مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، تتزايد التوقعات حول تأثيرات هذا الحدث السياسي الضخم على العديد من القطاعات الاقتصادية، لا سيما قطاع الطاقة. وفي مثل هذا الوقت، تجد الشركات المتخصصة في الطاقة المتجددة نفسها تحت المجهر، حيث يُحاول المستثمرون فهم التداعيات المحتملة للسياسات المستقبلية على هذه الصناعة الحيوية.
كيف تؤثر سياسات ترامب على أسواق الطاقة؟
يقول الدكتور عمرو يوسف، أستاذ التشريعات الاقتصادية، إنه مع اقتراب الانتخابات الأمريكية، يبرز التوتر والغموض المتوقع في الأسواق، خاصة في قطاع الطاقة، وذلك بعد تلويح المرشح الرئاسي دونالد ترامب بإطلاق جهود جديدة لتوسيع إنتاج الوقود الأحفوري، مُشددًا على ضرورة التخطيط الاستراتيجي بين المستثمرين الذين يستعدون لاحتمال عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
وتوقع يوسف أن يؤثر فوز ترامب في أسواق دول مجلس التعاون الخليجي بعدة طرق، خاصة مع تركيز ترامب على تعزيز إنتاج الطاقة المحلي، وتنظيم صناعة النفط والغاز، والترويج لصادرات الغاز الطبيعي المسال عالميًا؛ مما قد يعزز سوق الطاقة الأمريكي، وبذلك قد تتأثر اقتصادات الدول الخليجية.
كما أكد أستاذ التشريعات أن سياسات ترامب التجارية، وخاصة مع الصين، سوف تؤثر في حركة التجارة العالمية والطلب على النفط، إذ إنّ التباطؤ في اقتصاد الصين الناتج عن التوترات التجارية قد يؤدي إلى خفض الطلب على صادرات النفط الخليجي، مما يؤثر في أسعار النفط واقتصادات هذه الدول.
ويرى يوسف أن قرارات ترامب السياسية الخارجية، بما في ذلك موقفه من الملف الروسي الأوكراني، قد تكون لها تداعيات على أسواق دول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى تأثيرها في الاستقرار الجيوسياسي وأسواق الطاقة، مما يقوض النمو الاقتصادي لدى دول مجلس التعاون الخليجي.
ومن ناحية أخرى، قد تعزز التعرفات الجمركية المقترحة من ترامب على الواردات أداء الدولار الأمريكي، وذلك من خلال خفض الإنفاق على السلع الأجنبية، ما قد يفيد عملات دول مجلس التعاون الخليجي مثل الريال السعودي والدرهم الإماراتي، إلا أنّ قوة الدولار قد تضغط على أسعار النفط نحو الانخفاض.
تأثير الانتخابات الأمريكية على أسواق الأسهم
يُنظر إلى التقدم الجمهوري على أنه مفضل لأسعار الأسهم، حيث يميل الجمهوريون إلى دعم السياسات التي تعزز أرباح الشركات وأرباح المساهمين، في حين يُتوقع أن يكون للتقدم الديمقراطي تأثير سلبي على أسعار الأسهم، نظرًا لتركيز الديمقراطيين على إعادة توزيع الثروة والحقوق الاجتماعية والمزايا.
ويقول حافظ سليمان، خبير أسواق المال، إنّه على الرغم من عدم وجود علاقة مباشرة بين أسواق الأسهم الأمريكية وأسواق الأسهم الخليجية على المستوى الكلي، إلا أن الانتخابات الأمريكية وسياسات ترامب ستكون لها تداعيات على دول الخليج والشرق الأوسط، لهذا يجب التعامل معها بحذر.
توقعات أسعار النفط
وأشار سليمان إلى أنّ المخاوف الحالية تدور حول مرونة أسعار النفط التي تتراجع حاليًا إلى جانب انخفاض الدولار، مما يشير إلى تقلبات مستقبلية محتملة، إلا أنّ الأسواق الخليجية قد تستفيد من ضعف الدولار في تعزيز جاذبية الاستثمارات الإقليمية.
وحول مستقبل أسعار النفط، توقع الخبير أن يؤدي فوز ترامب لخفض أسعار النفط الخام عن طريق المساعدة في زيادة المعروض العالمي، على الرغم من وصول الإنتاج الأمريكي من النفط تحت رئاسة بايدن إلى أعلى مستوياته على الإطلاق، مما ساعد في السيطرة على الأسعار.
ومن جانبها، توقعت الدكتورة منال العشري، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أنه في حال فوز ترامب في انتخابات نوفمبر، فإن التأثير الصافي في أسعار النفط سيكون هبوطيًا، فضلاً عن احتمالية زيادة المعروض من دول “أوبك+” واحتمالية تصاعد التوترات التجارية، مع اقتراح ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على كافة الواردات و60% على الواردات الصينية التي تؤثر على الطلب على الخام.
وأوضحت أن تجدد التوترات التجارية من شأنه أن يؤثر بشكل أكبر في التجارة العالمية الضعيفة بالفعل، مما يضر بالنقل من خلال الشاحنات، وبالتالي يؤثر في الطلب على الديزل.
دور ترامب المحدود في التحكم بأسعار الوقود
ولفتت العشري إلى أن رؤساء الولايات المتحدة لا يؤثرون بشكل مباشر على أسعار الوقود الأحفوري مثلما تفعل عوامل أخرى منها الأحداث الجيوسياسية ومستوى العرض والطلب في بقية دول العالم.
وترى أن تأثير إدارة ترامب على إنتاج الولايات المتحدة من النفط والغاز الطبيعي يجب أن يكون محدودًا رغم دعوات الحزب الجمهوري لزيادة التنقيب، خاصةً وأن اتجاهات الإنتاج المحلي في الإدارات الأخيرة كانت مدفوعة بشكل رئيس بالتحسينات التكنولوجية وتكاليف الإنتاج وأسعار النفط.
تعطيل استثمارات الطاقة النظيفة
وفي السياق ذاته، أشارت العشري إلى أن ترامب يسعى لكسب التأييد والدعم المالي من رؤساء شركات النفط في البلاد، مقابل منحهم سياسات أكثر ملاءمة في مجال الطاقة. كما أنّها سلطت الضوء على تقرير أصدرته مؤسسة وود ماكينزي، حول تأثير فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية المقررة، والذي قد يؤدي إلى تفاقم أزمة المناخ وكبح طموحات الطاقة النظيفة.
وبحسب التقرير، يُمكن لوصول ترامب إلى البيت الأبيض أن يعطل استثمارات بقيمة تريليون دولار في قطاع الطاقة النظيفة، كما أنّه سيزيد من حجم الانبعاثات الكربونية بمقدار مليار طن بحلول عام 2050، مقارنة بسياسات الطاقة الأمريكية الحالية.
وأكدت العشري أن هذه الدورة الانتخابية سيكون لها تأثير كبير على وتيرة استثمارات الطاقة خلال السنوات الخمس المقبلة وحتى عام 2050، وأضافت: “يجب ضخ استثمارات في قطاع الطاقة منخفض الكربون على المدى القريب، حتى تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق أهداف المناخ بعيدة المدى، وفي حالة تأخُّر هذه الاستثمارات ستنمو الانبعاثات الكربونية الأمريكية، ويصبح الحياد الكربوني أملاً بعيد المنال”.
ولفتت إلى أن سياسة الطاقة المحتملة لدونالد ترامب تتناقض بشكل كبير مع سياسة الرئيس الحالي جو بايدن، فخلال الحملات الانتخابية لبايدن أكد أن مكافحة تغير المناخ وتعزيز إنتاج الطاقة النظيفة من أولوياته الرئيسة، في حين تعهد ترامب مرارًا بإلغاء العديد من سياسات المناخ إذا فاز في الانتخابات؛ بما في ذلك الإعفاءات الضريبية للمركبات الكهربائية، والمعايير البيئية الصارمة لمحطات الطاقة والسيارات، كما أنّه هدد بانسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ.
الانبعاثات الكربونية ومصير الحياد المناخي
وفقًا لتقرير وود ماكنزي، تتوقع المؤسسة استثمارات بنحو 7.7 تريليون دولار في قطاع الطاقة الأمريكي بين عامي 2023 و2050 في ظل سياسات بايدن الحالية، لكن قد تتراجع هذه الاستثمارات بنحو تريليون دولار إذا فاز ترامب.
كما تتوقع المؤسسة زيادة انبعاثات الولايات المتحدة من ثاني أكسيد الكربون بمليار طن إذا تم التخلي عن السياسات الحالية، بالإضافة إلى التباطؤ في طرح الطاقة النظيفة، وخسارة استثمارات الطاقة منخفضة الكربون.
وأضافت العشري أنّه في حالة فوز ترامب فإنّ من المتوقع أن يتباطأ الزخم نحو الانتقال إلى الطاقة النظيفة، مما يهدد بتبديد الاستثمارات الضخمة التي وجهت إلى هذا القطاع خلال رئاسة جو بايدن، وذلك لأن ترامب قد يتراجع عن بعض سياسات الطاقة النظيفة الرئيسة التي نفذتها إدارة بايدن، بما في ذلك التعهد بإزالة الكربون من شبكة الكهرباء بحلول عام 2035، وتخفيف حجم الانبعاثات، ولوائح التخفيض.
فوز ترامب سيعيد تشكيل مشهد الطاقة
ذكرت العشري أن فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية يمكن أن يؤثر بشكل كبير على ملف الطاقة بطرق متعددة:
تعطيل الاستثمارات في الطاقة النظيفة.
زيادة الانبعاثات الكربونية بمقدار مليار طن بحلول عام 2050.
تغيير السياسات المناخية، فقد تعهد ترامب بإلغاء العديد من السياسات المناخية التي أقرها جو بايدن، بما في ذلك الإعفاءات الضريبية للمركبات الكهربائية، والمعايير البيئية الصارمة لمحطات الطاقة والسيارات.
الانسحاب من الاتفاقيات الدولية، فقد يكرر ترامب تهديده بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، مما قد يؤدي إلى تراجع الولايات المتحدة عن التزاماتها الدولية بتقليل الانبعاثات الكربونية، ويقلل من الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ.
تقليص الدعم المالي والسياسي لمشاريع الطاقة المتجددة، مما يؤثر سلبًا على الابتكار في تقنيات الطاقة النظيفة.
التأثير على قطاع السيارات الكهربائية؛ حيث سيؤدي فوز ترامب إلى تراجع إجمالي مخزون السيارات الكهربائية إلى النصف بحلول عام 2050، نتيجة تفضيل الشركات تصنيع السيارات الهجينة بدلاً من السيارات الكهربائية بالكامل.
بشكل عام سيؤدي فوز ترامب إلى تباطؤ الجهود الرامية إلى إحداث تحول محوري في قطاع الطاقة الأمريكي القائم على الطاقة النظيفة وتقليل الانبعاثات الكربونية، مما يهدد تحقيق أهداف المناخ طويلة المدى، ويزيد الاعتماد على الوقود الأحفوري.
اقرأ أيضاً: الاقتصاد لاعب رئيس في الانتخابات الأمريكية
