تقارير اقتصادية

    لماذا لم ينقذ النفط اقتصاد إيران من أزماته؟

    بقلم باسل محمود••آخر تحديث •4 دقائق
    العلم الإيراني يرفرف فوق وحدات المعالجة الصناعية في مصفاة مكثفات الغاز "نجمة الخليج الفارسي" في بندر عباس، إيران.
    وحدات المعالجة الصناعية في مصفاة مكثفات الغاز "نجمة الخليج الفارسي" في بندر عباس، إيران.

    تمتلك إيران ثروة نفطية وغازية هائلة، لكنها لم تنجح في تحويلها إلى استقرار اقتصادي مستدام؛ فالدولة التي تضم ثالث أكبر احتياطي نفطي مؤكد وثاني أكبر احتياطي غاز في العالم، وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تواجه في المقابل تضخماً مرتفعاً، وضغوطاً مستمرة على الريال، وتراجعاً في القدرة الشرائية والاستثمار.

    ولا تعود هذه الفجوة إلى وفرة الموارد وحدها؛ إذ تظل العائدات النفطية عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، وحجم الصادرات، والقيود الصارمة المفروضة على التجارة والتمويل الدوليين، إذ إنّ بناء اقتصاد متين يتطلب مؤسسات كفؤة وقواعد إنفاق مالية واضحة وقطاعاً خاصاً قادراً على الإنتاج والاستثمار، وبغياب هذه المقومات تتحول الثروة الهيدروكربونية من مصدر قوة هيكلية إلى إيرادات متذبذبة تؤجل الأزمات المتراكمة دون معالجة أسبابها الجذرية.

    وتبدو الصورة أكثر صعوبة في 2026؛ إذ يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4% خلال العام، مع وصول متوسط تضخم أسعار المستهلك إلى 68.9%، في تقديرات تعكس حجم الضغوط التي تعرض لها الاقتصاد خلال الأشهر الماضية بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية.

    اعتماد الموازنة الإيرانية على النفط

    على الرغم من أن إيران لا تُعدّ اقتصاداً نفطياً خالصاً بفضل قاعدة سكانية عريضة وقطاعات زراعية وصناعية وخدمية متنوّعة، إلا أن النفط يظل شريان الحياة الرئيس للعملة الأجنبية والإيرادات الحكومية؛ مما يجعل أي اضطراب في صادراته ينعكس فوراً على الموازنة العامة، وسعر الصرف، والاستقرار الأسواق المحلية.

    وتجسّد هذه الحالة جوهر أزمة "الاقتصاد الريعي"؛ فعندما تنتعش عوائد النفط تتسع قدرة الدولة على تمويل الواردات ودعم الأسعار والتوسع في الإنفاق، أما عند تراجعها فتتكشف فجوة حادة بين الالتزامات المالية والموارد المتاحة، في ظل غياب قاعدة ضريبية مستقرة وبطء تطور القطاعات الإنتاجية غير النفطية، بما لا يسمح بتعويض النقص في الإيرادات الخارجية.

    وفي هذا السياق، يشير البنك الدولي إلى أنه رغم التنوع النسبي للاقتصاد الإيراني مقارنة ببعض نظرائه من مصدّري النفط، فإنه لا يزال رهيناً لعائدات الخام، ومكَبّلاً بالهيمنة الواسعة للدولة والقطاع العام على مجالات الصناعة والخدمات المالية.

    اقرأ المزيد: لماذا تعاني إيران من أزمة طاقة رغم مواردها الهائلة؟

    صادرات النفط تحت ضغط دائم

    لا تكمن الأزمة الاقتصادية في حجم الاحتياطي النفطي القابع تحت الأرض، بل في القدرة التنافسية على استخراجه، وتسويقه، وتحويل عوائده إلى استثمارات ممتدة الأثر؛ إذ تُشكّل العقوبات الدولية والقيود الصارمة على خدمات التمويل والتأمين والشحن البحري عقبات كثيرة تجعل الصادرات الإيرانية أكثر كلفة وتعدّداً في التعقيدات، فضلاً عن حرمان القطاع من التكنولوجيا الحديثة وجذب رؤوس الأموال الأجنبية.

    وتُشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن الإنتاج الإيراني ظل مقيداً لسنوات بسبب نقص الاستثمار والعقوبات رغم كبر الاحتياطيات، كما أن تقلبات الأسعار والخصومات التي قد تقدم للمشترين تجعل الإيراد الفعلي أقل استقراراً من حجم الصادرات وحده.

    ومع تراجع تدفق العملات الأجنبية، يرتفع الضغط على سعر الصرف؛ فالاقتصاد يحتاج إلى الدولار واليورو لتمويل الواردات، من الغذاء والدواء إلى المواد الخام والآلات، وكلما شحّت هذه العملات أو ارتفعت كلفة الحصول عليها انعكس ذلك على أسعار السلع داخل السوق.

    انتقال عجز الموازنة إلى أسعار السلع

    تتضح الأزمة أكثر عندما لا تكفي الإيرادات لتغطية النفقات العامة؛ فالعجز لا يبقى رقماً في أوراق الموازنة بل ينتقل إلى الاقتصاد عبر الاقتراض وزيادة السيولة والضغط على العملة المحلية.

    وعندما ترتفع الكتلة النقدية أسرع من نمو الإنتاج ترتفع الأسعار، ثم تتراجع الثقة بالريال، فيتجه الأفراد والشركات إلى الدولار والذهب والعقارات لحماية مدخراتهم. هذه التحركات مفهومة من جانبهم، لكنها تزيد الطلب على العملات الأجنبية وتضيف ضغوطاً جديدة على سعر صرف الريال.

    لذلك لا يكفي ارتفاع النفط لتخفيف أثر التضخم، فإذا ذهبت الزيادة في الإيرادات إلى تغطية التزامات قائمة، أو دعم واسع أو نفقات جارية دون توسيع الطاقة الإنتاجية يعود الأثر التضخمي في وقت لاحق، ويزداد الوضع صعوبة مع ارتفاع كلفة الغذاء والطاقة وتراجع مستويات الدخول الحقيقية.

    اقرأ أيضًا: العقوبات على طهران تُطيح بالريال الإيراني

    القطاع الخاص الإيراني محاصر

    يواجه القطاع الخاص الإيراني بيئة شديدة التعقيد، فإلى جانب العقوبات وتقلب العملة تنافسه مؤسسات عامة وشبه حكومية كبيرة، تعرف محلياً باسم "خصولتي" تجمع بين خصائص القطاعين العام والخاص. بعض هذه الكيانات يمتلك وصولاً أفضل إلى العقود والتمويل والتراخيص، ما يضعف تكافؤ الفرص في السوق.

    ولا يعني ذلك أن كل مشكلة اقتصادية سببها الفساد، لكنه يجعل الرقابة على تدفق الأموال وتحديد المسؤوليات أكثر صعوبة، كما يدفع جزءاً من رؤوس الأموال إلى أنشطة أقل مخاطرة وأسرع عائداً، مثل الاستيراد والمضاربة والعقارات، بدلاً من توجيهها إلى الصناعة والزراعة والتكنولوجيا.

    وفي مثل هذه الظروف يتردد المستثمر في ضخ أموال طويلة الأجل، فيما يبحث أصحاب الكفاءات عن فرص أكثر استقراراً خارج البلاد، والخسارة هنا لا تقتصر على الأموال الخارجة، بل تشمل المعرفة والخبرة ورواد الأعمال الذين تحتاجهم أي خطة للتنويع الاقتصادي.

    وتؤكد التقارير الاقتصادية أن المعضلة الإيرانية لا تكمن في كمية النفط المُستخرَج، بل في العجز عن تحويل عوائده إلى قدرات إنتاجية وفرص عمل واستقرار نقدي؛ فزيادة الصادرات قد تُسكن الأزمات المالية مؤقتاً، لكنها لن تعالج التضخم الهيكلي أو هشاشة العملة دون إصلاحات جذرية تشمل إدارة الموارد والشفافية وعدالة المنافسة.

    قد يهمّك أيضًا: لماذا بقيت أسعار النفط دون 150 دولاراً رغم حرب إيران؟