تقارير اقتصادية

    مؤتمر القاهرة لإعمار غزة.. بين الضغوط السياسية والتحديات الاقتصادية

    •آخر تحديث •5 دقائق
    مؤتمر القاهرة لإعمار غزة.. بين الضغوط السياسية والتحديات الاقتصادية

    في خضم التحركات الدبلوماسية المتسارعة لاحتواء الأزمة الإنسانية والسياسية في قطاع غزة، تتجه الأنظار نحو مصر التي تستعد لاستضافة مؤتمر القاهرة لإعمار غزة، وسط مشاركة متوقعة من الاتحاد الأوروبي وعدد من القوى الإقليمية والدولية؛ حيث أعلن الاتحاد الأوروبي، على لسان الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، عن تطلعه للمشاركة الفعالة في المؤتمر، مؤكداً استعداده للعمل مع مصر لضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، والمساهمة في دعم جهود وقف إطلاق النار.

    وجاء ذلك عقب اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع كالاس، تناول بالتفصيل التطورات السياسية والإنسانية في القطاع، وعكس الدور الذي تلعبه القاهرة كقوة إقليمية محورية تقود الجهود الدبلوماسية والإنسانية في آن واحد.

    حاجة ماسة إلى الممرات الآمنة

    من جانبه شدد الدكتور هاني حافظ، الخبير الاقتصادي، أنَّ إعادة إعمار غزة لم تعد مسألة مساعدات طارئة، بل أصبحت ملفاً اقتصادياً دولياً يواجه معضلات التمويل واللوجستيات والسياسة في آن واحد.

    وقال إن الاتحاد الأوروبي يمتلك أدوات مالية جاهزة مثل بنك الاستثمار الأوروبي وصناديق “تيم يوروب” التي يمكن توجيهها لمشروعات البنية التحتية والإسكان والصحة والتعليم، غير أن نجاح أي خطة يتوقف أولاً على وجود ممرات لوجستية آمنة ومستقرة تسمح بدخول المساعدات والمواد الخام، وهو ما يتطلب ضغوطاً دولية حقيقية على إسرائيل لفتح معابرها الخمسة.

    القاهرة ترفض تصريحات نتنياهو

    كانت وزارة الخارجية المصرية واضحة في رسالتها، إذ جدد عبد العاطي رفض بلاده القاطع لتوسيع العدوان الإسرائيلي والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، مؤكداً أن التصريحات الإسرائيلية التي تتحدث عن “إسرائيل الكبرى” تزيد من تأجيج التوتر وعدم الاستقرار، خاصة وأنّ تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي وصف مهمته بأنها “تاريخية وروحية” وعبّر عن تمسكه الشديد برؤية “إسرائيل الكبرى”، أثارت غضباً واسعاً في القاهرة، حيث اعتبرتها مصر تهديداً مباشراً لحقوق الشعب الفلسطيني ومصدراً لمخاطر اقتصادية وسياسية طويلة المدى.

    ووفقًا لحافظ، فإنَّ هذه التصريحات لا تقتصر تداعياتها على الجانب السياسي فحسب، وإنّما تنعكس أيضاً على كلفة الإعمار، لأن استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني يقوض أي أفق لاستثمارات طويلة الأجل في القطاع، ويجعل المانحين الدوليين أكثر حذراً في ضخ الأموال، خوفاً من تكرار سيناريوهات التدمير وإعادة البناء،

    وأضاف أن تصريحات نتنياهو تمثل تهديداً مباشراً لأي خطة تنموية لأنها تعني عملياً غياب الضمانات السياسية، وهو ما يحول التمويلات الدولية إلى رأس مال مجمّد لا يجد طريقه إلى التنفيذ.

    اقرأ أيضًا: هل تستفيد مصر من انسحاب الصندوق النرويجي من الاستثمارات الإسرائيلية؟

    مبادرات مصر الدولية لوقف العدوان ودعم غزة

    من جانبها، أكدت القاهرة أنها ماضية في جهودها للتوصل إلى صفقة شاملة تتضمن وقف إطلاق النار وإنفاذ المساعدات وإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين وعدد من الأسرى الفلسطينيين بالتنسيق مع قطر والولايات المتحدة، في الوقت الذي تعمل فيه على التحضير لمؤتمر إعادة الإعمار بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين، في مقدمتهم الاتحاد الأوروبي.

    هذا المؤتمر ليس منفصلاً عن السياق العربي الأوسع، فقد سبق للقمة العربية الطارئة في مارس الماضي أن اعتمدت خطة خمسية لإعادة إعمار وتنمية القطاع، تركز على التعافي المبكر وإعادة بناء البنية التحتية والمساكن والمرافق الحيوية دون تهجير السكان، وهي الخطة التي تسعى القاهرة لترجمتها على الأرض من خلال المؤتمر الدولي.

    وفي هذا السياق، شدد عبد العاطي خلال اتصالاته مع المسؤولين الأوروبيين على أن نجاح أي خطة إعمار يتوقف على التزام إسرائيل بفتح المعابر والسماح بتدفق المساعدات، محذراً من سياسة التجويع التي تمارسها تل أبيب ضد المدنيين، ومؤكداً أن مسؤوليتها كقوة احتلال لا تسقط بالتنصل أو وضع الحواجز الإدارية.

    ولفت الدكتور هاني حافظ إلى أن كل دولار أو يورو يتم التعهد به يحتاج إلى ممر آمن قبل أن يتحول إلى مدرسة أو محطة كهرباء أو وحدة سكنية، مشيرة إلى أن الاختناق اللوجستي هو “عنق الزجاجة” لأي خطة إعمار.

    مشاركة القوى الدولية والعربية في مؤتمر القاهرة

    الملف لم يقتصر على الاتحاد الأوروبي فقط، إذ أجرى وزير الخارجية المصري اتصالاً آخر مع نظيره الفرنسي جان نويل بارو، أكد خلاله رفض مصر القاطع لمحاولات إسرائيل ترسيخ الاحتلال في مخالفة صريحة للقانون الدولي، مشيداً في الوقت ذاته بالموقف الفرنسي الذي أعلن عنه الرئيس إيمانويل ماكرون، حيث تعتزم باريس الاعتراف بدولة فلسطينية خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل.

    وقد لاقت هذه الخطوة ترحيباً عربياً واسعاً، فيما أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال اتصالاته الأخيرة مع ماكرون أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية هو الحل الوحيد لضمان الاستقرار الإقليمي.

    ومن جهته، اعتبر الدكتور هاني حافظ أنَّ الخطوة الفرنسية تحمل دلالات اقتصادية بقدر ما تحمله من دلالات سياسية، حيث إنّها تمنح اعترافاً دولياً أوسع بكيان الدولة الفلسطينية، وهو ما يخلق غطاءً قانونياً وسياسياً لتدفقات التمويل والاستثمار، ويزيد من ثقة المانحين والمستثمرين في جدوى مشروعات الإعمار.

    وأضاف أنَّ وجود فرنسا، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، يمكن أن يشكل ثقلاً مالياً وسياسياً لمؤتمر القاهرة، خاصة إذا تم الاتفاق على آليات تمويلية واضحة تجمع بين المنح للمشروعات الاجتماعية والقروض الميسرة للبنية التحتية وضمانات استثمارية للمقاولين والشركات المشاركة.

    في السياق ذاته، شدد عبد العاطي على ضرورة مضاعفة الجهود الدولية لإنفاذ المساعدات إلى القطاع، في الوقت الذي بحث فيه مع نظيره الفرنسي الملف النووي الإيراني وجهود خفض التصعيد واستئناف التفاوض بين طهران والولايات المتحدة والدول الأوروبية، بما يعكس اتساع دائرة الدور المصري لتشمل ملفات إقليمية أخرى تؤثر في الاستقرار الاقتصادي والسياسي للمنطقة.

    مطالب بممرات لوجستية مستقرة

    أوضح الدكتورة هاني حافظ أن مؤتمر القاهرة لإعمار غزة لن يُقاس نجاحه بحجم التعهدات المالية فحسب، بل بمدى القدرة على تحويل هذه التعهدات إلى تدفقات فعلية ومشروعات قائمة على الأرض، وهو ما يتطلب ممرات لوجستية مستقرة، وضمانات تمويلية واضحة، وتوافقاً سياسياً يحول دون تجدد العدوان.

    كما أكَّد أن مصر بما تملكه من موقع جغرافي وبنية تحتية لوجستية، وبما تبذله من جهود دبلوماسية، تبقى الدولة الأكثر قدرة على قيادة هذا المسار وتحويله من أزمة إنسانية إلى فرصة اقتصادية لإعادة بناء غزة بشكل مستدام.

    وأكد الخبير أن مؤتمر القاهرة لإعادة إعمار غزة يتجاوز كونه منصة لجمع المانحين، ليصبح ساحة اختبار حقيقية لمدى قدرة المجتمع الدولي على تحويل النوايا إلى أفعال، وعلى تجاوز الحسابات السياسية الضيقة لصالح بناء مسار اقتصادي وإنساني يضمن حقوق الفلسطينيين ويمنحهم أفقاً جديداً للحياة.

    واختتم حافظ تصريحاته قائلاً: “بينما يتواصل العدوان الإسرائيلي وتتضاعف التحديات، يبقى نجاح هذا المؤتمر رهناً بمدى توافر الإرادة الدولية لفتح المعابر، وتبني ممرات آمنة، ووضع آليات تمويلية شفافة، وهو ما تهدف القاهرة لتأمينه في سباق مع الزمن، مدعومة بمواقف أوروبية وعربية بدأت تتبلور على نحو أوضح، لتضع غزة مجدداً في قلب معادلة السياسة والاقتصاد على المستوى الدولي”.

    اقرأ أيضًا: اقتصاد إسرائيل يعاني بسبب الحروب