في ظل أزمة السيولة في ليبيا، بدأ السكان يتجهون بشكل متزايد إلى استخدام البطاقات المصرفية رغم التحديات التي تواجههم في النظام المصرفي المتداعي، إذ إنّ ليبيا التي تعد غنية بالموارد الطبيعية تواجه أزمة نقدية خانقة نتيجة سنوات من النزاع وعدم الاستقرار السياسي.
أزمة السيولة تخنق الليبيين
في معظم المدن الليبية، أصبح سحب الأموال عملية شاقة؛ إذ يقف المئات من المواطنين في طوابير طويلة خارج فروع البنوك لساعات، انتظارًا لدورهم في الحصول على نقود غالبًا ما تنفد سريعًا بسبب نقص الإمدادات في النظام المصرفي.
ولعل ما يفاقم هذه المشكلة هو قلة الثقة بالنظام المالي، مما يجعل الأموال نادرًا ما تعود إلى المصارف، حيث يفضل العديد من الليبيين الاحتفاظ بنقودهم في متناول أيديهم. ومن جهة أخرى، يتلقى موظفو القطاع الحكومي، الذين يشكلون غالبية العاملين في ليبيا، رواتبهم متأخرة.
وفي ظل هذه الظروف، يقتصر سحب الأموال في معظم البنوك على حد أقصى قدره ألف دينار ليبي، وغالبًا ما يتم سحبه مرة واحدة شهريًا، ورغم جهود التحول نحو استخدام البطاقات المصرفية، فإنَّ هناك العديد من العقبات التي تحول دون نجاح هذه المبادرة، أبرزها نقص أجهزة الصراف الآلي وعدم تجهيز العديد من التجار بمحطات دفع إلكترونية لقبول المدفوعات عبر البطاقات، لكن مع قلة الخيارات المتاحة، بدأ العديد من المواطنين بالفعل في الاعتماد على البطاقات المصرفية.
ما هي كنوز ليبيا المفقودة؟ اكتشفها في تقريرنا المصور
ما علاقة ورقة الـ 50 دينار بأزمة السيولة في ليبيا؟
الاضطراب السياسي في ليبيا له تأثيرات جانبية على الاقتصاد، مثل طباعة أوراق نقدية جديدة من فئة 50 دينارًا، مما زاد من تعقيد الأمور، فمنذ عام 2014، شهدت ليبيا انقسامًا سياسيًا بين معسكرين متنافسين على السلطة، وكان مصرف ليبيا المركزي إحدى المؤسسات التي تأثرت بهذا الانقسام، حيث تم تقسيمه إلى فرعين في طرابلس وبنغازي، وكان كل فرع يوقع على طباعة أوراق نقدية، ما أدى إلى إصدار كميات كبيرة من الأموال، بما في ذلك الأوراق النقدية من فئة 50 دينارًا.
وفي أبريل 2024، قرر البنك المركزي سحب أوراق الـ50 دينارًا بسبب انتشار العملات المزيفة، إلى جانب تلك التي تم طبعها في بريطانيا وروسيا، والتي أصدرتها السلطات الموازية في شرق ليبيا.
وفي محاولة لتخفيف أزمة السيولة، قام البنك المركزي بضخ 15 مليار دينار في النظام المصرفي في نهاية أكتوبر 2024، وحث البنوك على تسهيل إصدار البطاقات المصرفية للعملاء، كما طالب بتقليص العمولات لتشجيع المواطنين على تبني أساليب الدفع الإلكتروني.
أسباب تفاقم أزمة سيولة النقدية في ليبيا
خلال محادثة أجراها مع فريق “Econ-Pedia“، صرّح الدكتور محمد البنموسي، الخبير الاقتصادي، بأنّ ليبيا تواجه أزمة سيولة نقدية حادة أثرت بشكل كبير على حياة المواطنين والاقتصاد الوطني، وتسببت في نقص حاد في العملة المحلية، مما أدى إلى اصطفاف طوابير طويلة أمام المصارف وحدوث تضخم في الأسعار.
الانقسام السياسي
“تعود أزمة السيولة إلى عدة عوامل معقدة تتداخل مع الوضع السياسي والاقتصادي في البلاد، أبرزها الانقسام السياسي الذي يعصف بالبلاد منذ سقوط النظام السابق؛ فقد أدى عدم وجود حكومة موحدة إلى صعوبة التنسيق بين المؤسسات الاقتصادية والمصرفية، مما أثر على سياسات البنك المركزي الليبي الذي فشل في الحفاظ على استقرار العملة المحلية، وأسهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية بشكل عام”، وفقًا للبنموسى.
الاعتماد على صادرات النفط
أوضح الخبير أنّ الاقتصاد الليبي يعتمد بشكل كبير على صادرات النفط كمصدر رئيسي للعملة الأجنبية، لكن بسبب تذبذب إنتاج النفط نتيجة للاضطرابات الأمنية والمشاكل السياسية، شهدت ليبيا انخفاضًا حادًا في احتياطياتها من العملة الصعبة، الأمر الذي أثَّر في قدرة البنك المركزي على تغطية الطلب على الدولار، وجعل السيولة النقدية المحلية تتعرض للضغط.
سوء إدارة النظام المالي
لفت البنموسى إلى أنّ القطاع المصرفي في ليبيا شهد في السنوات الأخيرة العديد من التحديات التي تتراوح بين ضعف الرقابة على العمليات المصرفية، وفساد بعض المؤسسات المالية، ونقص الكفاءات المتخصصة في القطاع. كما يعاني النظام المصرفي من التوسع غير المدروس في تقديم القروض والتمويلات التي لم تُسدد، ما أضعف قدرة البنوك على تلبية احتياجات السوق.
اطّلع على مستجدات استئناف الحفر البري في ليبيا .. “Eni وBP” تفتحان فصلاً جديداً
انخفاض إنتاج النفط
تأثرت قدرة ليبيا على تحقيق إيرادات مالية نتيجة للانخفاض المستمر في إنتاج النفط الذي يعد المصدر الأساسي للإيرادات الحكومية؛ حيث أدى هذا الانخفاض إلى تقليص حجم العوائد التي يمكن تخصيصها لتمويل مشروعات التنمية وزيادة الاحتياطي النقدي، ما أسهم في أزمة السيولة، كما أن تدمير المنشآت النفطية في بعض مناطق البلاد بسبب النزاعات المسلحة أضاف عبئًا إضافيًا على الوضع الاقتصادي.
غياب الثقة بالمصارف المحلية
لفت الخبير إلى وجود أزمة ثقة كبيرة بين المواطنين والمصارف المحلية في ليبيا فالكثير من الناس لا يثقون في النظام المالي بسبب تجارب سابقة مع قيود على السحب وتأخر التحويلات المالية، الأمر الذي أدى إلى زيادة الطلب على العملة الصعبة ورفع معدلات التضخم، ما يزيد من الضغوط على النظام المصرفي.
الاقتصاد الموازي
“تعاني ليبيا من انتشار الاقتصاد الموازي (غير الرسمي) الذي يتمثل في تهريب السلع والمشتقات النفطية والعملة الصعبة عبر الحدود، وهو يهدد السيولة النقدية الرسمية ويسهم في تضخم الأسعار، إلا أنّ العديد من المواطنين يفضلون التعامل مع السوق السوداء بدلاً من المصارف الحكومية بسبب صعوبة الحصول على العملات الصعبة”، بحسب الخبير.
تداعيات جائحة كورونا
أكَّد البنموسي أنَّ الدولة ما زالت تعاني من تداعيات جائحة كورونا التي أدت إلى انخفاض الطلب على النفط وعرقلة حركة التجارة الدولية، وتسببت في تراجع الإيرادات الحكومية بسبب تعطيل العديد من الأنشطة الاقتصادية.
اقتصاد سوريا: من انهيار النظام إلى آفاق إعادة الإعمار .. اقرأ التفاصيل الكاملة!
تأثيرات اقتصادية واجتماعية ومطالب بحلول جذرية
ذكر البنموسي أنَّ أزمة السيولة في ليبيا لا تقتصر فقط على نقص المال في البنوك، بل تمتد لتؤثر على مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ففي ظل النقص المستمر في العملة المحلية، ارتفعت معدلات التضخم بشكل ملحوظ، وزادت الأسعار بشكل غير مبرر على العديد من السلع والخدمات، كما تأثر المواطن الليبي بشكل كبير، حيث وجد صعوبة في الحصول على احتياجاته اليومية أو تحويل الأموال لأغراض متنوعة.
واختتم الخبير تصريحاته قائلاً: “تتعدد أسباب أزمة السيولة في ليبيا بين عوامل سياسية، واقتصادية، وأمنية، لكن كلها تؤدي إلى تفاقم الوضع المعيشي للمواطنين، وتزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي. ومن الضروري أن تعمل الأطراف السياسية على إيجاد حلول جذرية لتوحيد الحكومة ورفع كفاءة النظام المصرفي، مع العمل على معالجة المشاكل الأمنية وتحقيق الاستقرار السياسي”.
قد يهمّك أيضًا: إفلاس الشركات السويدية.. أزمة مالية غير مسبوقة
