تقارير اقتصادية

    كيف تفاعلت الأسواق المالية العالمية مع التوترات الجيوسياسية الراهنة؟

    •آخر تحديث •5 دقائق
    كيف تفاعلت الأسواق المالية العالمية مع التوترات الجيوسياسية الراهنة؟

    غدت الحروب والصراعات الجيوسياسية من أبرز العوامل التي تؤثر في أداء الأسواق المالية العالمية والإقليمية، مما يترك أثرًا مباشرًا على حركة رؤوس الأموال وأسعار السلع الأساسية مثل النفط والذهب. وفي ظل التوترات الدائرة بين إيران وإسرائيل، شهدت الأسواق العالمية تذبذبات قوية انعكست على مؤشرات البورصات.

    كما تأثرت أسواق المال في الخليج ومصر بهروب المستثمرين وتراجع أداء العديد من المؤشرات، بالإضافة إلى تأثر أسواق الطاقة بشكل واضح، لا سيّما مع استهداف منصات الغاز، الأمر الذي زاد التوقعات المتعلقة بتصاعد أسعار النفط، لهذا بدأ المستثمرون بالتوجه إلى الملاذات الآمنة مثل الذهب، مما أدى تقلّب أسعاره في السوق العالمي.

    أداء الأسواق المالية العالمية

    تقول حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، إن الحروب الدائرة تؤثر سلبًا على أسواق المال، مثلما حدث نتيجة الصراع بين إيران وإسرائيل، حيث أثّر في كل من البورصات الخليجية والمصرية التي استقرت معظم مؤشراتها في المنطقة الحمراء؛ بسبب هروب المستثمرين الأجانب يليهم المستثمرون العرب. أما المستثمر المصري فعادة ما يكون آخر من يخرج من السوق إذا تأزمت الأمور، نظرًا لاختلاف نظرة المستثمر المصري بإمكانية التحسن التدريجي، وهو بالفعل ما حدث على مدار عام كامل، ففي ظل التصعيد في غزة تباين أداء مؤشرات البورصة بين الارتفاع والانخفاض، وتأثرت تارةً بنتائج الأعمال وتوزيعات الأرباح.

    وأضافت الخبيرة في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia أن الاقتصاد الأمريكي وأسواق الخليج كانت الأكثر تأثرًا، ويتمثل ذلك في الفجوات التي يُعلن الاقتصاد الأمريكي؛ مثل تراجع بيانات التوظيف التي توفرها الحكومة، وارتفاع معدلات البطالة، وحدث “الاثنين الأسود” خلال شهر أغسطس الذي تأثرت بسببه البورصات العالمية والعربية والمصرية إلى حد كبير، ثم ارتفعت مجددًا بعد قرار الفيدرالي الأمريكي بخفض أسعار الفائدة، وتبع ذلك خفض البنوك المركزية في أسواق الخليج لمعدلات الفائدة، مما يعني خفض تكلفة التمويل.

    تأثر سلاسل إمداد النفط

    تأثرت سلاسل إمداد النفط سلبًا نتيجةً للتوترات الحالية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة الطلب عليه، لهذا السبب دخل لاعبون جدد في موضوع إنتاج النفط وتصديره، مثل فنزويلا ودول أمريكا الجنوبية، ما تسبب في ضخ مزيد من النفط، وبالتالي إحداث التوازن في الأسواق. بالإضافة إلى قرار “أوبك بلس” بتقرير عدم تخفيض الإنتاج، والإشارة إلى إمكانية زيادة الكميات، والسبب في ذلك أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تتدخل في حالة حدوث نقص لسد الفجوة وضبط الأسواق.

    كانت “أوبك بلس” تهدف إلى زيادة أسعار النفط لأكثر من 90 دولارًا للبرميل، لكنها بقيت 77 دولارًا، قد ترتفع أو تنخفض قليلًا، ليكون سلوك النفط على المستوى الأسبوعي والشهري بين الارتفاع والانخفاض. وفي حين أنّ الصين هي المستورد الأكبر للنفط الخليجي، فإن الأسعار سترتفع كلما ارتفعت معدلات الطلب، وتتراجع كلما تراجع الطلب نتيجة المخاوف من الركود. وقد تراوحت الأسعار بين 72 دولارًا كحد أدنى و80 دولارًا كحد أعلى للبرميل، وفي حالة حدوث الارتفاع تعلن الولايات المتحدة الأمريكية عن تحرير جزء من مخزونها في خليج المكسيك، وبالتالي تتأثر الأسعار، وتتراجع مرة أخرى.

    وبالنسبة للأسواق، فقد اعتادت على مثل هذه الأحداث، كما حدث في الحرب الروسية الأوكرانية والحرب على غزة، حيث تتأثر الأسواق في بداية الحدث بشكل قوي، خاصة في حال الضرب الليلي، ثم تتراجع مرة أخرى. وبالتالي، فإنّ أغلب الانخفاضات تكون مؤقتة يتبعها ارتفاعات متتالية، لكن في نهاية الأمر تخضع الأوضاع لظروف المتعاملين ورؤيتهم للوضع، وما إذا كان سيتأزم أو سيعود إلى طبيعته من جديد.

    اقرأ أيضًا: تكلفة الحرب والسلام العالمي

    أسواق المعادن والطاقة

    ومن جانبه يقول الخبير الاقتصادي الدكتور رمزي الجرم على خلفية الضربات الإيرانية لإسرائيل: “تفاعلت الأسواق المالية العالمية بشكل سريع ومباشر مع التوترات الجيوسياسية، خصوصًا في أسواق الطاقة والمعدن النفيس وأسواق الأوراق المالية العالمية، إذ شهدت أسعار الطاقة قفزات سريعة خلال التعاملات فور الضربة الإيرانية، فقد قفزت أسعار خام برنت خلال تعاملات أمس بنسبة 5%، لا سيّما وأن هناك توقعات تفيد باحتمال تصاعد الصراع بين إيران وإسرائيل، بل وأن يكون هناك تصعيد إقليمي واسع النطاق قد يمتد إلى دول أخرى.

    من ناحية أخرى، أوضح الجرم في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia أن هناك تهديدات حقيقية لأسواق الطاقة العالمية جراء تأكيد تصاعد الصراع إلى آفاق أوسع، على الأقل في الأجل القصير، في ظل إصرار إسرائيل على الرد على الضربة الإيرانية وحصولها على ضوء أخضر من الولايات المتحدة الأمريكية وكثير من الدول الأوروبية، خصوصًا مع استهداف منصات الغاز بالقرب من عسقلان جنوبي غرب إسرائيل، مما قد يُنذر بتداعيات أكثر حدة على ملف الطاقة العالمي.

    ومن الجدير بالذكر أنّ إسرائيل تعتمد بشكل أساسي على منصاتها لإنتاج 70% من احتياجاتها من الكهرباء، وهذا سيؤدي بدوره إلى ارتفاع في أسعار الطاقة بشكل ملحوظ، كما سيكون له تأثير مباشر على واردات مصر من الغاز الإسرائيلي المتوقفة مؤقتًا، فضلًا عن أن إسرائيل تعتبر منتجًا مهمًا للغاز الطبيعي ومصدرًا إقليميًا مهمًا، حيث وصل إنتاج الغاز الطبيعي في إسرائيل إلى نحو 24.7 مليار متر مكعب في عام 2023.

    البورصات العالمية

    انخفضت أسعار الذهب في البورصات مع جني المستثمرين الأرباح بعد تصاعد أسعاره أمس قُبيل الضربة الإيرانية لإسرائيل، كما تراجعت العقود الآجلة للمعدن النفيس، تسليم شهر ديسمبر المقبل، بنسبة 0.76٪ إلى 2669.8 دولارًا للأوقية، بينما انخفضت العقود الفورية للذهب بنسبة 0.38٪ إلى 2653.09 دولارًا للأوقية، هذا كله مقارنةً بتعاملات أمس الثلاثاء، حيث صعدت العقود الآجلة للذهب بنسبة 1.15٪ إلى 2690.3 دولارًا للأوقية.

    أما بالنسبة للبورصات العالمية، فقد تراجعت مؤشرات بورصة (وول ستريت) مع توجه المستثمرين نحو أصول الملاذات الآمنة عقب زيادة حدة التوتر بين إيران وإسرائيل؛ ففي نهاية تعاملات يوم الضربة الإيرانية على إسرائيل أنهى المؤشر (ستاندرد آند بورز 500) التداولات على انخفاض بنسبة 0.93% عند مستوى 5708.75 نقطة، بينما تراجع المؤشر (ناسداك) بنسبة 1.53% إلى 17910.36 نقطة، أما المؤشر (داو جونز) فقد انخفض بنسبة 0.41% ليسجل 42156.97 نقطة.

    العوامل المؤثرة في أسعار الذهب

    حول مستقبل أسعار الذهب أوضح الدكتور محمد عبد الهادي محلل أسواق المال في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia ارتباط أسعار الذهب بمجموعة من المتغيرات الأساسية التي تؤثر على توجهه، وهي كالآتي:

    أولًا: الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعدّ محركًا أساسيًا لأسعار الذهب، حيث تتحرك أسعار الذهب طرديًا مع الأزمات، فمع التوترات الجيوسياسية الجارية في منطقة الشرق الأوسط يتفاعل الذهب صعودًا، وذلك لارتباطه التاريخي بكونه السلعة الأساسية التي كان يتم استخدامها في التبادل التجاري بين الدول.

    ومن الجدير بالذكر أنّ الدولار لم يصبح عملة التبادل التجاري الأساسية بين الدول إلا بعد اتفاقية بريتون وودز عام 1944، لكن في حال حدوث أزمات عالمية يبقى الذهب في أذهان الناس السلعة الأكثر أمانًا حتى في الدول المتقدمة، وهذا ما حدث في معظم الدول عند الغزو الأمريكي للعراق والحرب الروسية الأوكرانية، ولهذا فإن ارتباط الذهب بعلاقة طردية مع الأزمات العالمية أمر حتمي، وهذا ما نلاحظه مع التوترات الجارية، حيث إن أسعار الذهب ترتفع بوتيرة متصاعدة.

    ثانيًا: القرارات الخاصة بالبنوك العالمية التي تحدد السياسات النقدية للدول لها تأثير على أسعار الذهب، ويتضح ذلك من قرارات الاحتياطي الفيدرالي السابقة، عندما أصدر قرارًا بخفض 50 نقطة أساس، مما أثر طرديًا على أسعار الذهب عالميًا وعكسيًا على أسعار الدولار، أما محليًا فقد أصبح الذهب هو الاستثمار الآمن في ظل توجه الدولة لخفض عجز الموازنة ومع تدفق الاستثمارات المباشرة من السعودية والإمارات.

    ثالثًا: اتجاه البنوك المركزية في مصر والعالم إلى شراء وتخزين الذهب في ظل التوترات التي قد تؤدي إلى نشوب حروب عالمية، مما يؤثر إيجابيًا على أسعار الذهب.