5 أيام، وكانت الأسعار كالآتي:

    • اليوم 1: 10 دولار

    • اليوم 2: 12 دولار

    • اليوم 3: 11 دولار

    • اليوم 4: 13 دولار

    • اليوم 5: 14 دولار

    طريقة الحساب:

    • جمع البيانات:
      10 + 12 + 11 + 13 + 14 = 60

    • حساب المتوسط الحسابي:
      60 / 5 = 12 دولار.

    • حساب الانحرافات عن المتوسط:

      • اليوم 1: 10 – 12 = -2

      • اليوم 2: 12 – 12 = 0

      • اليوم 3: 11 – 12 = -1

      • اليوم 4: 13 – 12 = 1

      • اليوم 5: 14 – 12 = 2

    • تربيع الانحرافات:

      • (-2)^2 = 4

      • (0)^2 = 0

      • (-1)^2 = 1

      • (1)^2 = 1

      • (2)^2 = 4

    • حساب متوسط الانحرافات التربيعية (التباين):
      (4 + 0 + 1 + 1 + 4) / 5 = 10 / 5 = 2

    • استخراج الجذر التربيعي (الانحراف المعياري):
      √2 ≈ 1.414 دولار

    إذن، الانحراف المعياري لأسعار هذا السهم خلال الخمسة أيام هو تقريباً 1.414 دولار، مع اعتبار أنّ هذه هي جميع القيم المتاحة، وهذا الرقم يشير إلى درجة تشتت الأسعار حول المتوسط، وكلما زادت قيمته دلّ ذلك على ارتفاع التقلب.

    وفي معظم منصات التحليل الفني يُحسب مؤشر الانحراف المعياري بقسمة مجموع مربعات الانحرافات على عدد الفترات (N)، لذلك اعتمد المثال هذه الطريقة.

    تفسير قيم مؤشر الانحراف المعياري

    • انخفاض المؤشر: يدل على انخفاض في تقلبات السوق، ما يعني أن الأسعار تميل إلى التجمع حول المتوسط، وفي هذه الحالة قد تكون المخاطر أقل.

    • ارتفاع المؤشر: يعكس تقلبات حادة في الأسعار وابتعادها عن المتوسط، ما يشير إلى مستوى مخاطر أعلى.

    استخدامات مؤشر الانحراف المعياري

    بمجرد فهم آلية عمل مؤشر الانحراف المعياري وكيفية تفسير قراءاته، يصبح بالإمكان تطبيقه عمليًا في استراتيجيات التداول المختلفة؛ حيث تتعدد الطرق التي يمكن للمتداولين من خلالها الاستفادة من هذا المؤشر لتحسين قراراتهم، ومنها ما يأتي:

    أولًا: قياس المخاطر وتقييمها

    يُعدّ المؤشر مقياساً أساسياً لمستوى المخاطر المرتبطة بسوق أو أصل مالي معين. على سبيل المثال، سهم ذو انحراف معياري مرتفع باستمرار يُعتبر أكثر خطورة (وأكثر تقلباً) من سهم ذي انحراف معياري منخفض، وهذه المعلومة حيوية لمديري المحافظ والمستثمرين عند توزيع أصولهم.

    ثانيًا: تحديد فرص التداول (نقاط الدخول والخروج المحتملة):

    يمكن استخدام المؤشر لتحديد ما إذا كانت الأسعار قد انحرفت بشكل كبير عن "وضعها الطبيعي" أو متوسطها.

    • عندما يكون الانحراف المعياري منخفضاً لفترة ثم يبدأ في الارتفاع: قد يشير ذلك إلى بداية حركة سعرية قوية جديدة، وإذا تزامن هذا الارتفاع مع اختراق سعري لمستوى دعم أو مقاومة فقد تكون إشارة لدخول السوق.

    • عندما يصل الانحراف المعياري إلى مستويات مرتفعة جداً (متطرفة): قد يشير ذلك إلى أن التقلبات قد وصلت إلى ذروتها وأن السوق قد يكون مهيأً لحركة تصحيحية أو انعكاس، وفي حال انخفض السعر بشكل كبير عن المتوسط ووصل الانحراف المعياري إلى قمة، قد يراها البعض فرصة شراء محتملة تحسباً لعودة السعر نحو المتوسط. والعكس صحيح، فإذا ارتفع السعر بشكل كبير عن المتوسط ووصل الانحراف المعياري إلى قمة فقد تكون فرصة بيع.

    ثالثًا: الاقتران مع مؤشرات أخرى

    غالباً ما يُستخدم الانحراف المعياري كجزء أساسي في بناء مؤشرات أخرى، أشهرها مؤشر بولينجر باندز؛ الذي يتكون من متوسط متحرك (عادةً 20 فترة) ونطاقين (علوي وسفلي) يتم رسمهما عند انحرافين معياريين (عادةً 2 انحراف معياري) أعلى وأسفل المتوسط المتحرك، وعندما تتسع النطاقات فهذا يعني زيادة التقلب (ارتفاع الانحراف المعياري)، وعندما تضيق فهذا يعني انخفاض التقلب.

    رابعًا: تحديد حجم الصفقة

    يمكن للمتداولين استخدام قيمة الانحراف المعياري للمساعدة في تحديد حجم الصفقات المناسب، وفي الأسواق ذات التقلبات العالية (انحراف معياري مرتفع)، قد يختار المتداولون تقليل حجم صفقاتهم للحد من المخاطر المحتملة.

    من الضروري أن تجري أبحاثك الخاصة وتفهم آلية عمل المؤشر بشكل عميق قبل الاعتماد عليه في قرارات التداول، ويُستحسن دائماً استخدام المؤشر بالتوازي مع أدوات تحليل فني أخرى لتعزيز دقة الإشارات وتفادي الوقوع في قرارات متسرعة بناءً على مؤشر واحد فقط. ولا تنسَ أهمية وضع خطة متكاملة لإدارة المخاطر، فهي خط دفاعك الأساسي للحفاظ على رأس المال وتقليل أثر التقلبات المفاجئة في السوق.

    تعرّف أيضًا على مؤشر متوسط المدى الحقيقي (average true range)