في اللحظة التي بدأت فيها الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران، توقعت أسواق الطاقة السيناريو الأسوأ، وكان الخوف الأكبر يتمثل في شلل كامل لتجارة النفط عبر مضيق هرمز، الممر الذي يعبر من خلاله نحو خمس تجارة الطاقة العالمية.
السيناريو كان واضحاً في أذهان المتداولين، ويتمثل في توقف الشحن وضرب منشآت الطاقة ورد إيراني يستهدف الموانئ والمصافي في الخليج، لكن بعد أيام قليلة فقط بدأت ملامح هذا السيناريو تتحقق بالفعل؛ حيث تعرضت منشآت طاقة رئيسة لهجمات، وتوقف أكبر مصنع للغاز الطبيعي المسال في العالم في قطر، وتعطلت إحدى أهم المصافي في السعودية، بحسب فاينينشيال تايمز.
الأكثر إثارة للقلق كان ما يحدث في البحر، فأكثر من 150 ناقلة نفط انتظرت خارج مضيق هرمز، بعد أن امتنعت شركات التأمين وملاك السفن عن إرسال سفنهم إلى منطقة القتال، وفي سوق النفط عادة ما يؤدي مثل هذا المشهد إلى انفجار الأسعار، لكن المفاجأة أن النفط لم يصل إلى 100 دولار للبرميل.
ارتفاع قوي.. لكنه أقل من موجات الذعر
ارتفعت أسعار النفط بالفعل منذ بداية الصراع، فقد صعد خام برنت بنحو 30% ليصل إلى حوالي 85 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ يوليو 2024، لكن هذه الزيادة -رغم قوتها- لم تتحول إلى موجة ذعر في السوق، فالسعر لا يزال بعيداً عن 128 دولاراً للبرميل التي سجلها النفط بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
ولفهم ما يحدث الآن، من الضروري العودة إلى التاريخ، فالأزمات النفطية الكبرى عادة ما كانت تدفع الأسعار إلى قفزات هائلة، والأمثلة كثيرة، أهمها:
- الحظر النفطي العربي عام 1973-1974 الذي رفع الأسعار بنحو 260%.
- الثورة الإيرانية عام 1979 التي رفعت الأسعار بنحو 160%.
- غزو العراق للكويت عام 1990 الذي تسبب في ارتفاع يقارب 180%.
تراجع الاعتماد العالمي على نفط الشرق الأوسط
أحد الأسباب الرئيسة لهدوء السوق يعود إلى تحول هيكلي في الاقتصاد العالمي، فخلال العقود الماضية تراجعت كثافة استخدام النفط في الاقتصادات المتقدمة، بمعنى أن كل وحدة من الناتج الاقتصادي اليوم تحتاج إلى نفط أقل بكثير مقارنة بما كان عليه الوضع في سبعينيات القرن الماضي.
كما أن الاعتماد على نفط الشرق الأوسط لم يعد كما كان، فالولايات المتحدة أصبحت أكبر منتج للنفط في العالم، ما غيّر ميزان القوى في سوق الطاقة، وفي الوقت نفسه دخلت إمدادات جديدة إلى السوق من غيانا والبرازيل وكندا، ما يمنح السوق مرونة أكبر في مواجهة الصدمات الجيوسياسية.
دور انتخابات الأمريكية
إلى جانب التحولات الهيكلية في العرض، هناك عامل سياسي لا يقل أهمية، فالولايات المتحدة تقترب من انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، وهي لحظة حساسة اقتصادياً وسياسياً، وارتفاع أسعار النفط يعني ارتفاع أسعار الوقود، وهو ما ينعكس مباشرة على التضخم، ولهذا فإنّ الإدارة الأمريكية تمتلك حافزاً قوياً لاحتواء الأسعار، وإحدى الأدوات المتاحة هي الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الذي يمكن استخدامه لضخ كميات إضافية في السوق عند الحاجة.
أضف إلى ذلك أنّ صناعة النفط شهدت خلال السنوات الخمس الماضية سلسلة من الأزمات غير المسبوقة، بدأت بجائحة كوفيد-19 التي أدت إلى انهيار الطلب العالمي، ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية التي أعادت تشكيل تدفقات الطاقة العالمية. ووفقًا لأحد كبار المتداولين في السوق، فإن قطاع النفط واجه خلال خمس سنوات فقط عدداً من الأزمات يوازي ما شهده خلال ربع قرن سابق، وهذه الخبرة جعلت المتداولين أكثر حذراً وأقل اندفاعاً.
اقرأ أيضًا: ارتفاع مفاجئ في أسعار الوقود مع تصاعد حرب الشرق الأوسط
السوق كانت مستعدة للأزمة
سبب آخر لعدم انفجار الأسعار يعود إلى استعداد المتداولين، فالتصعيد بين إيران وإسرائيل لم يكن مفاجئاً بالكامل، فخلال الأسابيع السابقة للأزمة ظهرت إشارات واضحة على احتمال اندلاع مواجهة عسكرية، وهذا دفع العديد من المتداولين إلى اتخاذ مراكز استثمارية تستفيد من ارتفاع الأسعار قبل اندلاع الصراع، بمعنى أن جزءاً من ارتفاع الأسعار كان قد تم تسعيره بالفعل في السوق.
ومن ناحية أخرى، كانت سوق النفط قبل اندلاع الصراع تتمتع بإمدادات مريحة نسبياً، والدول المستوردة استغلت هذه الفترة لبناء مخزوناتها؛ فالصين على سبيل المثال تمتلك احتياطيات تكفي لتغطية 124 يوماً من الاستهلاك دون أي إمدادات جديدة، أما المخزونات العالمية فتبلغ حوالي ملياري برميل، وهذا يعني أنّه حتى مع تهديد نحو 16 مليون برميل يومياً من إمدادات الشرق الأوسط لا تزال هذه المخزونات قادرة على تخفيف الصدمة.
النفط العائم.. الاحتياطي غير الرسمي
هناك أيضاً احتياطي غير رسمي في السوق، يتعلق بالنفط الموجود بالفعل على متن ناقلات في البحر، والتقديرات تشير إلى وجود ما بين 120 و150 مليون برميل على ناقلات مرتبطة بتجارة النفط التي تتجاوز العقوبات المفروضة على روسيا أو إيران، وهذه الكميات يمكن أن تدخل السوق بسرعة إذا ارتفعت الأسعار بشكل كبير، وبذلك تشكل طبقة إضافية من الحماية ضد نقص الإمدادات.
اقرأ أيضًا: الحرب بين أمريكا وإيران.. سيناريوهات التصعيد في الشرق الأوسط
متى يصل النفط إلى 100 دولار؟
رغم هدوء السوق النسبي، فإن سيناريو 100 دولار للبرميل لا يزال مطروحاً، والمفتاح الرئيس لهذا السيناريو هو مدة إغلاق مضيق هرمز، فإذا بقي المضيق مغلقاً لمدة أسبوعين فقد تتعطل أكثر من 250 مليون برميل من النفط، وفي هذه الحالة قد تواجه دول الخليج مشكلة غير متوقعة تتمثل في امتلاء مرافق التخزين، فتضطر إلى إغلاق بعض الحقول مؤقتاً، وهذا يعني اختفاء ملايين البراميل من السوق، وعند هذه النقطة قد يصبح تجاوز 100 دولار أمراً واقعياً.
بعض الإشارات على هذا السيناريو بدأت تظهر بالفعل، فقد أعلن العراق إغلاق حقل الرميلة -أحد أكبر حقول النفط في العالم – بعد وصول المخزونات إلى مستويات حرجة، وهذه الخطوة تكشف عن مشكلة لوجستية غالباً ما يتم تجاهلها في أوقات الأزمات، وهي أن النفط لا يمكن إنتاجه بلا حدود إذا لم يكن هناك مكان لتخزينه أو طريق لتصديره، ولهذا فإن استمرار تعطيل الملاحة قد يؤدي تدريجياً إلى تقليص الإنتاج.
على أية حال، حتى في أسوأ السيناريوهات تعطيل مضيق هرمز لا يعني توقف كل الصادرات النفطية من الخليج، فالسعودية والإمارات تمتلكان خطوط أنابيب قادرة على نقل نحو 9 ملايين برميل يومياً بعيداً عن المضيق، وهذه المسارات البديلة تمنح السوق هامشاً إضافياً من المرونة، لكنها لا تستطيع تعويض كامل الصادرات التي تمر عبر المضيق.
وفي السيناريو الأساسي الذي يتبناه معظم المحللين، ستبقى الأسعار بين 80 و90 دولاراً للبرميل إذا استؤنفت الملاحة عبر مضيق هرمز سريعاً، لكن إذا طال أمد التعطل فإن المعادلة ستتغير، وحينها قد تتجاوز الأسعار 100 دولار بسهولة، وفي الأجل القصير يتوقع المحللون استمرار الصراع مع احتمال اقتراب الأسعار من التسعينات المرتفعة.
اقرأ أيضًا: الحرب على إيران تثير قلق الأسواق العالمية
