تقارير الطاقة

    حرب ترامب على السيارات الكهربائية.. حماية أم تراجع؟

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •5 دقائق
    تصميم  سيارة كهربائية.

    منذ إعلانه الترشح للانتخابات الرئاسية الأمريكية، تبنى الرئيس السابق دونالد ترامب موقفًا راديكاليًا مناهضًا للقضايا البيئية والتكنولوجية وأجندة المناخ؛ حيث برز موقفه السلبي تجاه قطاع السيارات الكهربائية كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل.

    وشنّ ترامب حربًا سياسية وإعلامية شرسة على هذه الصناعة الناشئة في الولايات المتحدة، وسط تقديرات تشير إلى أن هذه التوجهات قد تؤدي في النهاية إلى تراجع إجمالي مخزون السيارات الكهربائية إلى النصف بحلول عام 2050، نتيجة تفضيل الشركات تصنيع المركبات الهجينة (Hybrids) بدلاً من الاعتماد على السيارات الكهربائية بالكامل.

    ويرى ترامب أن كبح جماح التوسع في هذه الصناعة يمثل طوق نجاة لإنقاذ قطاع السيارات الأمريكية التقليدي من الزوال التام، فضلاً عن توفير آلاف الدولارات للمستهلكين عند شراء كل سيارة، زاعمًا أن السياسات الحالية لا تخدم سوى الصين والمكسيك، بينما تلحق أضرارًا بالغة بالعمالة الوطنية داخل الولايات المتحدة.

    أبعاد اقتصادية وسياسية وسيادية

    وفي قراءة لأبعاد هذا الموقف، يوضح الدكتور ناصر عبد المهيمن، الباحث الاقتصادي، في تصريحات خاصة، أن هناك عدة أسباب إستراتيجية تقف وراء رفض دونالد ترامب لإنتاج السيارات الكهربائية، على الرغم من دورها المحوري في الحفاظ على البيئة، وتتلخص في الآتي:

    • التكلفة الباهظة والمنافسة

    يرى ترامب أن كلفة إنتاج السيارات الكهربائية مرتفعة للغاية، ولا تتلاءم مع الأوضاع الاقتصادية التضخمية التي تمر بها دول العالم والمواطن الأمريكي. كما يخشى من تنامي النفوذ الصيني؛ إذ نجحت بكين في بناء سلاسل إمداد ومصانع تابعة لها تهدد الصناعة الأمريكية، مما يحول المنافسة إلى صراع هيكلي معقد.

    • دعم قطاع الوقود الأحفوري

    يُعرف ترامب بدعمه المطلق لصناعات الطاقة التقليدية (النفط، والفحم، والغاز الطبيعي) التي تشكل ركيزة أساسية في الاقتصاد الأمريكي؛ حيث يسعى لتعزيزها عبر تقليل القيود التنظيمية والبيئية وزيادة الإنتاج المحلي، وبالتالي فهو يرى في السيارات الكهربائية تهديدًا مباشرًا للطلب على البنزين والديزل.

    • التشكيك في التغير المناخي

    دأب ترامب على إنكار وجود التغير المناخي أو التقليل من تداعياته، مما قاده لمعارضة السياسات الهادفة لخفض الانبعاثات الكربونية، معتبرًا الإجراءات البيئية مجرد عوائق أمام النمو الاقتصادي الحر.

    • حماية المصالح والشركات التقليدية

    سعى ترامب لحماية الكيانات الأمريكية التاريخية التي تنتج سيارات الاحتراق الداخلي، والتي تمتلك ثقلاً توظيفيًا واقتصاديًا هائلاً، لحمايتها من زحف الشركات المصنعة للمركبات الكهربائية.

    • الاستقطاب والصراع السياسي

    يمثل دعم الطاقة النظيفة عقيدة سياسية للحزب الديمقراطي، وبالتالي فإن تبني ترامب لموقف مضاد يأتي انسجامًا مع أدبيات الحزب الجمهوري التي تركز على تحفيز الاقتصاد عبر إزالة القيود الحكومية.

    • السيادة الوطنية والشعار الإستراتيجي

    انطلاقًا من مبدأ "أمريكا أولاً"، يرى ترامب أن الاعتماد على السيارات الكهربائية يرهن السيادة الأمريكية لصالح دول أخرى تهيمن على المواد الخام الحيوية لصناعة البطاريات، مثل الليثيوم والكوبالت.

    قد يهمّك أيضًا: الصين وأوروبا تبحثان تسوية أزمة السيارات الكهربائية

    إلغاء القواعد البيئية والانفتاح المشروط على المصانع الصينية

    في المقابل، يواصل ترامب إبداء دعمه الصارم للسيارات المزودة بمحركات الاحتراق الداخلي، واصفًا الدعم الحكومي والتحفيز المالي الموجه للسيارات الكهربائية بـ "الجنون الكامل".

    من جانبه، أكد الدكتور هاني حافظ، الخبير الاقتصادي، أنه في حال عودة ترامب للسلطة وتمكنه من تنفيذ رؤيته فإن صناعة السيارات الكهربائية ستتلقى ضربة موجعة، تؤثر بشكل حاد على مبيعاتها وحصتها السوقية، رغم أن بعض الكيانات الكبرى مثل "تيسلا" تبدي تفاؤلاً بقدرتها على المنافسة المستقبلية حتى دون إعانات حكومية.

    وأشار حافظ إلى أن ترامب تعهد بإلغاء عشرات القواعد والسياسات البيئية الصارمة التي أقرتها إدارة الرئيس جو بايدن، وتحديدًا ما يُعرف بـ "التزامات بايدن للسيارات الكهربائية"، والتي تشمل معايير الانبعاثات الجديدة، كما تعهد بإنهاء التجميد المفروض على تصاريح صادرات الغاز الطبيعي المسال الجديدة.

    ولخص حافظ مآخذ ترامب الفنية على هذه المركبات في أنها لا تسير لمسافات طويلة كافية، فضلاً عن كونها باهظة الثمن وثقيلة الوزن.

    وعلى صعيد الاستثمارات الأجنبية، فجّر ترامب مفاجأة بإعلان انفتاحه على قيام شركات صناعة السيارات الصينية ببناء مصانع لها داخل الأراضي الأمريكية؛ حيث قال خلال المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري: "حاليًا، تُبنى مصانع كبيرة عبر الحدود في المكسيك. إنني أريد أن تُبنى هذه المصانع في الولايات المتحدة، وأن يتولى شعبنا وعمالنا إدارتها".

    وفي المقابل، هدد ترامب بتعديل اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA)، وفرض رسوم جمركية حمائية تصل إلى 200% على السيارات المصنوعة في المكسيك لمنع تدفقها وعزل الأسواق الأمريكية عنها.

    اقرأ أيضًا: تركيا تنضم لقائمة محاربي السيارات الكهربائية الصينية

    تحول جذري في عالم النقل وعقبات في طريق التطور

    من زاوية تكنولوجية واستثمارية، ترى الدكتورة رانيا الجندي، عضو الاتحاد المصري للأوراق المالية، أن صناعة السيارات الكهربائية تمثل تحولاً جذريًا وثورة حقيقية في عالم النقل، وباتت رمزًا للتقدم التكنولوجي والاستدامة البيئية؛ حيث تلعب دورًا محوريًا في خفض التلوث.

    ولفتت الجندي إلى أن رؤية ترامب تعتبر سياسات الترويج للمركبات الكهربائية في قمم المناخ العالمية مجرد "خدعة" مصممة لإغلاق المصانع الأمريكية، مفضلاً السيارات التقليدية لملائمتها السعرية مع القدرات المادية للمواطنين.

    وأوضحت أن تأخر ازدهار السيارات الكهربائية منذ أواخر القرن التاسع عشر يعود تاريخيًا إلى الهيمنة النفطية والتطور السريع لمحركات الاحتراق الداخلي، غير أن السنوات الأخيرة شهدت نهضة هائلة مدفوعة بالتقدم في كيمياء البطاريات، وتحديدًا بطاريات "الليثيوم أيون" التي وفرت كثافة طاقة أعلى ومدى سفر أطول للشحنة الواحدة، بجانب ابتكارات الشحن السريع.

    تحديات صناعة السيارات الكهربائية

    ورغم هذا التقدم، حددت الجندي أربعة تحديات هيكلية تواجه هذه الصناعة:

    1. تكلفة البطاريات: لا تزال تشكل المكون الأغلى في كلفة السيارة الإجمالية، وتتطلب مزيدًا من الابتكار التقني لخفض أسعارها.

    2. البنية التحتية للشحن: الحاجة ماسة لشبكات شحن واسعة، خاصة في المناطق الريفية التي لا تزال تفتقر للتغطية الكافية.

    3. مدى السفر (القلق من المسافة): على الرغم من التحسينات، لا يزال مدى السفر في الشحنة الواحدة أقل مقارنة ببعض سيارات الوقود التقليدي.

    4. الأثر البيئي للتعدين: يتطلب إنتاج البطاريات استخراج كميات ضخمة من المعادن (الليثيوم والكوبالت)، مما يثير مخاوف بيئية وأخلاقية حادة حول طرق التعدين.

    الآفاق والفرص المستقبلية للقطاع

    واختتمت الدكتورة رانيا الجندي قراءتها بالإشارة إلى أن التحديات لا تلغي وجود فرص هائلة للنمو والابتكار، تتلخص في أربعة محاور إستراتيجية:

    1. تكنولوجيا البطاريات المتطورة: استمرار الأبحاث لتطوير "بطاريات الحالة الصلبة"، والتي تعد بطفرة كبرى في مستويات الأمان والكفاءة وسرعة الشحن.

    2. السيارات ذاتية القيادة: قدرة المركبات الكهربائية على قيادة قطاع القيادة الذاتية، بفضل سهولة تكاملها البنيوي مع الأنظمة والبرمجيات الإلكترونية المعقدة.

    3. الاعتماد على الطاقة المتجددة: ربط محطات الشحن بمصادر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مما يضمن خفض البصمة الكربونية لعملية النقل من المنبع.

    4. أنظمة النقل الذكي: دمج السيارات الكهربائية مع شبكات المرور الذكية لإدارة التدفقات الحركية، مما يساهم بشكل فعال في تقليص نسب الازدحام والتلوث داخل المدن الكبرى.

    اقرأ أيضًا: عودة ترامب إلى البيت الأبيض .. كيف يتأثر قطاع الطاقة الأمريكي