اقتصادات عربية

    كيف ينعكس وقف الحرب على غزة على الاقتصاد المصري؟

    •آخر تحديث •4 دقائق
    كيف ينعكس وقف الحرب على غزة على الاقتصاد المصري؟

    بعد توقيع اتفاق إنهاء الحرب على غزة، يُتوقّع أن يبدأ الاقتصاد المصري مرحلة جديدة من التعافي واستعادة التوازن، عقب عامين من الضغوط القاسية التي فرضتها التوترات الإقليمية وما خلّفته من تحديات اقتصادية متراكمة أثّرت على حركة التجارة والاستثمار والاستقرار المالي في البلاد.

    وخلال تلك الفترة، تكبّد الاقتصاد المصري تداعيات مباشرة للحرب الإسرائيلية على غزة، إذ تسبّبت حالة عدم الاستقرار في المنطقة في اضطراب حركة التجارة الدولية وتراجع إيرادات قناة السويس، بعدما اضطرت شركات الشحن العالمية إلى تغيير مساراتها نحو طريق رأس الرجاء الصالح تجنّبًا للهجمات التي استهدفت السفن في البحر الأحمر.

    تأثير الحرب على الاقتصاد المصري

    التراجع الحاد في إيرادات قناة السويس انعكس بشكل واضح على تدفقات النقد الأجنبي والموازنة العامة التي فقدت أحد أهم مصادرها الدولارية، كما تأثرت الاستثمارات الأجنبية المباشرة نتيجة ارتفاع درجة المخاطر الجيوسياسية، ما أدى إلى تباطؤ بعض المشروعات وتراجع مؤقت في ثقة المستثمرين.

    كذلك ساهمت الحرب في ارتفاع تكاليف النقل والتأمين على الواردات، الأمر الذي انعكس على أسعار السلع والخدمات في السوق المحلية، وأدى إلى ضغوط تضخمية أثرت على القوة الشرائية للمواطنين وأعباء المعيشة اليومية.

    ومع دخول المنطقة مرحلة جديدة من الهدوء، يرى خبراء الاقتصاد أن استقرار الأوضاع الجيوسياسية سيمكن الاقتصاد المصري من استعادة توازنه التدريجي، عبر تحسن تدفقات العملة الأجنبية وعودة نشاط قناة السويس إلى معدلاته الطبيعية، بالإضافة إلى مشاركة مصر في جهود إعادة إعمار غزة، التي تمثل فرصة اقتصادية مهمة لتنشيط قطاعات التشييد والبناء والخدمات اللوجستية.

    توقعات أداء الاقتصاد المصري بعد الهدنة

    أكد الخبراء أن الهدنة تمثل بداية مرحلة اقتصادية أكثر استقرارًا يمكن أن تعيد مصر إلى مسار النمو وتدعم الإصلاحات الجارية نحو تحقيق التعافي المستدام.

    ومن جهته قال الدكتور أيمن عبد المقصود، الخبير الاقتصادي، إن الهدنة في غزة من شأنها أن تعيد الحيوية إلى مفاصل الاقتصاد المصري التي تأثرت سلبًا طوال فترة الحرب، مؤكدًا أن عودة الاستقرار الإقليمي ستنعكس بشكل مباشر على إيرادات قناة السويس، وحركة التجارة الدولية، وتدفقات الاستثمار الأجنبي.

    وأوضح أنَّ الحرب الإسرائيلية على غزة خلال العامين الماضيين أدت إلى تراجع إيرادات قناة السويس بنسبة تقارب 60% لتصل إلى 3.6 مليار دولار فقط خلال العام المالي الماضي، بعدما اضطرت العديد من السفن إلى تغيير مسارها نحو طريق رأس الرجاء الصالح نتيجة الهجمات التي شنتها جماعة الحوثي على السفن في البحر الأحمر.

    وأضاف عبد المقصود أن تحقيق السلام واستقرار الملاحة في البحر الأحمر سيعيد الحركة تدريجيًا إلى طبيعتها، مما سيزيد الإيرادات الدولارية لمصر ويعزز احتياطاتها من النقد الأجنبي. وأشار إلى أن استقرار الأوضاع الجيوسياسية سيخلق بيئة آمنة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، خاصة في القطاعات المرتبطة بالبنية التحتية والطاقة والنقل.

    قناة السويس ومشروعات إعادة الإعمار

    أوضح عبد المقصود أن مصر ستكون في مقدمة الدول المشاركة في إعادة إعمار قطاع غزة، وهي عملية تُقدّر تكلفتها بنحو 53 مليار دولار وفقًا للتقديرات الأولية، مشيرًا إلى أن القاهرة ستدير هذا الملف عبر صندوق ائتماني دولي يتلقى مساهمات من الدول العربية والمؤسسات المالية العالمية.

    وأضاف أنَّ الدور المصري سيعزز معدلات التشغيل المحلية عبر مشاركة شركات المقاولات ومواد البناء المصرية في مشروعات الإعمار، ما يعني تدفق استثمارات ضخمة إلى قطاعات التشييد والعقارات التي تمثل ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي.

    وقال إن قناة السويس ستستعيد بدورها مكانتها المحورية كممر تجاري آمن بعد إزالة أسباب التوتر الأمني في البحر الأحمر، وهو ما سينعكس على تعافي الإيرادات تدريجيًا خلال العام المالي.

    التصنيف الائتماني والثقة بالمؤسسات المصرية

    من جانبه، أكد الدكتور ياسر حسين، أستاذ الاقتصاد، أن دور مصر المركزي في التوسط وقيادة جهود السلام سيترك أثرًا واضحًا على ثقة المؤسسات المالية الدولية في الاقتصاد المصري، متوقعًا أن يشهد التصنيف الائتماني لمصر تحسنًا إضافيًا خلال الفترة المقبلة.

    وأشار حسين إلى أنَّ وكالة ستاندرد آند بورز كانت قد رفعت تصنيف مصر الائتماني مؤخرًا من B- إلى B مع نظرة مستقبلية مستقرة، وهو ما يعكس الثقة في قدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات اقتصادية وهيكلية فعالة. وتابع: “إذا استمرت حالة الاستقرار الإقليمي بعد اتفاق وقف إطلاق النار، فمن المرجح أن ترفع الوكالة التصنيف مرة أخرى إلى +B خلال العام المقبل، خاصة مع تحسن تدفقات الاستثمار وتقليص عجز الموازنة”.

    وأوضح أن هذا التحسن في التصنيف سيؤدي إلى خفض تكلفة الدين الخارجي وتقليص أقساط التأمين على السندات المصرية في الأسواق العالمية، ما يمنح الدولة مساحة مالية أكبر لإعادة توجيه الموارد نحو التنمية.

    اقرأ المزيد: كيف يعكس رفع التصنيف الائتماني قوة الاقتصاد المصري؟

    دعم الاقتصاد المصري وإسقاط الديون

    توقع حسين أن الدور الإقليمي الفعّال الذي تلعبه مصر في تسوية النزاعات وإحلال السلام قد يدفع بعض الدول الدائنة، مثل أعضاء نادي باريس، إلى مناقشة مبادرات لإعادة هيكلة أو إسقاط جزء من الديون المستحقة على مصر، على غرار ما حدث مع دول أخرى لعبت أدوارًا استراتيجية في دعم الاستقرار الدولي.

    وأشار إلى أن مصر تستحق دعمًا ماليًا مباشرًا من المؤسسات الدولية والدول الكبرى تقديرًا لدورها في تحقيق الاستقرار الإقليمي، موضحًا أن الهدنة في غزة لا تمثل فقط مكسبًا سياسيًا، بل أيضًا بداية لمرحلة من الازدهار الاقتصادي المشترك في المنطقة.

    واختتم الدكتور أيمن عبد المقصود والدكتور ياسر حسين تصريحاتهما بالتأكيد على أن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة يمثل بداية مرحلة جديدة للاقتصاد المصري، يمكن من خلالها تعزيز مكانة مصر كمركز للتنمية الإقليمية، وجذب استثمارات نوعية، واستعادة تدفقات التجارة العالمية عبر قناة السويس.

    وأشارا إلى أن مصر تمتلك الآن فرصة تاريخية لتوظيف هذا الزخم السياسي في تنفيذ إصلاحات اقتصادية هيكلية تضمن استدامة النمو، وتحقيق توازن بين متطلبات الإصلاح المالي واحتياجات المواطن، مؤكدين أن الاستقرار السياسي هو بوابة الازدهار الاقتصادي الحقيقي.

    اقرأ أيضًا: قمة شرم الشيخ.. غزة تُعيد رسم خريطة الشرق الأوسط