يمثل مؤتمر الاستثمار المصري الأوروبي المشترك محطة تحول استراتيجية ومنعطفاً هيكلياً للاقتصاد المصري؛ إذ نجح في حشد تدفقات رأسمالية واستثمارية ضخمة بلغت قيمتها الإجمالية 73 مليار دولار (ما يعادل 67.7 مليار يورو).
وجاءت هذه الحصيلة نتاج توقيع 29 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة 49 مليار يورو مع الشركات التابعة للاتحاد الأوروبي، إلى جانب 6 اتفاقيات ومذكرات تفاهم بقيمة 18.7 مليار يورو مع تحالفات وشركات دولية أخرى.
وترتبط هذه الحزمة التمويلية بمدى التزام القاهرة بالمضي قدماً في مسار الإصلاحات الاقتصادية؛ وفي مقدمتها صيانة مرونة سعر الصرف، وتعزيز التنافسية السوقية للقطاع الخاص، وتسريع وتيرة التحول الأخضر والمستدام.
المكتسبات الجيواقتصادية ومستقبل الطروحات الحكومية
أوضح خبير أسواق المال، الدكتور محمد عبد الهادي، في تصريحات خاصة، أن هذا المؤتمر يمثل نقلة نوعية لأوجه الاستثمار في مصر، شريطة دخول هذه المذكرات حيز التنفيذ الفعلي والتشغيلي.
وأكد عبد الهادي أن الإصلاحات الجريئة التي تبنتها مصر نالت ثقة وكالات التصنيف الائتماني الدولية مثل "فيتش"، و"موديز"، و"ستاندرد آند بورز"، وهي الشهادات الدولية التي حفزت الجانب الأوروبي على ضخ استثمارات جديدة، لاسيما مع بدء تفعيل برنامج الطروحات الحكومية المؤجل وطرح حصص في شركات حيوية لمستثمرين جدد.
وأضاف أن الشراكة تحقق منافع متبادلة؛ فمصر تستفيد من موقعها كبوابة لوجستية تربط آسيا بأوروبا وتتكامل مع مشروع "الحزام والطريق" الصيني، في حين يسعى الاتحاد الأوروبي لتأمين شركاء ومصادر طاقة بديلة وموثوقة في منطقة الشرق الأوسط عقب اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية.
وفي سياق متصل، يرى عضو الجمعية المصرية للإقتصاد والإحصاء والتشريع، الدكتور رمزي الجرم، أن التوقيت الحالي للمؤتمر شديد الحساسية للاقتصادات الناشئة، كونه يتزامن مع خطة الدولة لتنفيذ الخصخصة الجزئية لعدد من الشركات والبنوك لرفع كفاءتها التشغيلية.
وأشار الجرم إلى أن المزايا الفريدة لموقع مصر الجغرافي -بإطلالتها على البحرين الأحمر والمتوسط وامتلاكها لقناة السويس- تسهم في خفض تكاليف الشحن والنقل الدولي، مما يدعم رغبة الاتحاد الأوروبي في فتح أسواق جديدة واعتماد مصر كبوابة رئيسة للنفاذ نحو الأسواق الإفريقية الواعدة.
تفكيك "الاقتصاد الريعي" وتوطين الإنتاج
من جانبها، أكدت خبيرة أسواق المال، الدكتورة جيهان يعقوب، أن التحرك الراهن يعكس رغبة حثيثة من الحكومة المصرية للتخلص التدريجي من بنية "الاقتصاد الريعي" -الذي يرتكز بشكل أساسي على عوائد تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات رسوم عبور قناة السويس- والتحول بدلاً من ذلك نحو اقتصاد إنتاجي مستدام.
وأوضحت يعقوب أن ركائز هذا التحول تعتمد على تسويق الإمكانيات الكبيرة التي تمتلكها مصر؛ بما في ذلك شبكة الطرق والنقل الحديثة، وتوافر البنية التحتية المتطورة، والتركيز على قطاعي التعليم والصحة لخلق مؤشرات تنافسية قادرة على جذب رؤوس الأموال الأجنبية وفتح آفاق استثمارية جديدة.
وتماشياً مع هذا الطرح، شدد أستاذ الاقتصاد والتشريعات المالية بأكاديمية الإسكندرية للإدارة والمحاسبة، الدكتور عمرو محمد يوسف، على أهمية عامل الوقت؛ داعياً إلى سرعة تحويل مذكرات التفاهم إلى مشاريع على أرض الواقع لضمان تحقيق مكاسب عاجلة للاقتصاد الوطني.
وبيّن يوسف أن انعقاد المؤتمر بعد مرور 100 يوم فقط على ترفيع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" يبرهن على ثقة المؤسسات الأوروبية في السوق المصرية، متوقعاً أن تترسخ مكانة مصر كمركز إقليمي رائد لتداول ونقل الطاقة النظيفة، وخاصة الهيدروجين الأخضر، إلى الأسواق الأوروبية، مدعومة بوجود أكثر من 1000 مؤسسة وشركة أوروبية تعمل حالياً داخل البلاد.
اقرأ أيضًا: 9 ملايين.. اللاجئون في مصر إضافة للاقتصاد أم عبء ثقيل؟
رصد تفصيلي لأبرز الاتفاقيات والمشاريع الموقعة
توزعت الشراكات المليارية بين قطاعات الطاقة المتجددة، والصناعات التحويلية، ودعم المهارات والقطاع الخاص كالآتي:
1. مشروعات الهيدروجين والأمونيا الخضراء (الهيئات الحكومية والشركات)
مشروع جرجوب: إنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء بتكلفة 24 مليار يورو (3 مليارات للمرحلة الأولى)، بمشاركة هيئة ميناء الإسكندرية، هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، وتحالف "ديمي هايبورت إنيرجي" البلجيكية.
مشروع رأس شقير: بتكلفة 7 مليارات يورو (مليارا يورو للمرحلة الأولى)، بتنفيذ تحالف "EDF Renewable" الفرنسية و"Zero Waste" المصرية الإماراتية.
مشروع أمونيا دمياط: تكلفة مبدئية 890 مليون دولار بطاقة 150 ألف طن سنوياً، بمشاركة القابضة للبتروكيماويات، شركة "موبكو"، وشهرتي "سكاتك" و"يارا" النرويجيتين.
مشروع العين السخنة (100 ميغاوات): شراكة بين صندوق مصر السيادي، أوراسكوم للإنشاءات، "سكاتك"، و"فيرتيجلوب" لإنتاج 13 ألف طن هيدروجين أخضر و70 ألف طن أمونيا سنوياً.
2. استثمارات المنطقة الاقتصادية لقناة السويس
اتفاقية شركة "DAI" البريطانية: بقيمة 11 مليار دولار لإنشاء مشروع للأمونيا الخضراء بميناء شرق بورسعيد.
اتفاقية شركة بريتيش بتروليوم (BP) وتحالف "مصدر-علام-إنفينيتي": بقيمة 14 مليار دولار لإنشاء مشروع أمونيا خضراء بميناء السخنة.
اتفاقية شركة "أوكيور إنيرجي" (OCIOR): بقيمة 4.25 مليار دولار لإنشاء مصنع للأمونيا الخضراء بميناء السخنة يستهدف السوق الأوروبية.
اتفاقية تحالف "طاقة عربية وفولتاليا": بقيمة 3.46 مليار دولار لإنشاء مشروع أمونيا خضراء بميناء السخنة.
اقرأ أيضًا: الرمال السوداء في مصر.. فرص استثمارية واعدة
3. قطاع الصناعة، السيارات، والصحة
مجموعة العربي: مذكرة تفاهم لتصنيع منتجات "هيلر" الألمانية بمكونات محلية باستثمارات 70 مليون يورو، على أن يبدأ الإنتاج في الربع الأخير من العام الحالي.
تصنيع السيارات بشرق بورسعيد: اتفاقية دراسة جدوى بين المنطقة الاقتصادية لقناة السويس،و صندوق مصر السيادي، وشركة شرق بورسعيد للتنمية، وشركة "فولكس فاجن إفريقيا".
صناعة الدواء: منحة أوروبية بقيمة 3 ملايين يورو لتعزيز وتطوير التصنيع المحلي للقاحات والأدوية.
اقرأ أيضًا: صناعة الأسمدة في مصر.. إلى أين؟
4. دعم القطاع الخاص والتنمية المجتمعية
برنامج حوض البحر المتوسط (المرحلة الثالثة): تمويل بقيمة 263 مليون يورو لدعم القطاع الخاص في مجالات السياحة المستدامة، والتحول الرقمي، والاقتصاد الدائري والأزرق، الزراعة، والبناء الأخضر.
توظيف الشباب: منحة بقيمة 25 مليون يورو لدعم برنامج الاتحاد الأوروبي لتوظيف الشباب وتطوير المهارات في مصر.
حماية الطفل: منحة بقيمة 8 ملايين يورو لمساندة الأجيال القادمة، مكافحة عمالة الأطفال، ودعم نظم الرعاية الصحية والتعليمية والسكنية للأطفال.
في المحصلة، تبرهن مخرجات مؤتمر الاستثمار المصري الأوروبي على أن جاذبية الأسواق الناشئة لم تعد ترتبط بموقعها الجغرافي فحسب، بل بمدى جديتها في صياغة بيئة تشريعية وهيكلية مرنة وقادرة على استيعاب رؤوس الأموال الأجنبية.
وفي كل الأحوال، يظل تحويل مذكرات التفاهم المليارية -خاصة في مجالات الطاقة النظيفة والصناعات التحويلية- من أطر تعاقدية إلى كيانات إنتاجية قائمة على الأرض، الاختبار الحقيقي للاقتصاد المصري في سعيه نحو التخلص من الأنماط الريعية، وبناء نموذج نمو مستدام ومقاوم للصدمات العالمية بالتعاون مع شركائه الاستراتيجيين.
قد يهمّك أيضًا: أزمة الطاقة في مصر تنهك الاقتصاد
