اقتصادات عربية

    لجنة تصفية الأصول في مصر تثير مخاوف الخبراء

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •6 دقائق
    القاهرة، مع التركيز بشكل خاص على الجزيرة في نهر النيل.

    مع تزايد الضغوط المالية وتفاقم التحديات الاقتصادية الهيكلية التي تواجه الدولة المصرية، أعلنت الحكومة الجديدة عن إنشاء "لجنة تصفية الأصول" لتكون تابعة لوزارة المالية مباشرة. وتهدف هذه اللجنة إلى جمع حصيلة تتراوح بين 20 إلى 25 مليار جنيه سنويًا، وذلك ضمن خطة مستهدفة للحكومة الجديدة للسنوات الثلاث المقبلة.

    وفي برنامجها الرسمي المقدم إلى البرلمان -وتحديدًا تحت باب "الانضباط المالي وتعزيز الاستدامة المالية" في محور "تحرك الدين العام في مسارات قابلة للاستدامة"- أوضحت الحكومة أنها تستهدف تحويل ما يعادل 1% من الناتج المحلي الإجمالي من عائدات التخارج إلى الموازنة العامة للدولة، بغرض خفض مديونية أجهزة الموازنة. ومع ذلك، لم يلقَ هذا التوجه قبولاً واسعًا بين خبراء الاقتصاد، الذين أكدوا وجود العديد من الحلول البديلة لخطة التصفية البيعية، وفي مقدمتها إسناد إدارة الأصول إلى كيانات استثمارية متخصصة.

    إدارة الدين العام وفكرة "وثيقة التخارج"

    وفي هذا السياق، يرى الدكتور سيد قاسم، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أن العالم بأسره يسعى جاهدًا لتخفيف تكاليف الاقتراض وتخفيض مخاطر الدين العام من خلال الإدارة الرشيدة لمحافظ الديون.

    وأوضح قاسم، في تصريحات خاصة، أن الدين العام يمثل الأموال التي تقترضها الحكومة من الأفراد والمؤسسات -سواء على الصعيد المحلي أو الدولي- لمواجهة الحالات الطارئة وتحقيق مستهدفات تمويلية مختلفة، عندما لا تكفي الإيرادات العامة لتغطية النفقات العامة. وتظهر هذه الديون إما في شكل قروض صريحة، أو في شكل سندات وأذونات خزانة موجهة للمستثمرين المحليين (ويسمى هنا دينًا حكوميًا داخليًا)، أو عبر إصدار سندات دولية موجهة للمستثمرين في الخارج بالعملات الأجنبية. ويتم قياس الحجم الفعلي لهذا الدين من خلال حساب نسبته المئوية إلى الناتج المحلي الإجمالي.

    وشدد قاسم على أنه لا يمكن الاكتفاء بالحديث عن ارتفاع الدين العام كرقم مطلق، بل يجب إخضاع محفظته للدراسة بناءً على مؤشرات تقييم نجاح الإدارة، ومنها:

    • مؤشر نسبة الدين العام (المحلي والخارجي) إلى الناتج المحلي الإجمالي.

    • مؤشر مخاطر الدين الخارجي.

    • مؤشر التمويل المحلي للدين الحكومي.

    • مؤشرات النمو الاقتصادي وعلاقته بالدين العام.

    • مؤشرات البيئة الاقتصادية الكلية والدين العام.

    واستطرد قاسم مؤكدًا أن قرار الحكومة الجديدة بإنشاء لجنة تصفية الأصول هو نتاج تراكمي لقرارات إدارية سابقة في إدارة ملف الدين؛ إذ لا يمكن تمويل استثمارات ومشروعات طويلة الأجل باستخدام قروض قصيرة ومتوسطة الأجل، وهو النهج الذي اتبعته الحكومة السابقة.

    ولفت إلى أن فكرة لجنة تصفية الأصول ليست مستحدثة بالكامل، بل كانت موجودة في عهد الحكومة السابقة تحت مسمى "وثيقة سياسة ملكية الدولة" أو "وثيقة التخارج".

    واختتم بالقول إن السبب الرئيس للجوء للتصفية هو عدم توفيق الحكومة في استثمار هذه الأصول بالشكل الأمثل، إلى جانب ضغوط خدمة الدين المرتفعة، مؤكدًا أن الخبراء يمكنهم طرح بدائل تدر عائدًا مستدامًا ومتواصلاً قبل الاتجاه للبيع.

    اقرأ أيضًا: رأس الحكمة .. أكبر استثمار إماراتي في تاريخ مصر

    معضلة التقييم وفصل الملكية عن الإدارة

    من جانبه، أشار محمد محمود عبد الرحيم، الباحث الاقتصادي، إلى أن فكرة تصفية الأصول ليس لها رصيد كافٍ من النجاح تاريخيًا في مصر، وأن المعضلة الرئيسة تكمن دائمًا في آليات تقييم الأصول.

    وأوضح عبد الرحيم أنه للحكم على جدوى "لجنة تصفية الأصول يجب أولاً تحديد شكل التصفية، والشركات المستهدفة، وموقفها المالي من حيث حجم المبيعات ومعدلات الربحية.

    كما شدد على ضرورة التزام الحكومة بعدم توجيه حصيلة بيع الأصول والأراضي لإنشاء شركات حكومية جديدة أو لزيادة رأس مال الشركات المملوكة للدولة، مما يعني دوران رأس المال في نفس الحلقة المفرغة.

    وأضاف الباحث الاقتصادي: "من الأفضل للشركات الحكومية التوسع الفعلي في تطبيق مفهوم "فصل الملكية عن الإدارة"؛ بحيث تحتفظ الدولة بحصتها من الأرباح وتتخلى عن الإدارة المباشرة، مع طرح أسهم الشركات في البورصة للمستثمرين المصريين والأجانب، وإسناد الإدارة لفريق محترف من القطاع الخاص. هذا التوجه يجب أن يصاحبه استراتيجية لزيادة الصادرات والأرباح لتوفير تدفق دولاري مستدام لحل أزمة النقد الأجنبي، وهو حل استراتيجي أمثل وإن كان أصعب من البيع المباشر للأصل".

    وعزا الباحث تدهور شركات القطاع العام إلى انخفاض الإنتاجية الناتج عن سوء الإدارة والبيروقراطية، وهو ما يختفي فور إسناد الإدارة لجهات غير حكومية. وضرب مثالاً بشركة "أبو قير للأسمدة"، التي تم بيع نحو 22% من أسهمها عام 2022 لصندوق سيادي خليجي بقيمة 392 مليون دولار، وهي نسبة ملكية لم تمنح المشتري انفرادًا بالإدارة، ورغم ذلك حققت الشركة أداءً متميزًا محققة أرباحًا بقيمة 13 مليار جنيه وقدمت ضرائب للدولة بقيمة 3.4 مليار جنيه.

    ولفت عبد الرحيم إلى أن الفرصة البديلة كانت ستصبح أفضل لو احتفظت الدولة بكامل الملكية مع تغيير الإدارة، للاستفادة من تدفقاتها الدولارية الناتجة عن التصدير، معتبرًا أن البيع الكلي مجرد مسكن مؤقت. وفي المقابل، اعتبر فكرة طرح الأندية الرياضية للمستثمرين أمرًا مقبولاً ومنطقيًا لتقليص الدعم الحكومي لها، بشرط احتفاظ الجمهور والحكومة بنسب من الأسهم وإسناد الإدارة للمستثمر.

    اقرأ أيضًا: بعد تحرير سعر الصرف في مصر.. قطاعات مستفيدة وأخرى متضررة

    الأهداف الإستراتيجية

    من منظور تحليلي آخر، علق الدكتور عمرو سلامة مبينًا أن تشكيل لجنة لتصفية الأصول يحمل في طياته آثارًا مزدوجة تعتمد كليًا على طريقة التنفيذ الحوكمية، ولخص أهداف هذه العملية في النقاط الآتية:

    • تحسين المالية العامة: عبر جمع 25 مليار جنيه سنويًا لتعزيز الإيرادات العامة وتقليص عجز الموازنة.

    • توجيه الموارد بكفاءة: من خلال التخلص من الأصول غير المستغلة وتوجيه عوائدها نحو مشاريع أكثر إنتاجية.

    • تحسين إدارة الأصول: بالتخلص من الأصول ذات تكاليف الصيانة والتشغيل المرتفعة التي تشكل عبئًا ماليًا.

    • تحفيز الاستثمار: عبر جذب رؤوس الأموال المحلية والدولية لشراء هذه الأصول وخلق فرص عمل.

    • خفض الدين العام: بتخصيص الحصيلة لسداد جزء من الدين العام وتقليل أعبائه طويلة الأجل.

    • إعادة هيكلة القطاع العام: لتقليص انخراط الدولة في الأنشطة التجارية وتركيزها على الخدمات الأساسية.

    خطوات تنفيذ التصفية

    أما عن الخطوات العملية التي ستقوم بها اللجنة لتنفيذ التصفية، فتتحدد في الآتي:

    • حصر الأصول غير المستغلة أو ذات العائد المنخفض.

    • الاستعانة ببيوت خبرة لتحديد القيمة السوقية العادلة للأصول.

    • إعداد خطة الطرح واختيار أسلوب البيع الأمثل (مزاد علني، بيع مباشر، طرح بورصة، إلخ).

    • إتمام البيع بمشاركة البنوك الاستثمارية والمستشارين الماليين.

    • توجيه الحصيلة المالية بدقة نحو الأهداف المحددة (سد العجز، خفض الدين).

    • تحليل التأثيرات (المنافع والمخاطر والجهات الفاعلة).

    اقرأ أيضًا: هل يصبح قطاع التعدين جوكر الاقتصاد المصري؟

    الفوائد والأضرار المحتملة لقرارات التخارج

    وسلط الدكتور عمرو سلامة الضوء على الأبعاد والآثار المترتبة على هذا القرار، مفصلاً إياها إلى فوائد وأضرار ومحددات نجاح:

    • الفوائد:

      • توفير سيولة نقدية فورية وعاجلة للموازنة.

      • تحسين كفاءة إدارة الأصول العامة.

      • تنشيط بيئة الاستثمار.

      • تقليل تكاليف الصيانة التشغيلية.

    • الأضرار:

      • مخاطر فقدان الأصول الإستراتيجية مما يؤثر على الأمن الاقتصادي.

      • ردود الفعل المجتمعية السلبية خاصة للأصول ذات القيمة الثقافية.

      • احتمالية تدهور الخدمات إذا أخفق المشترون في الإدارة.

      • زيادة التبعية الاقتصادية للخارج في حال تركز البيع لمستثمرين أجانب بما يؤثر على السيادة الوطنية.

    • الأبعاد والتأثيرات المحيطة بالقرار

      • اقتصادياً، يتوقف الأثر على مدى حسن استثمار الحصيلة وتحقيق الاستقرار المالي.

      • اجتماعياً، يرتبط بمستوى معيشة المواطنين ومدى قدرة المشروعات الجديدة على توليد فرص عمل مقابل الحفاظ على الأصول الخدمية.

      • سياسياً وإدارياً، يتطلب القرار توافقًا سياسيًا واسعًا، وإدارة تتسم بأعلى درجات الشفافية لتقييم الأصول بشكل صحيح دون هدر لقيمتها.

    ولفت سلامة إلى أن نجاح التصفية يتطلب تنسيقًا وتكاملاً بين عدة جهات رئيسة؛ تشمل الحكومة المركزية بصفتها الموجه الإستراتيجي وصاحبة القرار، ووزارة المالية بوصفها المسؤول التنفيذي عن التخطيط والتقدير وإدارة الحصيلة، بالإضافة إلى اللجنة المختصة بتصفية الأصول المنوط بها الإشراف المباشر والميداني على عمليات الطرح والبيع لضمان الاستدامة الاجتماعية والاقتصادية وحماية المصالح الوطنية العليا.

    اقرأ أيضًا: تغيير الحكومة.. كلمة السر في تأجيل صندوق النقد الدولي مراجعة برنامج مصر