تقارير اقتصادية

    كيف يؤثر الاتفاق الأمريكي الإيراني على الأسواق العالمية؟

    النفط والذهب والنقل في مرمى التوقعات

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •7 دقائق
    كيف يؤثر الاتفاق الأمريكي الإيراني على الأسواق العالمية؟

    بين احتمالات تراجع أسعار النفط، وانخفاض تكاليف الشحن وعودة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها، تترقب الأسواق العالمية نتائج الاتفاق الأمريكي الإيراني، الذي يمثل نقطة تحول مهمة في مسار الاقتصاد العالمي بعد أشهر من التوترات الجيوسياسية.

    وقال الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، إن التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يمثل تطورًا إيجابيًا للاقتصاد العالمي ولأسواق الطاقة على وجه الخصوص، في ظل التداعيات التي خلفتها التوترات الجيوسياسية خلال الفترة الماضية على حركة التجارة العالمية والنمو الاقتصادي.

    وأوضح أن الأسواق العالمية شهدت خلال الأشهر الماضية موجة من الاضطرابات نتيجة تصاعد التوترات في منطقة الخليج، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تجاوزت 110 دولارًا للبرميل في بعض الفترات، الأمر الذي انعكس سلبًا على سلاسل الإمداد العالمية وتكاليف الإنتاج والنقل، كما ساهم في إبطاء وتيرة النمو الاقتصادي العالمي والتأثير على حركة الملاحة والتجارة الدولية.

    تأثير الاتفاق الأمريكي الإيراني على النفط

    أكد عبد الهادي أن الاتفاق الأمريكي الإيراني من شأنه أن يخفف حدة هذه الضغوط، خاصة إذا تضمن تخفيف العقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية، بما يسمح بعودة كميات إضافية من الخام إلى الأسواق العالمية، إلى جانب استئناف حركة الملاحة بصورة طبيعية عبر مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم.

    وأشار إلى أن زيادة المعروض النفطي المحتملة من جانب إيران ستتزامن مع قرارات منظمة أوبك بلس المتعلقة بزيادة مستويات الإنتاج تدريجيًا، وهو ما يوفر عوامل إضافية تدعم استقرار الأسواق وتخفف الضغوط السعرية على الطاقة، متوقعًا أن تتراجع أسعار النفط العالمية خلال الفترة المقبلة لتتحرك في نطاق يتراوح بين 68 و70 دولارًا للبرميل إذا استمرت التهدئة السياسية وتم تنفيذ الاتفاق بصورة كاملة.

    وأكد الخبير الاقتصادي أن تراجع أسعار النفط ستكون له انعكاسات إيجابية واسعة على الاقتصاد العالمي، حيث سيسهم في خفض تكاليف الإنتاج والنقل والشحن، ومن ثم تقليص الضغوط التضخمية التي شهدتها معظم الاقتصادات خلال الفترة الأخيرة. وأوضح أن العديد من الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تأثرت بارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما ساهم في زيادة معدلات التضخم، حيث ارتفع التضخم الأمريكي إلى نحو 4.2% مقارنة بمستويات بلغت 3.8% في فترات سابقة.

    أهمية انخفاض أسعار الطاقة

    أوضح عبد الهادي أن انخفاض أسعار الطاقة سيمنح البنوك المركزية مساحة أكبر للتحرك بعيدًا عن السياسات النقدية المتشددة التي اعتمدت خلال السنوات الماضية لمواجهة التضخم، مشيرًا إلى أن العديد من الدول، خصوصًا الاقتصادات الناشئة، اضطرت إلى رفع أسعار الفائدة بشكل متكرر، وهو ما زاد من أعباء خدمة الدين وضغط على الموازنات العامة وأثر سلبًا على معدلات الاستثمار والنمو.

    وأضاف أن عودة المفاوضات السياسية واحتواء الصراعات الإقليمية وإنهاء الحروب من شأنها أن تدفع الحكومات والبنوك المركزية إلى إعادة توجيه اهتمامها من مواجهة التضخم عبر رفع أسعار الفائدة إلى التركيز على تحفيز الاستثمار والإنتاج والتوسع الاقتصادي، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعافي والنمو في العديد من الأسواق.

    تأثير الاتفاق على أسواق الذهب

    فيما يتعلق بأسواق الذهب، قال الخبير الاقتصادي إن المعدن النفيس شهد خلال الفترة الماضية حالة من التقلبات الحادة نتيجة تصاعد المخاطر الجيوسياسية وحالة عدم اليقين التي سيطرت على الأسواق العالمية، مشيرًا إلى أن أسعار الذهب سجلت ارتفاعات كبيرة وصلت إلى مستويات قاربت 5600 دولار للأوقية وفق تقديرات الأسواق خلال فترات التوتر الشديد.

    وأضاف أن الارتفاعات القياسية التي شهدها الذهب لم تكن مدفوعة فقط بطلبات التحوط والاستثمار التقليدية، بل جاءت أيضًا نتيجة دخول أعداد كبيرة من المضاربين إلى السوق، وهو ما ساهم في دفع الأسعار إلى مستويات تجاوزت في بعض الأحيان الأسس الاقتصادية التقليدية الحاكمة لحركة المعدن النفيس.

    وأشار إلى أن القاعدة الاقتصادية الأساسية تنص على أن الذهب يعد ملاذًا آمنًا للمستثمرين على المدى الطويل خلال فترات الأزمات وعدم اليقين، إلا أن المرحلة الماضية شهدت نشاطًا مكثفًا للمضاربات قصيرة الأجل، الأمر الذي أدى إلى تشوهات سعرية وحالة من عدم التوازن بين العرض والطلب الحقيقيين في السوق.

    وأكد عبد الهادي أن استقرار الأوضاع السياسية وتراجع حدة التوترات الجيوسياسية ونجاح الاتفاق الأمريكي الإيراني في تحقيق قدر من التهدئة الإقليمية سيؤدي إلى عودة التوازن التدريجي إلى سوق الذهب، حيث ستبدأ الأسعار في التحرك وفق العوامل الاقتصادية الطبيعية المرتبطة بالعرض والطلب وأسعار الفائدة ومعدلات التضخم والنمو الاقتصادي، بدلاً من التأثر المفرط بالمضاربات أو التصريحات السياسية المفاجئة.

    واختتم الخبير الاقتصادي تصريحاته بالتأكيد على أن نجاح الاتفاق الأمريكي الإيراني لن ينعكس فقط على أسواق الطاقة، وإنما سيمتد تأثيره إلى أسواق المال والذهب والتجارة الدولية والسياسات النقدية العالمية، بما يعزز فرص الاستقرار الاقتصادي ويهيئ بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والنمو خلال المرحلة المقبلة.

    حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لن تعود لطبيعتها فورًا

    من جهته، قال الدكتور ياسر حسين، الخبير الاقتصادي، إن الأسواق العالمية وقطاع النقل البحري يترقبان بحذر شديد التطورات الجيوسياسية. وأوضح أن القطاع البحري العالمي يتعامل بحذر مع هذه التطورات، خاصة أن الحديث عن فتح المضيق وإنهاء الحرب تكرر أكثر من مرة خلال الفترة الماضية دون أن يترجم إلى خطوات عملية على أرض الواقع، وهو ما دفع العديد من الشركات إلى التريث وعدم اتخاذ قرارات استراتيجية قبل صدور اتفاق رسمي ونهائي.

    وأشار إلى أن التحدي الأكبر بعد أي اتفاق محتمل لن يكون في فتح المضيق نفسه، وإنما في إعادة تنظيم حركة السفن العالقة على جانبي المضيق، حيث توجد أعداد كبيرة من السفن التجارية وناقلات النفط والسفن الفارغة التي تحتاج إلى إعادة جدولة مساراتها وعمليات الدخول والخروج من الموانئ.

    وأكد أن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تعرضت لتراجع كبير خلال فترة الأزمة، موضحًا أن حركة العبور كانت قبل اندلاع الحرب تتراوح بين 130 و140 سفينة يوميًا، بينما انخفضت بصورة حادة خلال الفترة الأخيرة، وهو ما يعكس حجم التأثير الذي تعرض له أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

    وأضاف أن استعادة هذه المعدلات لن تتم بصورة فورية، لأن الأمر يرتبط بإجراءات تشغيلية وفنية معقدة تشمل تنظيم مسارات العبور المختلفة داخل المضيق، سواء المسارات القريبة من السواحل الإيرانية أو العمانية أو المسارات التقليدية المعتمدة من المنظمة البحرية الدولية.

    وأوضح الخبير الاقتصادي أن الأزمة دفعت شركات الشحن العالمية إلى البحث عن بدائل استراتيجية، حيث جرى الاعتماد بصورة أكبر على موانئ البحر الأحمر والموانئ العمانية والسعودية، بالإضافة إلى تطوير مسارات بحرية وبرية جديدة لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز خلال فترات التوتر.

    وأشار إلى أن هذه المسارات البديلة لن تختفي بمجرد توقيع الاتفاق، بل ستستمر لفترة من الوقت، خاصة بالنسبة لشركات النفط والطاقة التي أصبحت أكثر ميلاً إلى تنويع طرق النقل وتقليل المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالاعتماد على ممر ملاحي واحد.

    وأضاف أن بعض التقديرات الصادرة عن مؤسسات وخبراء في قطاع النقل البحري تشير إلى أن العودة الكاملة لحركة الملاحة إلى مستويات ما قبل الأزمة قد لا تتحقق قبل الربع الأول من عام 2027، خاصة إذا استمرت حالة الحذر لدى شركات الشحن والتأمين العالمية.

    وأكد حسين أن الأزمة الحالية كانت لها تداعيات متباينة على الموانئ الإقليمية، حيث استفادت بعض الموانئ من التحولات في مسارات التجارة، وعلى رأسها موانئ البحر الأحمر والموانئ العمانية والسعودية، كما انعكس ذلك إيجابًا على حركة الملاحة بقناة السويس التي سجلت زيادة في أعداد السفن والإيرادات خلال الفترة الماضية.

    وأوضح أن توقيع الاتفاق الأمريكي الإيراني قد يؤدي إلى تحسن تدريجي في الأوضاع خلال الأشهر الثلاثة أو الأربعة التالية، إلا أن استعادة النشاط الكامل ستظل مرهونة بعودة الثقة إلى الأسواق وشركات النقل والتأمين.

    معضلة رسوم التأمين البحري

    أشار حسين إلى أن أحد أكبر التحديات يتمثل في استمرار تصنيف المنطقة كموقع عالي المخاطر من قبل شركات التأمين العالمية، وهو ما يبقي رسوم التأمين البحري عند مستويات مرتفعة حتى بعد توقف العمليات العسكرية، الأمر الذي يحد من سرعة عودة الحركة التجارية إلى طبيعتها.

    وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط خلال فترة الأزمة أدى أيضًا إلى زيادة تكاليف الوقود، التي تمثل أحد أكبر بنود الإنفاق بالنسبة لشركات النقل البحري، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على تكاليف الشحن العالمية.

    وأكد أن تغيير مسارات السفن خلال الأشهر الماضية أدى إلى زيادة زمن الرحلات البحرية ورفع التكلفة التشغيلية على الشركات، حيث اضطرت العديد من السفن إلى قطع مسافات أطول للوصول إلى وجهاتها النهائية مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الأزمة.

    وأوضح أن أجور الشحن شهدت ارتفاعات كبيرة في بعض الخطوط البحرية، إذ ارتفعت في بعض الحالات إلى أربعة أضعاف مستوياتها السابقة، ما انعكس على تكلفة التجارة الدولية وأسعار العديد من السلع والمنتجات في الأسواق العالمية.

    واختتم الدكتور ياسر حسين تصريحاته بالتأكيد على أن عودة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها لن تعتمد فقط على توقيع اتفاق سياسي بين الولايات المتحدة وإيران، وإنما على استقرار الأوضاع الأمنية لفترة طويلة، وانخفاض رسوم التأمين، وتراجع أسعار الطاقة، واستعادة شركات الشحن والتجارة العالمية ثقتها الكاملة في أمن وسلامة هذا الممر الملاحي الحيوي، وهو ما قد يستغرق عدة أشهر قبل أن تعود حركة الملاحة والتجارة إلى مستوياتها الطبيعية بشكل كامل.

    اقرأ أيضًا: إلى أين يتجه الذهب مع تصاعد احتمالات رفع الفائدة الأمريكية؟