رصدت دراسة حديثة أعدها مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بمصر، تأثير الانتخابات الرئاسية الأمريكية وانعكاساتها المحتملة على سياسات الطاقة في العالم ومصر.
ووفقاً للدراسة، ستكون لنتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2024 تداعيات كبيرة وطويلة الأمد على مستقبل قطاع الطاقة، ليس فقط داخل الولايات المتحدة، بل في جميع أنحاء العالم. السياسات التي سيتبعها الرئيس المقبل ستشكل “بوصلة” ترشد اتجاهات وتأثيرات عالمية، سواء في الدول الصناعية المتقدمة أو في دول الجنوب العالمي.
هذه السياسات ستحدد المسارات التي ستُعتمد لضمان أمن الطاقة من جهة، وتشجيع المشاريع التي تهدف إلى مواجهة التغير المناخي من جهة أخرى. ويُعزز من أهمية هذه القضية الدور البارز للولايات المتحدة باعتبارها واحدة من أكبر الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة في العالم، فضلاً عن كونها أكبر مصدر لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون الذي يسهم بشكل رئيسي في ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.
الانتخابات الرئاسية الأمريكية
وسلطت الدراسة الضوء على أبرز الاختلافات في السياسات بين المتنافسين الأساسيين في الانتخابات: الرئيس السابق دونالد ترامب، ممثل الحزب الجمهوري، ونائبة الرئيس الحالية كامالا هاريس، مرشحة الحزب الديمقراطي. وتعتبر هذه المقارنة بين سياسات الطرفين أمراً حيوياً لفهم التأثير المحتمل للانتخابات على سياسات الطاقة العالمية، بما في ذلك تأثيراتها على مصر. يُبرز المقال أهمية الاستعداد للسيناريوهات المحتملة التي قد تتبع الانتخابات لضمان أن تظل الحكومة المصرية مستعدة وقادرة على التعامل بفعالية مع أي تحولات قد تؤثر على مشروعات الطاقة الوطنية.
وشددت الدراسة على أهمية تعزيز التعاون في مجال الطاقة بين مصر والولايات المتحدة بغض النظر عن الفائز في الانتخابات. كما يدعو إلى ابتكار أساليب جديدة للتعاون بما يحقق المصالح الوطنية لمصر ويعزز أمنها القومي في قطاع الطاقة. هكذا، يصبح تعزيز الشراكات والاستعداد لتبني السياسات الأنسب هو المفتاح لضمان أن تكون مصر في موقع يمكنها من الاستفادة من التحولات في سياسات الطاقة الدولية والحفاظ على استقرارها وأمنها في هذا المجال الحيوي.
دونالد ترامب، الذي شغل منصب الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة بين عامي 2017 و2021، اعتمد خلال فترة رئاسته على سياسات تهدف إلى تحقيق ما أطلق عليه “استقلالية الطاقة الأمريكية” و”الاكتفاء الذاتي من الطاقة”. ترتكز هذه السياسات على الاستفادة من الموارد الطبيعية مثل النفط والفحم، تحت شعار “أمريكا أولاً” و”جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”. كان الهدف من هذه السياسات جعل الولايات المتحدة واحدة من أكبر منتجي ومصدري الطاقة في العالم، ما يسهم في تعزيز الأمن القومي، إنعاش الاقتصاد، وتوفير فرص عمل جديدة للشركات الأمريكية في الأسواق العالمية.
أهداف ترامب
لتحقيق هذه الأهداف، ركز ترامب وحزبه الجمهوري على إزالة القيود التنظيمية التي كانت تعوق إنتاج الوقود الأحفوري المحلي. دعم ترامب خلال فترة رئاسته العديد من المشروعات التي تعزز من صناعة الوقود الأحفوري، مثل خطوط الأنابيب، وكان مشروع Keystone XL من أبرز هذه المشاريع، حيث كان من المقرر أن ينقل 850 ألف برميل من النفط يومياً من كندا إلى تكساس.
ورغم أنه لم يعارض بشكل صريح بعض مشروعات الطاقة النظيفة، مثل تلك المتعلقة بالسيارات الكهربائية، إلا أن ترامب عبّر عن شكوكه حول جدوى هذه المشروعات في تلبية احتياجات الاقتصاد الأساسية. وصف هذه المشروعات بأنها مجرد “أحلام وطواحين هواء”، مشككاً في قدرتها على توفير طاقة كافية وبتكلفة معقولة. علاوة على ذلك، قلل ترامب من أهمية التعاون الدولي لمعالجة التغير المناخي، ووصف هذه القضية بأنها “خدعة” تهدف إلى إضعاف الاقتصاد الأمريكي. ونتيجة لذلك، انسحب من اتفاقية باريس للمناخ في عام 2017، ما أدى إلى تغييرات كبيرة في السياسة البيئية العالمية.
في هذا السياق، يتوقع محللون أن فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية والعودة إلى السلطة قد تؤدي إلى تعزيز هذه السياسات من جديد، مما يرفع من وتيرة إنتاج الوقود الأحفوري ويقلل من القيود التنظيمية، مع التركيز على تنشيط الاقتصاد المحلي والحد من التعاون الدولي في مجال المناخ. هذه السياسات قد تؤثر على الجهود العالمية لمواجهة التغير المناخي وتحد من المبادرات الدولية الرامية إلى الحد من انبعاثات الكربون.
اقرأ أيضًا: كيف يؤثر فوز ترامب على الأسواق في الشرق الأوسط؟
سياسات الطاقة
ووفقاً للدراسة، يتوقع العديد من الخبراء أن عودة الديمقراطيين إلى رئاسة الولايات المتحدة قد تؤدي إلى إحداث تغييرات كبيرة في سياسات الطاقة، حيث يركز الحزب على تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري مثل النفط والغاز والفحم. الرئيس الحالي، جو بايدن، تبنى سياسات تهدف إلى الحد من التوسع في هذه الصناعات، بما في ذلك وقف إصدار تصاريح جديدة لمحطات تصدير الغاز المسال، تعزيز استخدام السيارات الكهربائية، وتعزيز التعاون الدولي لمعالجة التغير المناخي، خاصة من خلال التزامه باتفاقية باريس للمناخ.
في المقابل، إذا عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، فقد يكون لذلك تأثير مختلط على قطاع الطاقة. من ناحية، قد تستفيد دول مثل مصر من سياسات ترامب المؤيدة للوقود الأحفوري، والتي قد تدعم زيادة الإنتاج العالمي للنفط والغاز الطبيعي. هذه الزيادة يمكن أن تؤدي إلى استقرار أو انخفاض الأسعار العالمية، مما قد يكون مفيدًا لمصر التي تعتمد بشكل جزئي على استيراد بعض المنتجات البترولية. بالإضافة إلى ذلك، قد تشهد استثمارات الشركات الأمريكية في التنقيب عن النفط والغاز في مصر ارتفاعًا نظرًا لدعم ترامب المستمر لقطاع الوقود الأحفوري.
التعاون بين مصر والولايات المتحدة
من جهة أخرى، قد تُتيح هذه السياسات الفرصة لمزيد من التعاون بين مصر والولايات المتحدة في مشروعات النفط والغاز، مما يعزز دور مصر كمركز إقليمي لتجارة وتصدير الغاز الطبيعي. فمصر تتمتع بموقع جغرافي متميز يربط بين آسيا، إفريقيا، وأوروبا، إضافة إلى امتلاكها بنية تحتية متطورة تشمل شبكات نقل الغاز ومحطتي تسييل في إدكو ودمياط، مما يجعلها شريكًا جذابًا لتجارة الغاز مع الدول الأوروبية والعالمية.
ومع ذلك، فإن عودة ترامب قد تشكل تحديًا كبيرًا لسياسات الطاقة المتجددة، حيث يتوقع أن يؤدي تركيزه على الوقود الأحفوري إلى تقليل الدعم لمشروعات الطاقة النظيفة. هذا قد يؤثر سلبًا على جهود مصر في تنويع مزيج الطاقة الخاص بها وزيادة نسبة الطاقة المتجددة. بالمقابل، إذا فازت كامالا هاريس، نائبة الرئيس الحالية، بمنصب الرئاسة، فمن المتوقع أن تستمر سياسات الديمقراطيين التي تدعم الطاقة النظيفة والتقليل من الاعتماد على الوقود الأحفوري، مما قد يفتح الباب لمزيد من التعاون في مشروعات الطاقة المستدامة بين مصر والولايات المتحدة ويعزز جهود القاهرة في الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون.
اقرأ أيضًا: سياسات الطاقة والمناخ بين هاريس وترامب
سياسات القوة عند هاريس
تتميز رؤية هاريس، على خلاف مفاهيم العمل الجديد للوقود الأحفوري وتوجهات الاقتصاد القومي الأمريكي المتنوعة، بتوجه “تقدمي” يركز على دعم الاستدامة والمساواة في الولايات المتحدة. هذه النظرة الطموحة تتماشى بشكل خاص مع الدفع المتعدد والدعم الابتكاري الذي يقوده الرئيس جو بايدن.
استنادًا إلى هذه الرؤية، دعمت هاريس بشكل واضح سياسات التحول نحو الطاقة النظيفة لمواجهة التغير المناخي. فقد أيدت قانون “الحد من التضخم” (IRA) لعام 2022، الذي يوفر إعانات وعفاءات ضريبية تصل قيمتها إلى 300 مليار دولار حتى عام 2030 لمشتري ومصنعي السيارات الكهربائية ومطوري مشاريع الطاقة النظيفة. يُعتبر هذا القانون أكبر حزمة مناخية عالمية تم طرحها حتى الآن. كما كانت هاريس من أوائل الداعمين لمبادرة “الصفقة الخضراء الجديدة”، التي تركز على تعزيز الطاقة النظيفة وتطمح إلى تحقيق الحياد الكربوني بحلول منتصف القرن الحالي.
ومن جانب آخر، تسلط هاريس الضوء على ضرورة “الاعتماد على الوقود الأحفوري”، من خلال فرض المزيد من القوانين واللوائح المالية التي تشمل، على سبيل المثال، تعليق عمليات التنقيب الجديدة عن النفط في الموارد الفيدرالية. كما تفرض على الشركات المنتجة للنفط والغاز الامتثال للوائح صارمة، بالإضافة إلى إيقاف إصدار تراخيص تصدير الغاز الطبيعي المسال. نتيجة لهذه السياسات، تم إجبار الشركات على التراجع وإلغاء مشروعات إنتاج الغاز المخصصة للتصدير، على الرغم من زيادة الطلب على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، خاصةً في ضوء التوترات الناجمة عن الحرب في أوكرانيا.
حلول مستدامة
في هذا السياق، واجهت هاريس تحديات تتعلق بكيفية توفير حلول مستدامة كافية لسكان الولايات المتحدة في ظل الأزمات المناخية العالمية. مثلت الولايات المتحدة في عدة منتديات مناخية هامة، مثل مؤتمر COP 27 الذي عُقد في مدينة شرم الشيخ المصرية، حيث كانت هاريس تمثل موقف البلاد في مواجهة التغير المناخي وتقديم التزامات جديدة.
تسعى الولايات المتحدة، من خلال مبادرات العدالة المناخية، إلى تحقيق هدف توجيه 40% من الفوائد الاقتصادية إلى مشاريع الطاقة المتجددة، بهدف ضمان أن يكون “تحول السلطة” في البلاد “عادلًا” و”شاملًا”، بحيث تستفيد منه الفئات السكانية الضعيفة.
كما ساهمت هذه المبادرات في إنشاء 500 ألف محطة شحن للسيارات الكهربائية، بالإضافة إلى تحويل أسطول المركبات الكهربائية للعمل بالطاقة الكهربائية، وتقليل انبعاثات الكربون الناتجة عن وسائل النقل.
كذلك، تمثل هاريس، كأحد القادة في الحكومة الأمريكية ، “فرصة ذهبية” لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية، حيث تعمل على تعزيز مكانة الولايات المتحدة كمركز رائد لإنتاج الطاقة النظيفة من خلال تعزيز شراكات الطاقة والمناخ مع واشنطن.
وقد ساهمت هذه الجهود في تحفيز الرئيس السابق دونالد ترامب على “ضخ” استثمارات ضخمة في مشاريع وتقنيات الطاقة النظيفة، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها. ومن ضمن الفوائد، تستفيد دول مثل مصر ودول الجنوب العالمي من هذه المشاريع، خاصةً في المجالات المالية والتكنولوجية، مما يعزز قدرتها على تحقيق التقدم في مجالات الطاقة، مثل الطاقة الكهربائية والهيدروجينية.
اقرأ أيضًا: هل يهدد فوز ترامب الاقتصاد البريطاني؟
خطط مصر
في هذا الإطار، تستطيع مصر تحقيق أهدافها الطموحة في زيادة نسبة الطاقة المتجددة إلى 52% بحلول عام 2040. كما يساهم هذا السيناريو في تحويل مصر إلى مركز أكثر إنتاجية في مجال الطاقة، مما يعزز فرصها في تجارة الطاقة. ويؤدي ذلك أيضًا إلى تقليل اعتماد مصر على استيراد الغاز الطبيعي من الخارج، مما يسهم في خفض فاتورة استيراد الغاز ويعزز تحقيق الطاقة الآمنة والمستدامة.
من المتوقع أن يؤدي نجاح هاريس في الانتخابات الرئاسية الأمريكية والوصول إلى البيت الأبيض إلى تعزيز موقع الولايات المتحدة كأحد أبرز اللاعبين في صناعة النفط والغاز الطبيعي على مستوى العالم. يأتي ذلك في ظل زيادة الطلب على النفط والغاز مع وجود نقص في المعروض، مما يضع ضغوطًا على الاستقرار العام للأسواق والمصادر الطبيعية.
في سياق متصل، قد يؤدي هذا الوضع إلى تعقيد العلاقات بين واشنطن ومعظم الدول المنتجة والمصدرة للنفط والفحم، بما في ذلك مصر. يمكن أن تبرز قضايا مثيرة للقلق وصراعات سياسية واقتصادية على المدى القصير والبعيد، نظرًا لأن هذا قد يترتب عليه توجيه الاستثمارات الأمريكية والعالمية نحو تطوير مشاريع جديدة في مجالات النفط والفحم. هذه التحولات قد تفضي إلى تأثيرات سياسية وجيواستراتيجية مهمة تحتاج إلى مراقبة دقيقة، خاصةً في المنطقة التقليدية المصدرة للطاقة.
الحجة الأساسية للسيناريوهات المستقبلية
بصفة عامة، يمكن القول إن السياسات الأمريكية القادمة ستترك آثارًا بارزة على سياسات الطاقة في العالم وفي مصر. إذا سارت الولايات المتحدة نحو تعزيز الإنتاج من النفط والفحم (حسب رؤية العمل التقليدي) أو اتجهت نحو سياسات طاقة أكثر استدامة (حسب رؤية هاريس)، فإن الحكومة المصرية تحتاج إلى الاستعداد للتكيف مع كلا السيناريوهين.
من المهم أن تركز مصر على تعظيم مصالحها الوطنية، خصوصًا في مجالات الطاقة وتحولها، بما يتماشى مع هدفها في التحول إلى مركز طاقة متنوع وفاعل. هذا التوجه سيساهم في تعزيز قوة مصر في الساحة الدولية، ويساعدها على تحقيق أهدافها في قطاع الطاقة.
