تقارير اقتصادية

    كيف يؤثر إنهاء الحرب على اقتصادات المنطقة؟

    •آخر تحديث •5 دقائق
    كيف يؤثر إنهاء الحرب على اقتصادات المنطقة؟

    تعتبر الحرب الإسرائيلية على لبنان وغزة من أكبر التحديات التي تواجه منطقة الشرق الأوسط في الوقت الراهن، ومع انتهاء الحرب قد تشهد البلاد تحسنًا في الأوضاع الأمنية، مما يفتح الباب أمام جذب الاستثمارات وتعزيز ثقة المستثمرين، بالإضافة إلى انتعاش القطاعات الاقتصادية، لكن في المقابل تواجه الدول المتأثرة تحديات كبيرة.

    ويرى الخبراء أن إنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان وغزة سيحمل معه فرصًا للتعافي الاقتصادي، لكنه سيتطلب أيضًا جهودًا كبيرة لتحقيق الاستقرار المستدام، وتشمل التأثيرات الإيجابية المتوقعة؛ تعزيز الأمن، وزيادة الاستثمارات، وانتعاش السياحة والتجارة.

    وعلى الجانب الآخر، قد تتمثل التحديات في تكاليف إعادة الإعمار، وإدارة الدين العام، كما ستعتمد النتائج النهائية بشكل كبير على السياسات الاقتصادية التي تتبعها الدول، وعلى مدى قدرتها على استغلال هذه الفرصة لتحقيق نمو اقتصادي طويل الأمد.

    مخاطر الحرب الراهنة

    قال الدكتور محمد جدري، الخبير الاقتصادي، في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia” إن الحرب الراهنة لا تحمل في طياتها الكثير من الرابحين، بل إن خسائرها تفوق بشكل كبير أي مكاسب قد تتحقق، فقد بدأت حالة عدم اليقين تتأجج منذ بداية جائحة كورونا، ثم شهد العالم توترات تضخمية، واستمرت هذه الحالة المتوترة مع تفاقم الأزمات في الشرق الأوسط منذ أكتوبر 2023، وفي حال توسعت الحرب الحالية بين فلسطين وإسرائيل، وكذلك الأردن ولبنان وإيران، فإن العواقب ستكون وخيمة على المنطقة لأسباب متعددة.

    أولًا، من المتوقع أن ترتفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، كما حدث في أبريل 2022 عندما تجاوز سعر البرميل 120 دولارًا، الأمر الذي سيؤدي حتمًا إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، مما سيعيد موجات التضخم التي شهدناها العام الماضي، ولكن بشكل أكثر حدة.

    ثانيًا، حالة عدم الاستقرار واليقين تجعل من الصعب على المستثمرين التفكير في الاستثمار في شمال أفريقيا أو الشرق الأوسط، فالقلق من تفاقم الصراعات يجعلهم يترددون في استثمار أموالهم في مشاريع يفترض أنها مربحة في مناطق تعاني من النزاعات والحروب.

    من جهة أخرى، قد تستفيد بعض الدول من استمرار التوترات، وهي الدول المصدرة للنفط، حيث سيؤدي أي توتر في المنطقة إلى ارتفاع الأسعار، وهذا يصب في مصلحة الدول الخليجية مثل السعودية والكويت وعدد من الدول الأخرى، لكن على الرغم من هذا الربح الظاهر، إلا أن ارتفاع أسعار النفط سيؤدي بطريقة غير مباشرة إلى زيادة تكاليف الإنتاج، وستكون تكلفة الحرب باهظة من المحيط إلى الخليج.

    واختتم الخبير حديثه مع “Econ-Pedia” قائلًا: “في النهاية، يُظهر الوضع الحالي أن التوترات والنزاعات في المنطقة لا تأتي بفوائد مستدامة، بل تؤدي إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية” .

    تأثير إنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان وغزة

    من جانبها تقول الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، إن إنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان وغزة سيكون له تأثيرات واسعة النطاق على اقتصادات منطقة الشرق الأوسط؛ حيث ستنتج عن ذلك مجموعة من التداعيات الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة على الدول المتأثرة في الصراع، وكذلك على المنطقة بأسرها، وهذه التأثيرات يمكن أن تكون إيجابية من بعض النواحي وسلبية من نواحٍ أخرى، يتوقف ذلك على مدى استجابة الدول للتطورات الإقليمي، وقدرتها على التكيف مع الظروف الجديدة.

    إعادة الإعمار

    ستواجه الدول المتضررة، لبنان وغزة، تحديات كبيرة متعلّقة في إعادة الإعمار، حيث ستكون هناك حاجة ضخمة لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة مثل الطرق والجسور، بالإضافة إلى المنشآت الصحية والتعليمية، وسيتطلب هذا الأمر ضخ أموال هائلة، قد تضطر الدول إلى الاقتراض من أجلها، مما سيؤثر على مستويات الدين العام.

    وفي الوقت نفسه، قد يؤدي إطلاق مشاريع إعادة الإعمار إلى تحفيز النشاط الاقتصادي المحلي، خاصة في قطاع البناء والقطاعات المرتبطة به؛ إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى تنشيط القطاع العقاري، وإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، مما يُسهم في خلق فرص عمل جديدة وتحسين مستويات المعيشة..

    اقرأ أيضًا: الصراع في الشرق الأوسط يهدد إمدادات النفط الصينية

    فرص جديدة للاستثمار

    قالت الخبيرة في تصريحات خاصة لـ Econ-Pedia: “إن انتهاء الحرب سيؤدي إلى تحسين الوضع الأمني في المنطقة، وهو عامل رئيسي لجذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز ثقة المستثمرين، فعندما تنتهي الحروب، يتراجع مستوى المخاطر السياسية، مما يشجع المستثمرين على العودة وإطلاق مشاريع جديدة”.

    أسعار الطاقة والنفط

    تعتبر منطقة الشرق الأوسط منطقة غنية بمصادر الطاقة، لكنّ التوترات المتصاعدة فيها حاليًا أدت إلى تزايد القلق بشأن إمدادات النفط والغاز، فإذا انتهت الحرب ستقل المخاطر الجيوسياسية التي قد تؤثر عليها.

    عندما تهدأ الأوضاع الأمنية، من المرجح أن تعود أسعار النفط للاستقرار، مما سيكون له تأثير إيجابي على الدول المصدرة والمستوردة للطاقة في المنطقة؛ فقد تستفيد الدول المنتجة للنفط من تحسن الاستقرار الأمني، بينما تواجه الدول المستوردة تحديات أقل فيما يخص تكاليف استيراد الطاقة.

    انتعاش السياحة والتجارة

    أشارت الخبيرة إلى أن السياحة في الشرق الأوسط تعتبر من القطاعات الحيوية التي تتأثر بشدة بالأوضاع الأمنية، ومن المتوقع أن يشهد قطاع السياحة انتعاشًا ملحوظًا في الدول التي كانت تعاني من تداعيات الحرب، فمع عودة الاستقرار، يمكن أن يرتفع عدد السياح، وهذا يسهم في زيادة الإيرادات الحكومية والانتعاش الاقتصادي العام. كما أن فتح المعابر الحدودية والموانئ سيكون له دور مهم في تسهيل حركة التجارة وزيادة الصادرات والواردات، مما يعزز النمو الاقتصادي.

    تعاون اقتصادي للتعافي من آثار الحرب

    قد تشهد الدول المتضررة تدفق مساعدات دولية لإعادة الإعمار، سواء كانت من مؤسسات دولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أو من دول مانحة تسعى لدعم الاستقرار في المنطقة. هذه المساعدات يمكن أن تخفف من حدة التأثيرات الاقتصادية السلبية وتساهم في تسريع التعافي الاقتصادي، ومع ذلك، فإن الاعتماد المفرط على المساعدات يمكن أن يشكل تحديًا، حيث يجب على الدول العمل على وضع خطط تنموية طويلة الأجل لتحقيق نمو اقتصادي مستدام.

    كما أن إنهاء الحرب يمكن أن يفتح الباب أمام تعزيز التعاون الاقتصادي بين دول الشرق الأوسط، حيث قد تسعى هذه الدول إلى زيادة التكامل الاقتصادي وتفعيل الاتفاقيات التجارية الثنائية والإقليمية، وهذا التعاون يمكن أن يؤدي إلى تحقيق فوائد اقتصادية واسعة النطاق، مثل تحسين البنية التحتية الإقليمية، وزيادة حجم التجارة بين الدول، وتعزيز تبادل الخبرات والتكنولوجيا.

    واختتمت الخبيرة قائلة: “تعاني اقتصادات الشرق الأوسط من تأثيرات سلبية جراء الصراعات الإقليمية، وإنّ إنهاء الحرب يمكن أن يعزز فرص النمو في المنطقة، فمع عودة الاستقرار يمكن للدول أن تتجه نحو تعزيز التعاون الاقتصادي البيني، وزيادة التكامل الإقليمي، مما قد يسهم في تحقيق فوائد اقتصادية واسعة النطاق لجميع دول المنطقة”.

    والخلاصة التي يتّفق عليها الجميع هي أن إنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان وغزة سيحمل معه فرصًا جديدة للتعافي الاقتصادي في المنطقة، وسيمثل لحظة فارقة بالنسبة للدول المتأثرة بالصراع، لكن سيصاحب ذلك تحديات كبيرة تتعلق بإعادة البناء وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة.