تقارير اقتصادية

    لماذا ترفض البنوك الإسرائيلية تمديد التعاون مع البنوك الفلسطينية؟

    •آخر تحديث •7 دقائق
    لماذا ترفض البنوك الإسرائيلية تمديد التعاون مع البنوك الفلسطينية؟

    في ظل الأوضاع الاقتصادية المعقدة التي تشهدها الأراضي الفلسطينية، يُعد التعاون المصرفي بين البنوك الإسرائيلية والفلسطينية ضرورة حيوية لضمان استقرار النشاطات المالية وتسهيل حركة الأموال.

    ومع إعلان إسرائيل تمديد هذا التعاون لشهر واحد فقط، أعربت الولايات المتحدة عن قلقها من أن هذه الفترة القصيرة قد تهيئ لأزمة مالية وشيكة مع اقتراب نهاية الشهر.

    هذا التحذير الأمريكي يسلط الضوء على التحديات الكبيرة التي تواجه الفلسطينيين، في وقت تشير فيه التقارير الدولية إلى تدهور اقتصادي يهدد استقرار المنطقة بأكملها، ما يعزز أهمية إيجاد حلول طويلة الأمد لتفادي تداعيات اقتصادية أعمق.

    وقد حذرت الحكومة الأمريكية من أن قرار إسرائيل بتمديد إعفاء التعاون بين البنوك الإسرائيلية والفلسطينية لشهر واحد فقط يعد “قصير المدى”، وقد يؤدي إلى “أزمة جديدة تلوح في الأفق” بحلول 30 نوفمبر، وفقًا لوكالة رويترز، حيث جاء الإعلان بعد تصريح للمتحدث باسم وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، الذي أكد أن الوزير سيقوم بتوقيع قرار لتمديد الإعفاء لمدة شهر إضافي بعد موافقة مجلس الوزراء.

    مخاوف أميركية بشأن قرار التمديد

    في بيان مشترك، أعرب وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، ووزيرة الخزانة، جانيت يلين، عن قلقهما بشأن قصر مدة هذا التمديد، مشيرين إلى أنه ينذر بحدوث أزمة جديدة بحلول نهاية الشهر المقبل، ما يضيف حالة من عدم اليقين للبنوك الدولية والشركات الإسرائيلية التي تعمل في الضفة الغربية، ويؤثر بشكل كبير على الفلسطينيين العاديين.

    ودعا الوزيران إسرائيل إلى تمديد العلاقات المصرفية بين البنوك الإسرائيلية والفلسطينية لمدة لا تقل عن عام كامل، لتجنب أزمة اقتصادية وشيكة في الضفة الغربية المحتلة، مؤكدين أن هذا القرار ليس فقط في مصلحة الفلسطينيين بل له تأثير مباشر على أمن إسرائيل أيضًا.

    كما يوفر هذا الإعفاء للبنوك الإسرائيلية الحماية القانونية لتتمكن من إجراء مدفوعات المرتبطة بخدمات الرواتب الخاصة بالسلطة الفلسطينية بالشيكل، دون أن تتعرض للمساءلة القانونية بتهم مثل غسل الأموال أو تمويل الإرهاب، حيث سيتم قطع العلاقات المالية بين البنوك الفلسطينية ونظام المصارف الإسرائيلي دون هذا الإعفاء؛ مما يضع تحديات كبيرة أمام حركة الأموال، ويؤثر على الاستقرار المالي في الأراضي الفلسطينية.

    من جهة أخرى، يُشير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد الفلسطيني يواجه خطر السقوط خاصة مع تدهور الناتج المحلي الإجمالي في غزة، الذي انخفض بنسبة 86% خلال الربع الأول من عام 2024 مقارنة بالعام السابق.

    اقرأ أيضا: تراجع التنمية في غزة 69 عاماً إلى الوراء

    أهمية تمديد التعاون

    يقول الدكتور أحمد سليمان، الخبير المصرفي، إن تمديد التعاون بين البنوك الإسرائيلية والفلسطينية لا بد أن يكون لمدة عام على الأقل؛ للحفاظ على استقرار النظام المالي في فلسطين، وضمان سير المعاملات المالية بشكل طبيعي بين الطرفين.

    وأوضح في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia” أنّ هذا التمديد يعني استمرار تبادل الخدمات المالية والتعاملات البنكية، بما فيها تحويل الأموال والتسويات النقدية، ويعتبر خطوة مهمة لتفادي أية تعقيدات أو انقطاعات يمكن أن تؤثر على حركة الأموال والحياة الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية.

    كما أشار سليمان إلى أن التعاون بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية جزء من الاتفاقات المالية الموقعة منذ سنوات، والتي تهدف إلى تسهيل التجارة والتحويلات المالية بين الاقتصادين، حيث يعتمد الاقتصاد الفلسطيني بشكل كبير على حركة التجارة والتبادل المالي مع إسرائيل، سواء من خلال البضائع أو العمال الفلسطينيين العاملين في إسرائيل، ويتم تنظيم هذه العلاقة عبر قنوات بنكية خاصة تتيح للجانب الفلسطيني الوصول إلى العملات الأجنبية مثل الدولار والشيكل واليورو، وهو ما يعد ضروريًا لتلبية احتياجات الاستيراد والتجارة الدولية.

    وأكد سليمان أن التمديد يضمن الحفاظ على استقرار النظام المالي الفلسطيني، حيث يعد التعاون بين البنوك الإسرائيلية والفلسطينية ضروريًا لضمان استقرار النظام المالي الفلسطيني، خاصةً أن معظم التعاملات المالية تتم بالشيكل الإسرائيلي، سواء للعمال أو التبادل التجاري، وتوقف هذا التعاون قد يؤدي إلى ضغوطات اقتصادية ومشكلات في السيولة النقدية.

    استمرار التحويلات النقدية

    الكثير من الفلسطينيين يعتمدون على تحويل الأموال من العمال الفلسطينيين في إسرائيل أو عبر التجارة الثنائية، لذا فإنّ قرار التمديد يتيح استمرار هذه التحويلات، مع ضمان وصول الأموال للمستفيدين دون انقطاع.

    كما يمكن للتجار الفلسطينيين شراء البضائع المستوردة من إسرائيل أو عبرها، مما يضمن توفر السلع الأساسية في الأسواق الفلسطينية ويخفف من تبعات أي أزمات محتملة، ويساعد في تقليل التوترات الاجتماعية التي قد تنتج عن توقف التحويلات المالية أو عدم قدرة الأفراد على تلبية احتياجاتهم، حيث إن انقطاع المعاملات قد يؤثر في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.

    ويرى الخبير أنّه رغم أهمية هذا التعاون، إلا أن هناك تحديات تتمثل في سيطرة إسرائيل على بعض جوانب النظام المالي الفلسطيني، إذ إن الجانب الفلسطيني يعتمد على الشيكل الإسرائيلي في معظم تعاملاته، مما يجعله معرضًا للتقلبات والسياسات المالية الإسرائيلية، وهو ما يمثل تحديًا للسياسة المالية الفلسطينية التي تهدف إلى مزيد من الاستقلالية.

    واختتم سليمان حديثه مؤكدًا أن الاستقرار المالي للفلسطينيين يتطلب حلاً طويل الأمد يتجاوز الاتفاقات المؤقتة، إذ إن تمديد التعاون لمدة شهر يُعد إجراءً قصير الأمد يعالج الوضع الحالي فقط، لهذا ينبغي للسلطات الفلسطينية أن تُقلل اعتمادها على النظام المالي الإسرائيلي من خلال تطوير بنية تحتية مالية مستقلة، وزيادة الاعتماد على عملات أخرى، لكنّ هذا يتطلب جهودًا دبلوماسية ودعمًا دوليًا.

    اقرأ التحليل الكامل لتأثير إنهاء الحرب على اقتصادات الشرق الأوسط

    مستقبل التعاون المالي بين الطرفين

    يقول الدكتور وليد عادل، الخبير الاقتصادي، إنّ اتفاقية المراسلات المصرفية بين القطاع المصرفي الفلسطيني والبنوك الإسرائيلية انتهت في نهاية شهر أكتوبر 2024، وهي اتفاقية تمنح حماية قانونية من دعاوى قد ترفع في المحاكم الأمريكية أو الإسرائيلية بشأن ما يسمى بتمويل الإرهاب.

    ويعتبر هذا الاتفاق محورياً لاستمرار العلاقات المالية بين الجانبين، ولكن منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023، أصبح تمديد هذه الاتفاقية يمثل تحدياً للبنوك الفلسطينية، في ظل تأخر وزارة المالية الإسرائيلية في توقيع التمديد.

    ووفقاً لتقارير رسمية، يتولى بنكا ديسكونت وهبوعليم الإسرائيليان إدارة العلاقات المالية للبنوك الفلسطينية مع النظام المصرفي الإسرائيلي، حيث يقومان بتيسير التحويلات النقدية، خصوصًا المرتبطة بمدفوعات التجارة بين الجانبين.

    وذكر  الخبير الاقتصادي أنّه منذ ثلاث سنوات، اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارًا يوفر الحماية القانونية لهذين البنكين من أية دعاوى قضائية تتهمهما أو تتهم السلطة الفلسطينية بتمويل الإرهاب، وهو قرار يتم تجديده سنويًا بتوقيع من وزير المالية الإسرائيلي.

    الحصانة القانونية

    أكد عادل في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia” أنه بدون هذا الحصانة القانونية، ستكون البنوك الإسرائيلية معرضة لدعاوى قضائية داخل إسرائيل وفي المحاكم الأمريكية، كما أنّ السلطة الفلسطينية ستفقد بدورها الحماية التي تُجَنِّبها المسؤولية القانونية أمام هذه الاتهامات.

    وأضاف الخبير أنّه منذ تصاعد الأوضاع العسكرية في غزة أصبحت عملية تجديد اتفاقية المراسلات المصرفية تجري كل ثلاثة أشهر، بدلًا من التجديد السنوي المعتاد، وقد تم آخر تجديد للاتفاقية في يوليو الماضي ليُغطي الفترة بين أغسطس وأكتوبر 2024،  مما يضيف ضغوطًا إضافية على القطاع المصرفي الفلسطيني الذي يعتمد على استمرار هذا التعاون المصرفي.

    التوترات السياسية

    سلط الدكتور مازن إرشيد، الباحث الاقتصادي، الضوء على الأسباب الرئيسة لرفض البنوك الإسرائيلية تمديد التعاون مع البنوك الفلسطينية، مشيرًا إلى عدد من العوامل الرئيسية التي تقف وراء هذا القرار؛ منها التوترات السياسية المستمرة والأحداث الأمنية التي تؤثر بشكل كبير على العلاقات بين الطرفين، فهذه التوترات تزيد من حذر البنوك الإسرائيلية، حيث تفضل الابتعاد عن أي علاقات قد تعرضها للمسائلة القانونية أو الاتهامات المتعلقة بتمويل الإرهاب.

    وأوضح أن الوضع الأمني غير المستقر يضع ضغوطًا إضافية على البنوك، مما يجعلها أكثر ترددًا في اتخاذ خطوات تتعلق بالتعاون المصرفي، فضلًا عن المخاطر القانونية التي تواجه البنوك الإسرائيلية في حالة استمرار التعاون مع البنوك الفلسطينية. وأكد أن البنوك تخشى من تعرضها لدعاوى قانونية نتيجة الشراكة مع مؤسسات قد تكون محاطة بمسائل قانونية معقدة وفقًا لوجه نظرها.

    من جهة أخرى، يشكل اعتماد البنوك الفلسطينية على النظام المصرفي الإسرائيلي نقطة ضعف جوهرية، فالاختلافات في المصالح والأهداف الاقتصادية تعقد مسألة التعاون، حيث تحتاج البنوك الفلسطينية إلى التمويل والخدمات، لكن هذه الاحتياجات قد لا تتوافق مع الاستراتيجيات التي تتبناها البنوك الإسرائيلية، مما يؤدي إلى مزيد من التوتر في العلاقات المصرفية.

    قد يهمك أيضًا: تكلفة باهظة لـ حرب إسرائيل في غزة ولبنان

    الوضع المالي الفلسطيني

    لفت إرشيد الانتباه إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها فلسطين، والتي تتمثل في الضغوطات القوية والتحديات المعقدة التي تحتاج البنوك إلى دعم مالي كبير لحلّها، لكن البنوك الإسرائيلية قد ترفض ذلك بسبب مخاوفها من عدم استقرار الوضع المالي الفلسطيني، مما يعيق أي شراكة مستقبلية.

    وناقش الدكتور إرشيد أيضًا الفجوة بين الاستراتيجيات الاقتصادية للبنوك الفلسطينية والإسرائيلية، فبينما تخطط البنوك الفلسطينية إلى تعزيز الاقتصاد المحلي وتلبية احتياجاته، تركز البنوك الإسرائيلية على مصالحها الخاصة، مما يؤدي إلى تفاوت في الرؤى والأهداف.

    كما أشار إلى أن رفض تمديد التعاون المصرفي ينعكس سلبًا على العلاقات التجارية بين الطرفين؛ فدون وجود آليات مصرفية فعالة، تصبح العمليات التجارية بين الفلسطينيين والإسرائيليين أكثر تعقيدًا، مما يزيد من التوترات الاقتصادية في المنطقة.

    في ختام تصريحاته، أكد الدكتور مازن إرشيد أن رفض البنوك الإسرائيلية لتمديد التعاون مع البنوك الفلسطينية يعود إلى مجموعة من العوامل المعقدة التي تشمل التوترات السياسية، والمخاطر القانونية، والاختلافات في الاستراتيجيات الاقتصادية.