اقتصاد كلي

    لماذا ثبت المركزي المصري أسعار الفائدة للمرة الثالثة؟

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •5 دقائق
    البنك المركزي المصري يثبت أسعار الفائدة.

    قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، خلال اجتماعها المنعقد اليوم الخميس، 9 يوليو 2026، الإبقاء على أسعار العائد الأساسية دون تغيير، وذلك في ضوء تقييمها لأحدث تطورات معدلات التضخم وتوقعاته خلال الفترة المقبلة، إلى جانب استمرار حالة عدم اليقين التي تسيطر على البيئة الاقتصادية العالمية.

    وأوضح البنك المركزي المصري، في بيان له، أن لجنة السياسة النقدية قررت تثبيت سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند مستوى 19%، وسعر عائد الإقراض لليلة واحدة عند مستوى 20%، كما أبقت على سعر العملية الرئيسة للبنك المركزي عند 19.50%، وسعر الائتمان والخصم عند 19.50%.

    وأشار البنك المركزي إلى أن قرار التثبيت جاء انعكاسًا لتقييم اللجنة لآخر تطورات التضخم وتوقعاته منذ اجتماعها السابق، في ظل متابعة دقيقة لمسار الأسعار محليًا وتطورات الاقتصاد العالمي، وما يرتبط بها من انعكاسات محتملة على معدلات التضخم والنشاط الاقتصادي.

    وكان البنك المركزي المصري قد أبقى على أسعار الفائدة دون تغيير خلال آخر ثلاثة اجتماعات للجنة السياسة النقدية، ليستقر سعرا الإيداع والإقراض عند 19% و20% على الترتيب، وذلك في إطار سياسة الترقب التي يتبعها البنك المركزي لمتابعة المتغيرات الاقتصادية، خاصة مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية وتأثيراتها المحتملة على مستويات التضخم.

    وسبق أن خفض البنك المركزي أسعار الفائدة بإجمالي 8.25 نقطة مئوية منذ بداية دورة التيسير النقدي، قبل أن يتجه إلى تثبيت أسعار العائد خلال الاجتماعات الأخيرة، في ضوء ظهور مخاوف مرتبطة بإمكانية عودة الضغوط التضخمية، لا سيما مع ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا وتزايد حالة عدم اليقين في الأسواق الدولية.

    التضخم في مصر وتأثيره على التوجهات النقدية

    وفيما يتعلق بمعدلات التضخم، أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تباطؤ معدل التضخم في مدن مصر للشهر الثاني على التوالي خلال مايو الماضي، ليسجل 14.6%، مقارنة بـ14.9% في أبريل السابق، وهو ما يعكس استمرار تراجع وتيرة الزيادة في الأسعار، وإن ظل البنك المركزي يتعامل بحذر مع مسار التضخم خلال الفترة المقبلة.

    وجاء قرار لجنة السياسة النقدية اليوم متوافقًا مع توقعات غالبية الخبراء والمحللين الاقتصاديين، الذين رجحوا استمرار البنك المركزي في الإبقاء على أسعار الفائدة الحالية دون تغيير، انتظارًا لمزيد من المؤشرات حول اتجاهات التضخم والنمو الاقتصادي، ومدى تأثر الاقتصاد المحلي بالتطورات العالمية والإقليمية.

    وبعد اجتماع يوليو، يتبقى للجنة السياسة النقدية أربعة اجتماعات أخرى خلال عام 2026، تُعقد وفق جدول زمني بواقع اجتماع كل ستة أسابيع، مع احتفاظ البنك المركزي المصري بحقه في عقد اجتماع استثنائي في أي وقت إذا استدعت التطورات الاقتصادية المحلية أو العالمية ذلك.

    عوامل تثبيت البنك المركزي المصري أسعار الفائدة

    وفي تعليقه على القرار، قال الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، إن قرار البنك المركزي المصري بتثبيت أسعار الفائدة على المعاملات المصرفية دون تغيير، يُعد قرارًا صائبًا ومتسقًا مع طبيعة المرحلة الحالية، في ظل استمرار حالة الترقب والحذر التي تفرضها التطورات الاقتصادية والجيوسياسية على المستويين الإقليمي والدولي.

    وأضاف الجرم أن قرار لجنة السياسة النقدية يعكس توجهًا حذرًا من البنك المركزي، خاصة أن المشهد الاقتصادي العالمي لا يزال يتسم بدرجة مرتفعة من الضبابية، نتيجة استمرار التوترات الجيوسياسية، وتقلبات أسعار الطاقة، وتباين سياسات البنوك المركزية الكبرى بين التشديد والانتظار.

    وأوضح أن تثبيت الفائدة في هذا التوقيت يعبر عن رغبة البنك المركزي في الحفاظ على التوازن بين احتواء الضغوط التضخمية من ناحية، وعدم تحميل النشاط الاقتصادي أعباء إضافية من ناحية أخرى، خصوصًا في ظل حاجة السوق إلى استقرار نقدي يدعم الاستثمار والتمويل ويمنح القطاع الخاص رؤية أوضح خلال الفترة المقبلة.

    اقرأ أيضًا: البنك المركزي المصري يسحب سيولة أقل من البنوك.. لماذا ؟

    تحويلات المصريين بالخارج

    وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن قرار التثبيت جاء بعد مؤشرات إيجابية مهمة أعلنتها السلطات النقدية خلال الأيام الأخيرة، من بينها ارتفاع تحويلات المصريين العاملين في الخارج إلى 43.1 مليار دولار خلال الفترة من يوليو حتى مايو من العام المالي الجاري، بزيادة تقدر بنحو 10.3 مليار دولار، وهو ما يعزز قوة موارد النقد الأجنبي ويدعم قدرة البنك المركزي على إدارة السياسة النقدية بثقة أكبر.

    وأكد الجرم أن الزيادة القوية في تحويلات المصريين بالخارج تمثل أحد العوامل المهمة التي دعمت قرار التثبيت، لأنها تعكس تحسنًا واضحًا في تدفقات العملة الأجنبية، وتمنح السلطات النقدية مساحة أوسع للتعامل مع احتياجات السوق، خاصة في ظل استمرار الضغوط الخارجية ووجود سياسات دولية تميل إلى التشديد النقدي في عدد من الاقتصادات الكبرى.

    ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي

    والجرم أضاف أن من بين الأسباب الرئيسة وراء تثبيت الفائدة أيضًا ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة، بعدما كسر حاجز 55.07 مليار دولار، بزيادة شهرية اقتربت من ملياري دولار، وهو مؤشر قوي على تحسن المركز الخارجي للاقتصاد المصري وزيادة قدرة الدولة على مواجهة الصدمات الخارجية.

    ولفت إلى أن ارتفاع الاحتياطي النقدي بهذا الحجم يوجه رسائل طمأنة للمؤسسات المالية والاستثمارية الدولية، مفادها أن الاقتصاد المصري أصبح أكثر قدرة على امتصاص الضغوط، وأن هناك قدرًا أكبر من التنسيق بين السياسات المالية والنقدية، بما يدعم استقرار السوق ويعزز ثقة المستثمرين.

    الحفاظ على جاذبية أدوات الدين

    وأوضح الجرم أن البنك المركزي، من خلال قرار تثبيت الفائدة، يسعى كذلك إلى الحفاظ على جاذبية أدوات الدين والاستثمارات غير المباشرة، خاصة في ظل متوسط عائد يتراوح بين 23% و25% تقريبًا، وهي مستويات لا تزال مرتفعة وجاذبة لشهية المستثمرين، وتساعد على استمرار تدفقات رؤوس الأموال إلى السوق المصرية.

    وأكد أن الإبقاء على مستويات الفائدة الحالية يمنح الجهاز المصرفي قدرة على الاحتفاظ بسيولة مناسبة داخل القطاع المصرفي، وفي الوقت نفسه يتيح مساحة أكبر لتوجيه هذه السيولة نحو تمويل المشروعات والأفراد، باعتبار التمويل أحد المحركات الرئيسة للنشاط الاقتصادي ودعم النمو خلال المرحلة المقبلة.

    وأشار الجرم إلى أن تثبيت الفائدة لا يعني تجميد السياسة النقدية، بل يعكس إدارة متأنية للأدوات المتاحة، خاصة أن البنك المركزي يوازن بين أكثر من هدف في وقت واحد، منها السيطرة على التضخم، والحفاظ على استقرار سعر الصرف، ودعم جاذبية الجنيه، وتحفيز النشاط الاقتصادي دون خلق موجات تضخمية جديدة

    وأضاف أن قرار لجنة السياسة النقدية جاء متوافقًا مع توقعات عدد كبير من المحللين، الذين رجحوا استمرار البنك المركزي في سياسة التثبيت خلال الاجتماع الحالي، انتظارًا لاتضاح مسار التضخم في الأشهر المقبلة، خصوصًا بعد إعلان البنك المركزي ارتفاع معدل التضخم السنوي إلى 14.3% في يونيو الماضي.

    اقرأ أيضًا: هل استعاد الجنيه المصري قوته بعد هبوط الدولار 5.41 جنيه؟

    لماذا لم يخفض المركزي المصري أسعار الفائدة؟

    وقال الجرم إن البنك المركزي اختار التريث بدلًا من خفض الفائدة في هذه المرحلة، لأن أي خفض سابق لأوانه قد يرسل إشارات غير مناسبة للأسواق، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، واستمرار المخاطر المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط، وتداعياتها المحتملة على أسعار السلع وتكاليف الشحن والتأمين.

    وأوضح أن تثبيت الفائدة للمرة الثالثة على التوالي، وفق ما أعلنه البنك المركزي، يعكس رغبة واضحة في مراقبة المتغيرات قبل اتخاذ أي خطوة جديدة في مسار التيسير النقدي.

    واختتم الدكتور رمزي الجرم تصريحاته بالتأكيد على أن قرار البنك المركزي بتثبيت الفائدة يمثل رسالة استقرار للأسواق، ويعكس حرص السياسة النقدية على التحرك بحسابات دقيقة، مشيرًا إلى أن خفض الفائدة سيظل واردًا في مرحلة لاحقة إذا استمرت المؤشرات الإيجابية، وتأكد تراجع التضخم بصورة مستدامة، واستقرت الأوضاع الجيوسياسية والاقتصادية العالمية.

    اقرأ أيضًا: برنامج مصر الوطني بعد صندوق النقد.. مفاتيح التعافي