أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة الانسحاب من منظمة أوبك وتحالف أوبك+، على أن يبدأ سريان هذا القرار اعتباراً من الأول من مايو، في خطوة تُعد تحولًا مهمًا في توجهاتها النفطية بعد ما يقارب ستة عقود من الانضمام للمنظمة.
وفي هذا الشأن، قال الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، إن الحديث عن خروج الإمارات من منظمة أوبك يعكس مرحلة أعمق من التحولات الجارية في سوق النفط العالمي، موضحًا أن المنظمة لم تعد قادرة على التحكم في السوق بشكل منفرد كما كان الحال في سبعينيات القرن الماضي، خاصة مع توسع تحالف أوبك+ الذي يضم روسيا، والذي بات يتحكم في نحو 55% من الإمدادات العالمية ضمن شبكة توازنات جيوسياسية معقدة.
وأضاف أن هذه البنية التنظيمية أصبحت أكثر هشاشة مع ارتفاع القدرات الإنتاجية لدول رئيسة مثل الإمارات، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين “الطاقة الإنتاجية الفعلية” و“الحصص المقررة”، وهو ما أعاد إلى السطح توترات تقليدية داخل التحالف، خصوصًا مع السعودية حول معايير تحديد خطوط الأساس الإنتاجية التي تُبنى عليها حصص الإنتاج.
لماذا قررت الإمارات الانسحاب من أوبك؟
أوضح الشوربجي أن الدوافع المحتملة لأي تحرك إماراتي لا يمكن فصلها عن إعادة تموضع استراتيجي أوسع في خريطة الطاقة العالمية بين الشرق والغرب، في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والصين، واستمرار العقوبات على روسيا، وهو ما ساهم في إعادة تشكيل مسارات تدفقات النفط عالميًا، مشيرًا إلى أن نحو 70% من نمو الطلب العالمي المستقبلي يتجه نحو آسيا، ما يعزز من مركزية الأسواق الآسيوية في معادلة الطاقة.
كما لفت إلى أن الملف الإيراني يظل عنصرًا شديد التأثير في توازنات السوق، حيث إن أي تخفيف محتمل للعقوبات على إيران قد يضيف ما بين 0.5 إلى 1 مليون برميل يوميًا للأسواق العالمية، وهو ما يرفع من حساسية الدول المنتجة تجاه سياسات الحصص داخل أوبك+ ويزيد من تعقيد إدارة المعروض.
وفيما يتعلق بالدور الأمريكي، أكد الخبير الاقتصادي أن سياسات الولايات المتحدة لا تستهدف تفكيك أوبك+ بشكل مباشر، وإنما إعادة صياغة قواعد عملها، في ظل إنتاج أمريكي قياسي يقترب من 13 مليون برميل يوميًا، واستخدام أدوات مثل العقوبات والسحب من الاحتياطيات النفطية، إلى جانب تصاعد التنافس مع تكتلات مثل بريكس، وهو ما يؤدي تدريجيًا إلى تآكل فعالية التنسيق داخل التحالف دون انهيار مفاجئ.
وأشار الشوربجي إلى أن الكلفة المؤسسية لأي خروج من حيث فقدان التنسيق وتأثير ذلك على استقرار الأسعار، قد تفوق المكاسب قصيرة الأجل المرتبطة بحرية القرار الإنتاجي.
وعلى صعيد الأسواق، أوضح أن البيانات تشير إلى أن أي انحراف في المعروض يتجاوز 1 إلى 2% من الطلب العالمي البالغ نحو 102 مليون برميل يوميًا قادر على إحداث تحركات حادة في الأسعار، واستشهد بما حدث عام 2014 حين أدى ضعف التنسيق إلى انهيار الأسعار بأكثر من 50%، مقابل ارتفاعها لاحقًا من أقل من 20 دولارًا إلى ما فوق 80 دولارًا بفعل تخفيضات أوبك+. وأضاف أن مجر
التلويح بخروج دولة بحجم الإمارات قد يخلق “أثرًا توقعياً” يضغط على الأسعار دون أي تغيير فعلي في الإمدادات.في سياق متصل، أشار الشوربجي إلى أن الإمارات، التي تمتلك قدرة إنتاجية تتراوح بين 4 إلى 5 ملايين برميل يوميًا، تقف أمام خيارين استراتيجيين: إما تعظيم العائد عبر قدر أكبر من الاستقلالية، أو الحفاظ على استقرار السوق من خلال التنسيق مع أوبك+.
وفي سياق متصل، أشار الشوربجي إلى أن الإمارات، التي تمتلك قدرة إنتاجية تتراوح بين 4 إلى 5 ملايين برميل يوميًا، تقف أمام خيارين استراتيجيين: إما تعظيم العائد عبر قدر أكبر من الاستقلالية، أو الحفاظ على استقرار السوق من خلال التنسيق مع أوبك+.
كيف يخدم التحرر من قيود الإنتاج الاقتصاد الإماراتي؟
من جهته، قال الدكتور مصطفى أبو زيد، الخبير الاقتصادي، إنّ قرار دولة الإمارات بالخروج من منظمة أوبك يمثل تحولًا مهمًا في خريطة سوق الطاقة العالمي، خاصة أن النفط يعد عنصرًا رئيسًا في معادلة الإنتاج العالمي، موضحًا أن هذا القرار يمنح الإمارات مرونة أكبر في تحديد سياساتها الإنتاجية بعيدًا عن القيود الجماعية للمنظمة.
وأوضح أنّ هذا التوجه يصب في صالح الاقتصاد الإماراتي بشكل مباشر، حيث يتيح لها زيادة الإنتاج ورفع حجم الصادرات وفقًا لأولوياتها الاقتصادية، وهو ما ينعكس في النهاية على زيادة العوائد النفطية وتعظيم الإيرادات، خاصة في ظل الطلب العالمي المستمر على الطاقة.
وأشار أبو زيد إلى أن هذا القرار يتقاطع بشكل واضح مع مخرجات اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والتي ركزت على ثلاثة محاور رئيسة لضمان استقرار الاقتصاد العالمي؛ وهي الأمن الطاقوي، والأمن الغذائي، والأمن التكنولوجي، مؤكدًا أن زيادة المعروض من النفط نتيجة تحرر بعض الدول من قيود الإنتاج قد يساهم في دعم استقرار أسواق الطاقة عالميًا.
اقرأ أيضًا: الإمارات والسعودية تقودان صفقات الدمج والاستحواذ في الشرق الأوسط
المكاسب الاستراتيجية لمصر من التحول النفطي الإماراتي
أوضح أبو زيد أنّ هذه الخطوة قد تحظى بترحيب من الاقتصادات الكبرى، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة، نظرًا لأنها قد تساهم في خفض أسعار الطاقة عالميًا، وهو ما يساعد في تقليل الضغوط التضخمية، لكنها في المقابل قد تحمل تأثيرات سلبية على بعض الدول المنتجة والمصدرة للنفط، التي تفضل بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة لتحقيق أكبر قدر من العوائد.
وفي سياق الربط بين هذا القرار ومصر، أوضح الدكتور مصطفى أبو زيد أن طلب هيئة موانئ أبوظبي من مصر تأجير مستودعات لتخزين النفط الخام والمنتجات البترولية يمثل خطوة استراتيجية مهمة، تعكس الثقة في البنية التحتية المصرية، خاصة مع امتلاك الموانئ المصرية لقدرات تخزينية تصل إلى نحو 29 مليون برميل.
كما أكد أن هذه الخطوة تمثل فرصة اقتصادية مهمة لمصر، حيث تساهم في توفير مصدر إضافي للعملة الأجنبية، إلى جانب تعزيز دورها كمركز إقليمي لتداول وتخزين الطاقة، فضلًا عن أن زيادة المعروض العالمي من النفط قد ينعكس إيجابيًا على الاقتصاد المصري من خلال تخفيف الضغوط على فاتورة الاستيراد، خاصة في ظل الارتفاعات الحالية في أسعار الطاقة.
واختتم الدكتور مصطفى أبو زيد تصريحاته بالتأكيد على أن التداخل بين قرارات الطاقة العالمية وتحركات المؤسسات الاقتصادية الدولية يعكس طبيعة المرحلة الحالية، التي تعتمد على تكامل السياسات الاقتصادية لضمان الاستقرار، مشيرا إلى أن مصر تمتلك فرصًا حقيقية للاستفادة من هذه التحولات إذا أحسنت توظيف إمكاناتها الاستراتيجية.
هل تنجح الأسواق في امتصاص صدمة زيادة المعروض؟
من جانبها، قالت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، أن هذه الخطوة تأتي في إطار توجه استراتيجي طويل الأجل يهدف إلى تعظيم الاستفادة من القدرات الإنتاجية للدولة في قطاع النفط، خاصة في ظل امتلاكها طاقات إنتاجية فائضة مقارنة بالقيود التنظيمية المفروضة داخل إطار المنظمة.
وأوضحت رمسيس أن عضوية أوبك بطبيعتها ترتبط بسياسات إنتاجية جماعية تستهدف ضبط المعروض النفطي في الأسواق العالمية، وهو ما قد يفرض قيودًا نسبية على بعض الدول الأعضاء من حيث مستويات الإنتاج، مشيرة إلى أن أي تحرك نحو تحرير القيود الإنتاجية يهدف في الأساس إلى منح الدول مرونة أكبر لتعزيز عوائدها الاقتصادية بما يتماشى مع مصالحها الوطنية.
وأضافت خبيرة أسواق المال أن هذا النوع من القرارات، رغم ما قد يحمله من دلالات كبيرة، لا يعني بالضرورة تراجعًا عن الالتزام باستقرار أسواق الطاقة العالمية، مؤكدة أن الإمارات تظل حريصة على استمرار التعاون مع كبار المنتجين داخل سوق النفط، بما يضمن عدم حدوث اضطرابات حادة في مستويات الأسعار أو الإمدادات.
وفيما يتعلق بتأثير القرار على أسعار النفط العالمية، أشارت رمسيس إلى أن الأسواق لم تظهر حتى الآن استجابة فورية أو تغيرًا جوهريًا في حركة الأسعار، حيث استمر خام برنت في التداول ضمن نطاقات مستقرة نسبيًا، موضحة أن تحركات الأسعار الحالية تخضع بدرجة أكبر لعوامل جيوسياسية معقدة، في مقدمتها التوترات المرتبطة بمناطق الملاحة الحيوية مثل مضيق هرمز.
وأوضحت أن التأثير الطبيعي لزيادة المعروض النفطي كان من المفترض أن يضغط على الأسعار في اتجاه الهبوط، إلا أن استمرار حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي وتوترات سلاسل الإمداد حال دون تحقق هذا الأثر بشكل مباشر في الوقت الحالي، مما أبقى الأسواق في حالة توازن حذر.
قد يهمّك أيضًا: الإمارات تنافس العالم في صناعة الطاقة الشمسية
موازين القوى الجديدة في سوق النفط العالمي
لفتت رمسيس إلى أنّ التأثيرات الفعلية لمثل هذه القرارات قد تظهر بشكل أوضح على المدى المتوسط والطويل، خاصة في حال استقرار البيئة السياسية العالمية وعودة انتظام حركة التجارة البحرية، حيث يمكن حينها أن تؤدي أي زيادات في الإنتاج إلى ضغوط تدريجية على مستويات الأسعار.
وفي سياق تأثير القرار على منظمة أوبك، أكدت رمسيس أن الانعكاسات الحالية تبدو محدودة، إلا أن المخاطر المستقبلية تكمن في احتمالية إعادة تشكيل توازنات النفوذ داخل المنظمة، خصوصًا مع كون بعض الدول الأعضاء تمتلك أوزانًا إنتاجية مؤثرة في سوق الطاقة العالمي.
واختتمت حنان رمسيس تصريحاتها بالتأكيد على أن سوق النفط بطبيعته شديد الحساسية للتغيرات السياسية والاقتصادية، وأن تقييم آثار مثل هذه القرارات يحتاج إلى وقت كاف لرصد انعكاساتها الفعلية على معادلات العرض والطلب، والتي تتشكل تدريجيًا وفق تطورات المشهد الجيوسياسي العالمي.
اقرأ أيضًا: أزمة إيران تعزز رهان الصين على السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية
