تقارير اقتصادية

    كيف تساهم مجموعة بريكس فى تشكيل مستقبل الأسواق العالمية؟

    •آخر تحديث •6 دقائق
    كيف تساهم مجموعة بريكس فى تشكيل مستقبل الأسواق العالمية؟

    في الوقت الذي يشهد فيه العالم تحولات جيوسياسية واقتصادية وهيمنة الأنظمة الغربية، برزت مجموعة بريكس كتحالف اقتصادي مهم يضم كبرى الدول الناشئة مثل البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا.

    تهدف المجموعة إلى إعادة تشكيل النظام المالي العالمي، وتوفير بدائل للتعاملات الاقتصادية والسياسية بين الدول بعيداً عن الهيمنة الغربية، ومع تصاعد الأزمات الدولية والعقوبات التي يفرضها الغرب على بعض الدول، أصبحت بريكس منصة تسعى إلى تعزيز التعاون الاقتصادي بين أعضائها ودعم التنمية المستدامة في دول الجنوب والشرق.

    دور بريكس في تشكيل الأسواق العالمية

    صرّح الخبير الاقتصادي محمد جدري قائلاً: “لم تعد مجموعة بريكس تعمل على خطط مجردة، بل اتخذت خطوات عملية منذ تأسيسها، بدأت تأخذ أنماطًا جديدة في إطار العلاقات الدولية، فقد أصبح للمجموعة أهمية جيوسياسية واقتصادية هائلة، خصوصًا في ظل الظروف غير الطبيعية التي يمر بها العالم من أزمات سياسية واقتصادية.

    وأكد جدري أن هناك محركين أساسيين للعلاقات الدولية؛ هما الأمن والاقتصاد اللذان يجمعان دول بريكس، خاصةً أن هذه الدول تسعى للحفاظ على مصالحها الوطنية وسط هيمنة الغرب على الاقتصاد العالمي.

    التبادل التجاري بين مجموعة بريكس

    أوضح جدري أن التبادل التجاري بين دول بريكس وصل إلى نسبة 95% من خلال التعامل بالعملات المحلية، كما حدث بين الصين والبرازيل، وأشار إلى أن المسألة تتعلق بالسعي إلى إيجاد بديل للدولار الأميركي من جهة، وتطوير أطر بديلة لأنظمة المدفوعات النقدية من جهة أخرى.

    ويرى الخبير أن الغرب يستخدم أنظمة المدفوعات كأدوات وأساليب للضغط؛ وذلك من خلال فرض عقوبات على الدول التي لا تتماشى سياساتها مع المنظومة الغربية، مُضيفًا: “رغم أن هذا المسار قد بدأ فعليًا، إلا أننا نرى الآن فرصًا أخرى لزيادة هذا التعامل بين دول بريكس.”

    اقرأ أيضًا: قمة مجموعة بريكس.. دعوات للسلام وإصلاح النظام المالي العالمي

    عملة بريكس المشتركة

    أكد جدري أن من المبكر الحديث عن عملة بريكس في الوقت الحالي بسبب التفاوت في أحجام الاقتصادات ومعدلات النمو بين الدول الأعضاء، فعلى الرغم من وجود خطوات عملية تجسدت في الماضي، إلا أن الوصول إلى آلية نقدية جديدة تكون بديلاً عن الأدوات الغربية يتطلب مزيداً من الوقت، حيث لا يُمكن فرض عملة جديدة فجأة على النظام المالي الدولي.

    وفي ذات السياق، أشار جدري إلى أن التحول السريع نحو عملة بديلة عن الدولار قد يكون خطيراً، مُستدلًا بتجربة منطقة اليورو في الاتحاد الأوروبي، حيث لم تعتمد جميع الدول الأوروبية العملة الموحدة “اليورو” بسبب الفروقات الاقتصادية بينها. ومن جانبه يرى أن الحل الأكثر واقعية في المرحلة الحالية هو التعامل بسلة من العملات المحلية لدول بريكس؛ مما سيوفر حماية أكبر للاقتصادات الناشئة، ويحقق فاعلية أفضل من السعي السريع نحو عملة موحدة.

    وأضاف جدري أن منصة بريكس تُتيح للدول الأعضاء مناقشة الأزمات والصراعات الداخلية، وفي نفس الوقت تقدم بديلاً للعقوبات الفردية التي يفرضها الغرب لتمرير سياساته وفرض وصايته.

    نظام التمويل الميسر

    أشار جدري إلى أن آلية “التمويل الميسر” التي أطلقتها بريكس عام 2018 تُتيح تمويل مشروعات التنمية في دول المجموعة ودول جنوب وشرق العالم، وأوضح أن العلاقات المتوازنة بين دول بريكس دفعت العديد من الدول إلى التقدم بطلبات الانضمام إلى المجموعة، حيث وصلت الطلبات إلى 35 دولة من دول الجنوب والشرق التي عانت طويلًا من الهيمنة الغربية.

    واعتبر جدري إقبال الدول على الانضمام لمجموعة بريكس أمرًا طبيعيًا في إطار الهيمنة الغربية، وبالتالي فإن من المرجح أن تُصبح هذه المجموعة منظمة دولية قوية بشروط واضحة تحقق مصالح أعضائها بعيدًا عن الهيمنة الغربية.

    كما أوضح الخبير أن بنك التنمية التابع لبريكس يركز على الاستثمار في البنية التحتية والتنمية المستدامة، بدلاً من القروض المشروطة التي يقدمها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والتي عادة ما تأتي بعواقب وخيمة على الدول النامية، مُضيفًا: “بنك التنمية يوفر قروضًا غير مشروطة، وهو ما أشار إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كبديل للتمويل الغربي التقليدي”.

    اقرأ أيضًا: هل تهيمن مجموعة بريكس على الاقتصاد العالمي؟

    التأثير في السياسات الاقتصادية العالمية

    أشار المستشار خالد إسماعيل، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، إلى أنّ مجموعة بريكس تُسهم بشكل متزايد في تشكيل مستقبل الأسواق العالمية من خلال تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي بين أعضائها، الذين يمثلون دولًا ذات تأثير كبير على الاقتصاد العالمي؛ حيث تأسست بريكس عام 2006، وتضم البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب إفريقيا، وكلها دول تشترك في معدلات نمو اقتصادي مرتفعة وقدرات إنتاجية ضخمة، مما يمنحها القدرة على التأثير في السياسات الاقتصادية العالمية.

    التعاون الاقتصادي

    قال إسماعيل: “تعد دول بريكس من أكبر الاقتصادات الناشئة، وهي تساهم في تحقيق التوازن في الاقتصاد العالمي بعيدًا عن الهيمنة التقليدية للولايات المتحدة والدول الغربية، فعلى سبيل المثال، تتعاون دول بريكس في مجالات التجارة والاستثمار، إذ إنّها تخطط لتطوير شراكات اقتصادية قوية تعزز التجارة البينية بينها، وإنشاء مؤسسات مثل بنك التنمية الجديد (NDB) لتنمية الاستثمار في البنية التحتية والمشاريع الاقتصادية داخل الدول الأعضاء وخارجها، مما يساهم في دفع عجلة النمو العالمي”.

    التحرر من الأنظمة المالية الغربية

    تواجه بعض دول بريكس، مثل روسيا والصين، تحديات اقتصادية نتيجة العقوبات الغربية أو التوترات الجيوسياسية، لذلك، تخطط المجموعة إلى تطوير أنظمة مالية بديلة تقلل من الاعتماد على الأنظمة الغربية مثل “سويفت” و”يوروكلير”.

    من خلال تقديم مبادرات مثل نظام “بريكس كلير” للمقاصة المالية، تعمل المجموعة على تأسيس آليات دفع مالية مستقلة تعتمد على العملات الوطنية، مما يساعدها في تجاوز القيود المالية المفروضة من الغرب ويضمن استمرارية التجارة بينها.

    أسواق السلع الأساسية

    أوضح عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع أنّ دول بريكس تضم عددًا من أكبر منتجي ومستهلكي الموارد الطبيعية في العالم؛ مثل النفط، والغاز، والمعادن، والمنتجات الزراعية، وهذا يجعلها في موقع قوي للتأثير على أسواق السلع الأساسية العالمية. على سبيل المثال، دول مثل روسيا والبرازيل والصين تعد من كبار اللاعبين في أسواق الطاقة والغذاء، الأمر الذي يجعل قدرتها على التأثير في العرض والطلب على هذه السلع كبيرًا، وهذا من شأنه أن يؤثر في أسعارها على مستوى العالم.

    التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

    تعمل دول بريكس على تعزيز شراكاتها في مجالات التكنولوجيا والابتكار، حيث تقود كل من الهند والصين، على وجه الخصوص، الابتكار في التكنولوجيا الرقمية والتجارة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يُسهم في تشكيل مستقبل الاقتصاد العالمي، ويجعل بريكس قادرة على تغيير معالم التجارة العالمية، وتقديم بدائل تكنولوجية تنافس الشركات الغربية العملاقة، وذلك من خلال تطوير حلول مبتكرة وتوسيع التعاون التكنولوجي فيما بينها.

    التنمية المستدامة

    تلعب بريكس دورًا محوريًا في دعم التنمية المستدامة من خلال الاستثمار في مشروعات الطاقة النظيفة والبنية التحتية الخضراء، حيث تتبنى دول المجموعة سياسات تهدف إلى تقليل الانبعاثات الكربونية، والحفاظ على البيئة، وتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية الموارد الطبيعية.

    اقرأ أيضًا: قمة مجموعة بريكس.. دعوات للسلام وإصلاح النظام المالي العالمي

    نظام عالمي متعدد الأقطاب

    أكد إسماعيل أن من بين أبرز الأهداف التي تسعى بريكس لتحقيقها تعزيز نظام عالمي متعدد الأقطاب، بحيث لا تقتصر القيادة الاقتصادية والسياسية على الدول الغربية، ليكون النظام العالمي أكثر توازنًا وعدالة، وذلك من خلال توسيع التعاون مع الدول النامية ودعم اقتصاداتها. وإن انضمام دول جديدة مثل الإمارات وإيران ومصر يفتح الباب أمام توسيع النفوذ السياسي والاقتصادي للمجموعة، مما يساهم في إعادة تشكيل النظام المالي والاقتصادي العالمي.

    واختتم إسماعيل تصريحه قائلاً: “تسهم مجموعة بريكس بشكل متزايد في تشكيل مستقبل الأسواق العالمية من خلال تعزيز التعاون بين أعضائها، والعمل على تقليل الاعتماد على الأنظمة المالية الغربية، وتعزيز التعددية القطبية في الاقتصاد العالمي، ومع استمرار توسعها وانضمام دول جديدة، من المتوقع أن تلعب بريكس دورًا رئيسيًا في إعادة صياغة معالم النظام المالي العالمي وتحقيق توازن أكبر بين الاقتصادات الكبرى والناشئة”.