الأمن الغذائي

    ظاهرة إل نينيو.. طقس متطرف يضغط على الغذاء والمياه

    بقلم باسل محمود••آخر تحديث •4 دقائق
    فيضانات تغمر شوارع مدينة نيويورك (بالقرب من مبنى جيمس إيه فارلي التاريخي)، نتيجة التغيرات المناخية الناتجة عن ظاهرة النينيو.

    مع اتساع موجات الحر في مناطق عدة، تتزايد المخاوف من حدث "إل نينيو" فائق، قد يستمر حتى نهاية 2026، بعدما رفع المتنبئون احتمالات بقائه إلى ما بين 80 و90%.

    وفي هذا النوع من الأحداث المناخية، ترتفع درجات حرارة سطح البحر في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي بأكثر من درجتين فوق المعدلات الطبيعية، والنتيجة تنعكس على الغذاء والطاقة والهجرة والأسواق.

    الدول الأكثر تأثرًا بـ "إل نينيو"

    قد تؤدي أمطار الشتاء الغزيرة في جنوب الولايات المتحدة إلى فيضانات، وفي أستراليا والأمازون يمكن أن تزيد الظروف الجافة من خطر حرائق الغابات، أما الهند فقد تواجه ضعفاً في الرياح الموسمية، بينما قد يتسبب الجفاف في شمال أفريقيا في موجات نزوح داخلي.

    وفي شرق أفريقيا قد تؤدي الأمطار فوق المتوسطة إلى فيضانات في الصومال وإثيوبيا وكينيا، وفي جنوب القارة يهدد فشل المحاصيل الأمن الغذائي في زامبيا وزيمبابوي وأنغولا وموزمبيق، أما في جنوب شرق آسيا وإندونيسيا فقد تؤدي الظروف الأكثر جفافاً إلى نقص الغذاء واضطراب الإنتاج الزراعي.

    وتأتي هذه المخاطر في وقت تعاني فيه دول كثيرة بالفعل من اضطرابات الطاقة والسلع بسبب الحرب في إيران -رغم وقف إطلاق النار- فأسعار الطاقة والأسمدة ترتفع بفعل توترات الإمداد في الشرق الأوسط، بينما يدفع بناء مراكز البيانات والسيارات الكهربائية الطلب على المعادن الأساسية مثل النحاس والألومنيوم.

    اقرأ أيضًا: ارتفاع أسعار الأسمدة بسبب حرب إيران.. هل يواجه العالم أزمة غذاء؟

    ضربة قوية لإنتاج السلع والمحاصيل

    قد يجعل حدث "إل نينيو" موجة التضخم العالمية أقوى، خاصة إذا ضرب إنتاج الغذاء في مناطق رئيسة، وتشير تقديرات بعض المحللين إلى أن إنتاج القمح الأسترالي قد ينخفض بنحو 9 ملايين طن في موسم 2026-2027.

    كما قد يتراجع إنتاج السكر في الهند وتايلاند بما يصل إلى 30%، بينما تواجه مرتفعات القهوة في فيتنام خطر الجفاف الشديد، وفي غرب أفريقيا قد تتعرض أشجار الكاكاو لضغوط إضافية بسبب رياح الهرمتان الجافة.

    ويرى ديفيد ريس، رئيس الاقتصاد العالمي في "شرودرز"، أن القناة الرئيسة للاضطراب الاقتصادي ستكون عبر تضخم مدفوع بارتفاع تكاليف جانب العرض، وهو النوع الذي يصعب على البنوك المركزية التعامل معه، فرفع الفائدة قد يحد الطلب، لكنه لا يعيد المطر إلى المحاصيل، ولا يخفض حرارة البحار.

    ويحذر ريس من أن "إل نينيو" شديد القوة، قد يدفع أسعار الغذاء العالمية إلى الضعف خلال عام تقريباً إذا تكررت الأنماط السابقة، ما قد يضيف أكثر من نقطة مئوية إلى التضخم الرئيس في الاقتصادات المتقدمة خلال 18 شهراً.

    ولا تقف المخاطر عند الغذاء، فكلما طال بقاء التضخم مرتفعاً، زادت احتمالات انتقاله إلى الأجور، ما يجعل ضغوط الأسعار أصعب في الاحتواء.

    أوروبا تحت ضغط الجفاف

    لا ينبغي النظر إلى الظواهر المناخية المتطرفة كأنها مشكلة محصورة في المناطق الاستوائية، ففي أوروبا أظهرت ورقة بحثية لاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي أن موجة الحر في صيف 2022 رفعت أسعار الغذاء بنحو 0.7 نقطة مئوية.

    ومع ارتفاع حرارة المناخ، قد تضيف موجة حر مماثلة ما يصل إلى 1.8 نقطة مئوية إلى تضخم أسعار الغذاء بحلول 2060، وهذه أرقام مهمة للبنوك المركزية، لأنها تعني أن الصدمات المناخية قد تصبح عاملاً متكرراً في تشكيل التضخم.

    وتشير دراسة إقليمية للبنك المركزي الأوروبي شملت أكثر من 1100 منطقة في الاتحاد الأوروبي، إلى أن موجة حر صيفية واحدة قد تخفض الناتج الإقليمي بنحو 1%، وقد يتعمق الأثر إلى 1.5% بعد عامين.

    أما موجات الجفاف، فتبدو أكثر ضرراً واستمراراً، فقد يظل الناتج الإقليمي في أوروبا أقل بما يصل إلى 3 نقاط مئوية لمدة 4 سنوات بعد موجة جفاف شديدة.

    صناديق المياه وعقود السلع تحت المجهر

    ويرى بعض مديري الصناديق، أن ارتفاع المخاطر المناخية يدعم زيادة التعرض للسلع الأولية، لكن الاستثمار المباشر في السلع لم يكن دائماً مجزياً رغم تقلب الأسعار، لذلك يفضل كثيرون البحث عن فرص أكثر تحديداً.

    وتشمل هذه الفرص قهوة روبوستا، وعقود السكر الآجلة، وشركات الأسمدة مثل "سي إف إندستريز" و"نيوترين"، كما قد تتعرض شركات الغذاء العالمية، مثل "نستله" و"يونيليفر»" و"باري كاليبو"، لضغوط تكلفة إذا ارتفعت أسعار الكاكاو والسكر والقهوة.

    ومن المتوقع أيضاً أن يظهر أثر الطقس المتطرف أولاً على شركات إعادة التأمين عبر المطالبات، قبل أن تستفيد لاحقاً من إعادة تسعير الأقساط وفق مستويات المخاطر الجديدة.

    لكن المشكلة الأكبر قد تكون في المياه، فالطلب على المياه العذبة نما لعقود بأكثر من ضعف معدل نمو سكان العالم، بينما تضغط تغيرات المناخ على المياه الجوفية والسطحية في مناطق مثل جنوب غرب الولايات المتحدة وحوض المتوسط.

    ما علاقة الذكاء الاصطناعي بالجفاف العالمي؟

    ويضيف الذكاء الاصطناعي محرك طلب جديد، فمركز بيانات واحد بقدرة ميغاواط، قد يستهلك ما يصل إلى 25.5 مليون لتر من المياه سنوياً للتبريد، ويقدر "غولدمان ساكس" أن استهلاك مراكز البيانات العالمية من المياه، البالغ حالياً نحو 560 مليار لتر سنوياً، قد يتضاعف إلى 1.2 تريليون لتر بحلول 2030.

    ولهذا زادت أصول الصناديق المرتبطة بقطاع المياه إلى عشرات المليارات منذ 2020، وتشمل أبرز الصناديق المتداولة في هذا المجال "آي شيرز غلوبال ووتر"، و"إل آند جي كلين ووتر"، و"أموندي إم إس سي آي ووتر"، و"غلوبال إكس كلين ووتر".

    ورغم أن هذه الصناديق تأخرت عن مؤشرات الأسهم العالمية في السنوات الأخيرة بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي، فإنها لا تزال تقدم تنوعاً مهماً بعيداً عن أسهم الذكاء الاصطناعي، داخل قطاع عالمي يستفيد من الطلب المتزايد على المياه والبنية التحتية المناخية.

    قد يهمّك أيضًا: حرق الغاز المصاحب للنفط.. 54 مليار دولار تتبخر سنويًا