النفط والغاز

    كيف يؤثر اكتشاف حقل النوخذة على الاقتصاد الكويتي؟

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •5 دقائق
    أبراج الكويت الشهيرة في مدينة الكويت.

    شهدت دولة الكويت تطورًا استراتيجيًا بارزًا في قطاع الطاقة، إثر إعلان مؤسسة البترول الكويتية عن اكتشاف نفطي ضخم في حقل "النوخذة" الواقع شرقي جزيرة فيلكا. ويضيف هذا الاكتشاف الكبير، الذي تُقدّر احتياطياته بنحو 3.2 مليار برميل من المكافئ النفطي، رصيدًا استراتيجيًا جديدًا للبلاد، ويعزز مكانتها كأحد الأعضاء الرئيسين في منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، حيث يمتلك هذا البلد الخليجي ما يتراوح بين 7% إلى 10% من إجمالي احتياطيات النفط الخام في العالم (بمخزون يقدر بنحو 96 إلى 104 مليارات برميل).

    وأوضح الرئيس التنفيذي للمؤسسة، الشيخ نواف سعود ناصر الصباح، في مقطع مصور عبر منصة "إكس"، أن احتياطيات الاكتشاف الجديد تعادل إجمالي إنتاج البلاد لثلاث سنوات كاملة. مؤكدًا أن هذا الإنجاز سيفتح آفاقًا واسعة في الجرف القاري الكويتي، بالتوازي مع العمل المستمر في حقل "الدرة" المشترك (الذي تُقدّر احتياطياته المؤكدة بنحو 20 تريليون قدم مكعبة)، حيث تستكمل الشركة الكويتية لنفط الخليج حاليًا الدراسات الهندسية وتجهيز البنية التحتية اللازمة له.

    حقل النوخذة.. كميات تجارية وضخامة في المؤشرات

    وفي بيان رسمي، أكدت شركة نفط الكويت أن الاكتشاف يمثل "كميات تجارية ضخمة" من النفط الخفيف والغاز المصاحب، مشيرة إلى أن المساحة الأولية المقدرة للحقل تبلغ نحو 96 كيلومترًا مربعًا.

    ووفقًا للبيانات الفنية، يتركز الإنتاج الحالي في البئر الاستكشافية "نوخذة - 1" ضمن طبقة "المناقيش" الجيولوجية؛ حيث يصل الإنتاج اليومي منها إلى نحو 2,800 برميل من النفط الخفيف و7 ملايين متر مكعب (قدم مكعبة قياسية) من الغاز المصاحب. وتشير التقديرات الأولية إلى أن مخزون المحروقات في هذه الطبقة وحدها يضم:

    • 2.1 مليار برميل من النفط الخفيف.

    • 5.1 تريليون قدم مكعبة من الغاز؛ وهو ما يعادل في مجمله 3.2 مليار برميل من المكافئ النفطي.

    المؤشر الفني للحقل

    حجم الاحتياطيات المقدرة

    الإنتاج اليومي للبئر الاستكشافية الأولى

    النفط الخفيف

    $2.1$ مليار برميل

    $2,800$ برميل يومياً

    الغاز المصاحب

    $5.1$ تريليون قدم مكعبة

    $7$ ملايين قدم مكعبة يومياً

    المكافئ النفطي الإجمالي

    3.2 مليار برميل (يعادل إنتاج 3 سنوات)

    المساحة الأولية للحقل: $96$ كم²

    وألمحت الشركة إلى أن هذه البيانات تعد أولية، وسط احتمالات قوية لزيادة كميات المخزون الهيدروكربوني عند استكشاف طبقات جيولوجية أخرى في الحقل البحري ذاته.

    وفي سياق متصل، أشار الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، إلى أن هذا الاكتشاف يمثل نقطة تحول جوهرية في جهود شركة نفط الكويت المستمرة للتنقيب في المنطقة البحرية، والتي تمثل وحدها نحو ثلث إجمالي مساحة الدولة.

    وبيّن الشوربجي أن المرحلة الحالية تتضمن حفر 6 آبار استكشافية كمرحلة أولى، سيتحدد بناءً على نتائجها ملامح المراحل اللاحقة، مؤكدًا أن هذا المشروع الوطني يضمن استدامة الموارد ويلبي الطلب العالمي ويعزز موثوقية الكويت الدولية.

    اقرأ أيضًا: حرق الغاز المصاحب للنفط.. 54 مليار دولار تتبخر سنويًا

    الأبعاد الاقتصادية وموعد ربط الحقل بالإنتاج

    من جانبه، حدد خبير أسواق النفط، ياسين أحمد، الجدول الزمني للاستفادة الفعلية من الحقل؛ موضحًا أن الحقل يحتاج في الظروف الطبيعية ما بين عامين إلى ثلاثة أعوام لربطه بشبكة الإنتاج، بينما قد تتقلص هذه المدة إلى عام أو عام ونصف في حال اعتماد خطة تسريع للعمليات.

    وتوقع "أحمد" أن يظهر الأثر الفعلي للحقل على الاحتياطيات وحجم الإنتاج خلال 3 إلى 4 سنوات عند دخوله مرحلة الإنتاج الفعلي، مشددًا على ضرورة الإسراع في وضع الخطط اللوجستية لنقل الإنتاج وتوصيله بمرافق التخزين على اليابسة ومن ثم التصدير.

    وعلى الصعيد المالي، أكد الشيخ نواف الصباح أن الأرباح الصافية لمؤسسة البترول الكويتية الحكومية قد تجاوزت 1.45 مليار دينار في السنة المالية المنتهية في 31 مارس/آذار الماضي، مما يعكس الأداء التشغيلي القوي للقطاع.

    ورغم هذه الوفرة المالية، والامتلاك التاريخي لصندوق ثروة سيادي يعد من بين الأكبر عالميًا، أشار الشيخ نواف الصباح إلى أن الكويت شهدت أزمات سياسية متلاحقة شكلت عائقًا أمام وتيرة التنمية والإصلاحات الهيكلية المنشودة.

    اقرأ أيضًا: هل ينجح الأمير مشعل بالتصدي للأزمة الاقتصادية في الكويت؟

    واقع الاقتصاد الكويتي وتحديات التعافي

    يُصنف الاقتصاد الكويتي كصناعة حيوية ومؤثرة في منطقة الشرق الأوسط؛ فهو اقتصاد صغير ومفتوح نسبيًا يسيطر عليه القطاع الحكومي. وتستحوذ الصناعة النفطية المملوكة للدولة على أكثر من 50% من الناتج المحلي الإجمالي، و95% من الصادرات، ونحو 80% من الإيرادات الحكومية.

    وفي قراءة للمشهد الاقتصادي لعام 2024، أكد صلاح العدوي، خبير أسواق المال، في تصريحات خاصة، أن الاقتصاد الكويتي يمر بتطورات ملحوظة وتحديات جديدة؛ حيث سجل نموًا مدفوعًا بارتفاع أسعار النفط العالمية، مما عزز الفوائض المالية ووفر سيولة لدعم مشاريع البنية التحتية والطاقة المتجددة. وأضاف العدوي أن القطاع النفطي لا يزال المحرك الأساسي، حيث رفعت الكويت إنتاجها عام 2024 بما يتماشى مع محددات واتفاقيات تحالف "أوبك+".

    بالمقابل، يرى الدكتور محمد الشوربجي أن حقل النوخذة يمثل "طوق نجاة" حقيقي للعبور بالاقتصاد نحو الاستقرار؛ خاصة بعد تقرير صندوق النقد الدولي (المستند إلى مشاورات جرت بين 30 أبريل و7 مايو 2024) والذي كشف عن تأخر التعافي الاقتصادي الكويتي من الجائحة؛ حيث انخفض النشاط الاقتصادي الحقيقي بنسبة 2.2% في عام 2023 نتيجة انكماش القطاع النفطي بنسبة 4.3% إثر خفض حصص الإنتاج بموجب اتفاق "أوبك+"، في حين لم ينمُ القطاع غير النفطي سوى بنسبة 0.8% جراء ضعف الطلب المحلي، بالتزامن مع تراجع التوازن المالي واعتدال التضخم، مع بقاء ميزان الحساب الجاري قويًا.

    ورغم هذه الأزمات الدورية، يلفت الشوربجي إلى أن الدولة نجحت في رفع مستوى ناتجها المحلي الإجمالي بشكل ثابت متصاعد على مدار السنوات الفائتة؛ بفضل الاهتمام التاريخي بهذه الصناعة التي بدأت منذ اكتشاف النفط عام 1938 وتصدير أول شحنة عام 1946.

    اقرأ أيضًا: الكويت تسجل أول فائض في ميزانيتها العامة منذ 9 سنوات

    مبادرات التنويع ورؤية "الكويت 2035"

    بدورها، أوضحت هبة الحسيني، عضو الجمعية المصرية للمحللين الفنيين، في تصريحات خاصة، أن الحكومة الكويتية تدرك حتمية تقليص الاعتماد على النفط؛ لذا تسعى بشكل مكثف لدعم وتطوير القطاعات غير النفطية الحيوية مثل السياحة، الخدمات المالية، والتكنولوجيا.

    وأشارت "الحسيني" إلى إطلاق الدولة عدة مبادرات ومشاريع لجذب الاستثمارات الأجنبية وتحفيز القطاع الخاص؛ شملت إنشاء مناطق حرة (علماً بأن أول منطقة تجارية حرة افتتحت عام 1999) وتقديم تسهيلات مالية وضريبية مرنة، بالتوازي مع مواصلة المفاوضات مع شركات النفط العالمية لتطوير الحقول الشمالية.

    كما تسير الدولة بخطى ثابتة في تحسين مشاريع البنية التحتية الكبرى (شبكات النقل، المطارات، والموانئ) لرفع جودة الحياة وجذب المستثمرين. وتابعت الحسيني بأن الاقتصاد الكويتي -رغم مؤشراته الإيجابية- يواجه تحديات هيكلية؛ على رأسها تقلبات أسواق الطاقة، التوترات الجيوسياسية الإقليمية، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، والتي تحاول الحكومة علاجها عبر دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتطوير المهارات الوطنية.

    وتأتي كل هذه الجهود تحت مظلة "رؤية الكويت 2035" بهدف تحقيق التنمية المستدامة؛ حيث تم إطلاق مشاريع بارزة في مجالات الطاقة النظيفة (الشمسية والرياح) لخفض الانبعاثات الكربونية. كما يشهد القطاع المالي استقرارًا ملحوظًا بفضل السياسات النقدية الحصيفة للبنك المركزي الكويتي الذي يضمن سلامة الجهاز المصرفي ويعزز مكانة البلاد كمركز مالي إقليمي عبر توقيع اتفاقيات تجارية دولية وتسهيل تدفق الرساميل الأجنبية.

    وفي المجمل، يشكل عام 2024 مزيجًا من الفرص والتحديات للكويت؛ فبينما يظل القطاع النفطي هو الركيزة الأساسية المدعومة باكتشافات كبرى كحقل النوخذة، فإن جهود التنويع الاقتصادي المستمرة تمهد الطريق نحو مستقبل وطني أكثر استدامة وازدهارًا.

    اقرأ أيضًا: صندوق النقد يحذر.. الكويت أمام مفترق طرق