تقارير اقتصادية

    كيف تسهم شركة أدوية هندية في حصول روسيا على شرائح “Nvidia” للذكاء الاصطناعي؟

    •آخر تحديث •6 دقائق
    كيف تسهم شركة أدوية هندية في حصول روسيا على شرائح “Nvidia” للذكاء الاصطناعي؟

    تقرير: باسل محمود

    تُظهر بيانات تتبع التجارة أن شركة هندية تبيع خوادم متطورة من “Dell” مصممة لتحسين أداء الذكاء الاصطناعي إلى روسيا، بحسب بلومبرج. هذه الشركة الصيدلانية هي “Shreya Life Sciences” التي تُشغل الطوابق الثلاثة العليا في مبنى مكاتب عادي بشمال مومباي، وتشكل جزءًا من تجارة مربحة للتكنولوجيا المتقدمة إلى روسيا، ما يثير قلق الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بشأن دور الهند المتزايد كوسيط في هذه الصفقات.

    صادرات التكنولوجيا إلى روسيا

    أظهر تحليل أجرته “Bloomberg News” بناءً على بيانات مجمعة من شركات تتبع التجارة مثل “ImportGenius” و”NBD” أن “Shreya” صدّرت 1,111 وحدة من خوادم “Dell Technologies Inc”، إلى روسيا خلال الفترة من أبريل إلى أغسطس من هذا العام.

    تحتوي الخوادم الحاسوبية المعروفة باسم “PowerEdge XE9680″، على معالجات عالية الأداء، مُصممة لتحسين الذكاء الاصطناعي من تصنيع “Nvidia”، وتندرج هي والمعالجات التي تتضمنها في قائمة المواد المحظورة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وذلك “بهدف استهداف القطاعات الحساسة في المجمع الصناعي العسكري الروسي”.

    ومع ذلك، كانت هذه الشحنات، التي بلغت قيمتها 300 مليون دولار واستوردتها شركتان روسيتان هما “Main Chain Ltd” و”I.S LLC”، أحدث سلسلة من صادرات التكنولوجيا المتقدمة التي قدمتها “Shreya” بشكل قانوني إلى روسيا منذ سبتمبر 2022، بحسب البيانات المتاحة.

    تأثير العقوبات على روسيا

    ما تزال محاولات الحكومات الغربية لقطع وصول موسكو إلى التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج تواجه ثغرات واضحة، حيث تؤكد هذه البيانات الطبيعة المتقدمة للمعدات التي يتم شحنها.

    الهند أصبحت ثاني أكبر مورد بعد الصين للتكنولوجيا المحظورة إلى روسيا، بحسب ما ورد في تقرير بلومبرج في 12 أكتوبر، وقد قال أندريه يرماك، كبير مساعدي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي، في تغريدة على منصة إكس: “روسيا لا تزال تتلقى مكونات تُستخدم في أنظمة الاستخبارات الإلكترونية والحرب، رغم العقوبات الغربية”، وأضاف: “لا ينبغي لأحد أن يربح على حساب حياة الأوكرانيين”.

    اقرأ أيضا: العلاقات الاقتصادية بين روسيا والإمارات

    الشحنات إلى روسيا

    رغم أن الهند هي محطة الشحن التي تصل إلى روسيا، فإنّ بيانات التجارة تُشير إلى أن الأصل هو ماليزيا، حيث التقى رئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم مع الرئيس فلاديمير بوتين في روسيا في سبتمبر، وأشاد بـ”الفرص الهائلة” لتعزيز العلاقات التجارية الإقليمية، خاصةً من خلال التقنيات المتقدمة.

    كما أظهرت وثائق الشحن أن 834 وحدة من “PowerEdge XE9680” المتجهة إلى روسيا، حُدد بلد المنشأ لها فكان ماليزيا، وكشفت بيانات الفترة الممتدة بين مارس وأغسطس من عام 2024 عن أن 1,407 وحدات من نفس طراز Dell تم استيرادها إلى الهند من ماليزيا.

    شركات التقنية وروسيا

    تلتزم الشركات التقنية نفسها بتطبيق قواعد العقوبات ومراقبة أي مبيعات للمنتجات الحساسة؛ حيث ذكرت Dell في بيان لها أنها أوقفت بيع وتقديم الخدمات أو الدعم لمنتجاتها في روسيا منذ فبراير 2022، بعد الغزو الشامل لأوكرانيا مباشرة. كما صرحت “Nvidia” و”AMD” بأنهما تعملان مع الشركاء لضمان التزام المبيعات تمامًا بقيود التصدير، وتتخذان الإجراءات المناسبة في حالة اكتشاف أي انتهاكات.

    الهند ترفض العقوبات على روسيا

    لا يُعد التعامل مع روسيا غير قانوني في الهند، حيث لم تنضم حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى جولات العقوبات العديدة التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على موسكو.

    ومن الجدير بالذكر أنّ نيودلهي تعتمد منذ فترة طويلة على روسيا في معداتها العسكرية، وقد استمرت في شراء نفطها عندما قطعت الدول الأوروبية واردات النفط الروسية بسبب الحرب، مشيرةً إلى أنها ستواصل ذلك طالما أنّ موسكو تُقدم لها تخفيضات أكبر من المنتجين الآخرين. وقد أشار مودي، على هامش قمة مجموعة بريكس الأخيرة، إلى استمرار العلاقات مع موسكو قائلًا إنّ “علاقاتنا وثيقة ومتنامية”.

    اهتمام الحكومات الغربية

    هذا الدور وضع الهند في دائرة اهتمام الحكومات الغربية، حيث قام مسؤولون من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بزيارة الهند خلال الأشهر الأخيرة كجزء من الجهود التي تهدف إلى حث الحكومة على اتخاذ إجراءات لوقف الشحنات، وفقًا لأشخاص مطلعين على هذه الزيارات.

    تأتي هذه الزيارات وسط مؤشرات على تزايد الاستياء من دور الهند في توفير السلع لروسيا في الحرب، وخلال فترة الصيف، أرسل نائب وزير الخزانة الأمريكي والي أدييمو رسالة إلى اتحاد الصناعات الهندية، محذرًا من أن المؤسسات المالية الأجنبية التي تتعامل مع قاعدة المجمع الصناعي العسكري الروسي قد تتعرض للعقوبات.

    لكن على الرغم من جهود إدارة بايدن للحفاظ على تماسك حكومة مودي في المنافسة مع الصين، إلا أنّ نيودلهي لم تُبدِ اهتمامًا كبيرًا بمخاوف الولايات المتحدة.

    زيادة المنتجات ذات الاستخدام المزدوج

    نقل المنتجات ذات الاستخدام المزدوج عبر الهند شهد ارتفاعًا منذ ديسمبر من العام الماضي، حسبما أفاد ديفيد أوسوليفان، المسؤول عن العقوبات في الاتحاد الأوروبي؛ حيث نسب الزيادة إلى “الكمية الهائلة من الروبيات” التي تراكمت لروسيا من بيع النفط، وليس إلى السياسة الهندية، علمًا أنّ الاتحاد الأوروبي قام بالفعل بفرض عقوبات على بعض الكيانات في الهند.

    وقد بحثت الهند في ادعاءات الولايات المتحدة واتخذت إجراءات عند الضرورة بعد أن أشارت واشنطن إلى أن بعض الشركات الهندية كانت تُورّد تكنولوجيا ذات استخدام مزدوج إلى روسيا، بحسب أشخاص مطلعين على موقف الحكومة، وذكروا أن هذه المسألة أُغلقت الآن، مشيرين إلى أن “Shreya” لم تكن مدرجة ضمن القائمة.

    تاريخ شركة “Shreya”

    نادراً ما تتوفر معلومات عن الشركات المشاركة في مثل هذه الصفقات، لكن ما يميز “Shreya” هو ما يظهر في السجلات التي توصلت إليها بلومبرج، والتي تشير إلى تاريخ معقد يجعلها تبرز عن غيرها من شركات الأدوية.

    تأسست الشركة في موسكو عام 1995 على يد سوجيت كومار سينغ، إذ كانت روسيا آنذاك على وشك الانهيار الاقتصادي، مما أتاح فرصًا نادرة لرجال الأعمال القادرين على التنقل في تلك الفوضى، وقد شغل سينغ، الذي يُعتبر الرئيس التنفيذي للشركة، دورًا محوريًا في بناء شبكة توزيع واسعة للأدوية في روسيا.

    تحديات “Shreya” المالية

    كانت تبعية “Shreya” لروسيا سببًا في تعثرها المالي، فمع ضغوط العقوبات التي فرضت على روسيا في أعقاب ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، وانخفاض الروبل، شهدت الشركة انخفاضًا في إيراداتها التشغيلية، واضطرت للتخلف عن سداد قروض مصرفية بلغت قيمتها 1.9 مليار روبية هندية (23 مليون دولار) في مارس 2015، مما أدى إلى إعادة هيكلة ديونها عبر عدد من المصارف، بما فيها بنك الهند الحكومي.

    اقرأ أيضًا: صادرات التكنولوجيا إلى روسيا.. تايوان تضيق الخناق

    الدعم المصرفي الروسي

    عادت “Shreya” للربحية بفضل قرض من بنك روسي يديره بيتر فرادكوف، نجل رئيس الاستخبارات الخارجية الروسية السابق، بلغ حوالي 86 مليون دولار، بين عامي 2011 و2013، مقابل أسهم يمتلكها سينغ، وقد استخدمت الشركة الأموال في تمويل “Shreya” في موسكو، لشراء منتجات من الكيان الهندي، مما مكنها من الاستمرار رغم الظروف الصعبة.

    التحول نحو تصدير التكنولوجيا

    في سبتمبر 2022، بدأت “Shreya” بتصدير مكونات الحواسيب إلى روسيا، حيث كانت “Lanprint” و”Silkway LLC” من أوائل العملاء، إلا أنّ الشركة توقفت عن التعامل معهما قبل شهرين من فرض العقوبات الأمريكية عليهما في سبتمبر 2023. ومنذ أبريل الماضي، زادت “Shreya” مبيعاتها من خوادم “Dell” المتقدمة بمتوسط سعر 260 ألف دولار، لصالح شركة “Main Chain”.

    بالإضافة إلى “Shreya” قامت شركة “Hayers Infotech” في مومباي بتصدير خوادم مماثلة، ويُزعم أن شركات أخرى مثل “Elite Zone” أبرمت صفقات متعلقة بأجهزة الكمبيوتر، على الرغم من عدم إدراجها في بيانات التجارة المتاحة.

    توضح البيانات أن العديد من الشركات الهندية تُواصل التصدير، الأمر الذي قد يُعتبر تحديًا للتعهدات العالمية تجاه العقوبات على روسيا، في إطار مشهد يُظهر التجارة مع روسيا باعتبارها حوارًا مستمرًا بين المصالح التجارية والقيود السياسية، حيث تتجه الشركات نحو تحقيق أرباح بينما يواجه العالم تحديات جيوسياسية.