قرر أحد صناديق التحوط التابعة لشركة “كينج ستريت كابيتال مانجمنت” الأمريكية فرض قيود جديدة على عمليات استرداد المستثمرين لأموالهم، في خطوة تعكس حجم الضغوط التي تواجهها بعض صناديق التحوط العالمية في ظل ضعف الأداء، وارتفاع طلبات السحب، واستمرار التقلبات في الأسواق المالية.
ووفقًا لما أوردته وكالة "بلومبرغ"، لن يتمكن المستثمرون الذين يطلبون الانسحاب من الصندوق من استعادة أموالهم دفعة واحدة، كما كان معمولًا به في السابق، وإنما ستُنقل استثماراتهم إلى صندوق منفصل يتولى تصفية الأصول بصورة تدريجية.
كيف تخطط إدارة كينج ستريت لتصفية الأصول؟
وفي تعليقه على القرار، قال الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، إن قرار تقييد عمليات سحب أموال المستثمرين يثير تساؤلات جدية بشأن ما إذا كان الصندوق يمر بأزمة سيولة مؤقتة، أم أن الأمر يمثل بداية أزمة أعمق ترتبط بتراجع الأداء واستمرار خروج العملاء وانخفاض حجم الأصول المدارة.
وأضاف أن الآلية الجديدة تقضي بنقل استثمارات العملاء الراغبين في الانسحاب إلى صندوق منفصل تمامًا، يتولى بيع الأصول بصورة تدريجية، ثم يعيد حصيلة عمليات البيع إلى المستثمرين في وقت لاحق.
وأشار إلى أن المشكلة الأساسية لا تتوقف عند تقييد عمليات السحب، وإنما تمتد إلى عدم وجود موعد واضح أو جدول زمني محدد يبين للمستثمرين متى يمكنهم استعادة أموالهم كاملة، وهو ما يرفع درجة عدم اليقين ويزيد المخاوف المتعلقة بالسيولة.
وأكد عبد الهادي أن المستثمرين قد يضطرون، بموجب هذه الآلية، إلى الانتظار لفترة غير معلومة قبل الحصول على كامل مستحقاتهم، إذ ستتوقف سرعة استرداد الأموال على قدرة إدارة الصندوق على بيع الأصول، وحالة الأسواق، والأسعار التي يمكن تنفيذ عمليات التخارج عندها.
أصول غير قابلة للبيع الفوري
وأوضح أن هذا النوع من الإجراءات يُستخدم عادة عندما تكون الأصول التي يمتلكها الصندوق غير قابلة للبيع السريع دون تحمل خسائر كبيرة، أو عندما تخشى الإدارة أن تؤدي عمليات الاسترداد الجماعية إلى إجبارها على بيع أصولها تحت ضغط وفي توقيت غير مناسب.
وقال الخبير الاقتصادي إن قرار تقييد السحب لم يأتِ في ظروف طبيعية، وإنما تزامن مع استمرار الأداء الضعيف للصندوق وخروج العملاء على مدار سنوات متتالية، الأمر الذي أدى إلى تراجع حاد في حجم الأموال والأصول التي يديرها.
وأشار إلى أن أصول الصندوق تراجعت من نحو 20 مليار دولار في السابق إلى أقل من 8 مليارات دولار حاليًا، ما يعني فقدان الصندوق أكثر من نصف حجم أصوله المدارة، سواء نتيجة عمليات سحب المستثمرين أو ضعف الأداء الاستثماري أو اجتماع العاملين معًا.
وأضاف أن هذا التراجع الكبير في الأصول يعكس حجم الضغوط التي واجهتها إدارة الصندوق خلال السنوات الماضية، خاصة أن انخفاض الأموال المدارة يحد من قدرة الصندوق على تنفيذ استراتيجياته الاستثمارية، ويرفع حساسيته لطلبات السحب الجديدة.
وأوضح عبد الهادي أن العائد الذي حققه الصندوق خلال العام الجاري لا يزال سلبيًا أيضًا، وهو ما يزيد تعقيد الموقف، لأن المستثمرين لا يواجهون فقط صعوبة في الوصول إلى أموالهم، وإنما يواجهون في الوقت نفسه أداءً استثماريًا لم يحقق لهم عوائد إيجابية.
وأكد أن استمرار العائد السلبي قد يدفع مزيدًا من العملاء إلى التفكير في الانسحاب، لكن تقييد عمليات السحب يمنع خروج الأموال بصورة فورية، وهو ما قد يحمي الصندوق مؤقتًا من موجة استردادات واسعة، لكنه قد يضر بثقة المستثمرين على المدى المتوسط والطويل.
اقرأ أيضًا: ما هي السندات ذات العائد السلبي؟ رغبة في خسارة أم ملاذ آمن؟
كيف تبرر إدارة كينج ستريت تقييد السيولة؟
وأشار إلى أن إدارة الصندوق تبرر قرارها بأنه يمنحها فرصة لبيع الأصول بأفضل الأسعار الممكنة، بدلًا من الاضطرار إلى بيعها بشكل سريع وإجباري لتلبية طلبات السحب، خصوصًا في ظل اضطراب الأسواق وارتفاع مستويات التقلب.
وقال عبد الهادي إن منطق الإدارة يقوم على أن البيع التدريجي والمنظم يمكن أن يحد من الخسائر، لأن طرح كميات كبيرة من الأصول للبيع في وقت قصير قد يؤدي إلى الضغط على أسعارها، ويدفع الصندوق إلى قبول أسعار تقل عن قيمتها العادلة.
وأضاف أن نقل استثمارات العملاء الراغبين في الخروج إلى صندوق منفصل يسمح للإدارة بإدارة عملية التصفية بعيدًا عن المحفظة الرئيسة، كما يمنحها مساحة زمنية أكبر لاختيار توقيت البيع والتخارج من الأصول وفقًا لظروف السوق.
وأوضح أن هذه الآلية قد تمنع انتقال الضغوط الناتجة عن طلبات الاسترداد إلى بقية المستثمرين الذين قرروا البقاء داخل الصندوق، كما قد تساعد على تجنب بيع الأصول الأكثر سيولة أولًا وترك المحفظة الرئيسية بأصول أقل جودة أو أصعب في التخارج.
كيف تهز قيود السحب ثقة المستثمرين؟
وأكد عبد الهادي أن مبررات الإدارة قد تكون مفهومة من الناحية الفنية، لأن البيع القسري في الأسواق المضطربة قد يؤدي إلى خسائر كبيرة، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في الرسالة التي يتلقاها المستثمر عندما يجد أن الوصول إلى أمواله أصبح صعبًا أو مرتبطًا بمدة زمنية غير معروفة.
وأشار إلى أن صناعة صناديق التحوط تقوم بصورة أساسية على الثقة في قدرة مدير الاستثمار على إدارة المخاطر وتحقيق العوائد، إلى جانب قدرة المستثمر على استرداد أمواله وفقًا للشروط المتفق عليها، ولذلك فإن أي قيود مفاجئة على السحب قد تثير مخاوف تتجاوز حجم الخسائر الحالية.
وأضاف أن فرض قيود على السحب قد يؤدي إلى دائرة من تراجع الثقة، إذ يدفع القرار المستثمرين الحاليين إلى القلق، كما قد يجعل المستثمرين المحتملين أكثر ترددًا في ضخ أموال جديدة داخل الصندوق.
وأوضح عبد الهادي أن خطورة الموقف تتمثل في احتمال إقبال مزيد من العملاء على تقديم طلبات انسحاب بمجرد إتاحة عمليات السحب بصورة طبيعية، الأمر الذي قد يضاعف الضغوط على السيولة ويجبر الإدارة على اتخاذ إجراءات إضافية لحماية المحفظة.
وأشار إلى أن الأزمة، في هذه الحالة، لا تعود مرتبطة فقط بتراجع العوائد أو انخفاض حجم الأصول من 20 مليار دولار إلى أقل من 8 مليارات دولار، وإنما تصبح أزمة ثقة في قدرة الإدارة على حماية أموال المستثمرين وإتاحتها لهم عند الحاجة.
اقرأ أيضًا: هل تختفي الأموال عند انخفاض أسعار الأسهم؟ الحقيقة الكاملة
هل يواجه صندوق كينج ستريت خطر الانهيار الفعلي؟
وقال عبد الهادي إن نقل الاستثمارات إلى صندوق منفصل لا يعني بالضرورة انهيار الصندوق أو إفلاسه، لكنه يكشف وجود ضغوط حقيقية تتعلق بتراجع الأصول وصعوبة توفير السيولة اللازمة لتلبية جميع طلبات الاسترداد دون بيع الأصول بأسعار غير مناسبة.
وأضاف أن الحكم على ما إذا كانت الأزمة قد بدأت فعليًا يتوقف على عدة عوامل، أبرزها طبيعة الأصول الموجودة داخل الصندوق المنفصل، والمدة المطلوبة لتصفيتها، وحجم الخسائر التي قد تنتج عن البيع، ومدى قدرة الإدارة على استعادة الأداء الإيجابي ووقف خروج العملاء.
وأوضح أن السيناريو الأفضل يتمثل في نجاح الإدارة في بيع الأصول تدريجيًا بأسعار مناسبة، ورد أموال المستثمرين دون خسائر كبيرة، بالتزامن مع تحسين أداء الصندوق الرئيس واستعادة جزء من ثقة العملاء.
وفي المقابل، فإن السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في استمرار الأداء السلبي، وتأخر بيع الأصول، وتزايد طلبات الانسحاب، بما قد يؤدي إلى مزيد من التراجع في حجم الأموال المدارة وتفاقم أزمة الثقة.
واختتم الدكتور محمد عبد الهادي تصريحاته بالتأكيد على أن تراجع الأداء الاستثماري يمكن علاجه من خلال تعديل الاستراتيجيات وتحسين إدارة المخاطر، لكن تراجع ثقة المستثمرين يمثل الخطر الأكبر، قائلًا إن "الأزمة الحقيقية لا تبدأ فقط عندما يخسر الصندوق، وإنما عندما يصبح المستثمر غير قادر على معرفة متى سيستعيد أمواله".
اقرأ أيضًا: خطة استمرارية الأعمال لحماية مؤسستك من الأزمات
