تقارير اقتصادية

    كوريا الجنوبية على صفيح ساخن.. الأحكام العرفية تشعل الأزمات

    •آخر تحديث •5 دقائق
    كوريا الجنوبية على صفيح ساخن.. الأحكام العرفية تشعل الأزمات

    تُواجه كوريا الجنوبية في الوقت الراهن أزمة سياسية غير مسبوقة بعد إعلان الرئيس يون سوك يول فرض الأحكام العرفية في البلاد، مما يثير القلق بشأن استقرار الدولة وأثر هذه الأحداث على الاقتصاد المحلي والدولي، حيث تتراوح تداعيات هذه الأحداث بين التأثيرات المباشرة على الأنشطة الاقتصادية إلى تأثيرات طويلة الأمد قد تطال الثقة في المؤسسات السياسية والاقتصادية للبلاد.

    الأحكام العرفية والارتباك الاقتصادي في كوريا الجنوبية

    في تعليقه على الأحداث يقول الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، إنَّ فرض الأحكام العرفية، الذي لاقى معارضة شديدة من البرلمان والمعارضة السياسية، خلق حالة من عدم اليقين السياسي في كوريا الجنوبية، إذ يعد الاستقرار السياسي أحد الركائز الأساسية للاقتصاد القوي، وأيّ تهديد له قد يؤدي إلى تراجع الثقة من قبل المستثمرين المحليين والدوليين. ومع تزايد المخاوف من احتمالية تدهور الوضع السياسي، من المحتمل أن تنخفض تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تمثل أحد الأعمدة الأساسية للنمو الاقتصادي في كوريا الجنوبية.

    وأضاف فهمي في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia” أنّ الإجراءات الأمنية المشددة حول البرلمان وإغلاق المبنى، بالإضافة إلى وجود الجيش في شوارع سيول، أدت إلى تعطيل الحياة اليومية في العاصمة، الأمر الذي قد يؤثر سلبًا على الشركات والأعمال التجارية في المنطقة، ففي ظل حالة عدم الاستقرار، قد تتعرض الأسواق المالية لانخفاضات مفاجئة، مما يؤدي إلى تراجع قيمة الأسهم وارتفاع معدلات الفائدة على القروض، وهو ما قد يثبط نشاط الشركات ويؤدي إلى تقليص الاستثمارات.

    السياسة المتوترة وتأثيرها على التجارة الدولية

    أكد أستاذ العلوم السياسية أنَّ كوريا الجنوبية تُعتبر من الاقتصادات العالمية المتقدمة التي تعتمد على التجارة الدولية، وخصوصًا مع دول مثل الصين والولايات المتحدة، لكن في ضوء الأحداث الحالية، قد تواجه كوريا الجنوبية ضغوطًا في علاقاتها الخارجية، حيث قد يؤدي التصعيد السياسي إلى تقلبات في العلاقات التجارية. كما أن تصاعد الخلافات الداخلية قد يضعف قدرة كوريا الجنوبية على التفاوض مع حلفائها الاقتصاديين، مما يؤثر على الاتفاقيات التجارية والمشاريع المشتركة.

    ولفت إلى أنه في مثل هذه الظروف السياسية المتوترة، تزداد احتمالية حدوث تقلبات حادة في الأسواق المالية، فقد يُسبب التوتر السياسي تذبذبًا في أسعار العملات وأسواق الأسهم، مما يعرض القطاع المالي لضغوط كبيرة، ويؤثر في معدلات الاستهلاك المحلي، حيث إنَّ المواطنين قد يتجنبون الإنفاق على السلع والخدمات في ظل القلق من الوضع السياسي والاقتصادي.

    اقرأ أيضًا: للمرة الـ 8 على التوالي.. المركزي الكوري الجنوبي يثبت الفائدة

    تأثير الأزمة السياسية على القطاعات التكنولوجية والإنتاجية

    أشار فهمي، إلى تعدُّد القطاعات الاقتصادية التي قد تتأثر بالأزمة السياسية في كوريا الجنوبية، وخاصة في المجالات الحيوية مثل التكنولوجيا، والتصنيع، والصادرات؛ فكوريا الجنوبية، كونها دولة صناعية متقدمة، تعتمد على استقرار البيئة السياسية لتشجيع الابتكار ورفع مستويات الإنتاج، وأي حالة من الفوضى السياسية أو الاستقطاب الداخلي قد تؤدي إلى تراجع الإنتاجية، خاصة في صناعة الإلكترونيات والقطاعات التكنولوجية التي تُعد من أبرز مصادر الدخل القومي.

    واستطرد فهمي: “في وقت يشهد فيه الاقتصاد تراجعًا في ثقة الشركات والمستثمرين، من المحتمل أن يجد الرئيس يون صعوبة في تطبيق مشروعاته الاقتصادية إذا استمرت الأزمة السياسية، فقد يتأثر تنفيذ الموازنة الحكومية لعام 2024، مما قد يضر بالخطط التنموية والتوظيفية، إذ إنّ الأزمات السياسية المتواصلة قد تؤدي إلى تأخير أو تقليص الميزانيات المخصصة للبنية التحتية أو المشاريع الاستثمارية الحيوية.

    انعكاسات الأزمة على النمو الاقتصادي

    يرى فهمي، أنه إذا استمرت حالة الاستقطاب السياسي أو حدث أيّ تصعيد في الأزمة، فقد يتراجع النمو الاقتصادي على المدى الطويل، فالاقتصاد الكوري الجنوبي يعتمد بشكل كبير على الاستقرار السياسي لجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز الابتكار، وزيادة الإنتاجية. أي حالة من الجمود السياسي أو الفوضى قد تقود إلى تراجع كبير في النمو الاقتصادي، خاصة في القطاعات التي تعتمد على الثقة في الحكومة والبيئة الاقتصادية المستقرة.

    واختتم  أستاذ العلوم السياسية، إن تطورات الوضع السياسي في كوريا الجنوبية تؤثر بشكل كبير على الاستقرار الاقتصادي للبلاد، فحالة عدم الاستقرار السياسي وفرض الأحكام العرفية لها تأثيرات مباشرة على الثقة في المؤسسات الاقتصادية، والنشاط التجاري، والأسواق المالية. وفي ظل هذه الظروف، سيكون من الضروري للحكومة الكورية الجنوبية أن تجد طريقة لمعالجة الأزمة السياسية بسرعة، لضمان عدم تضرر الاقتصاد بشكل أكبر في المستقبل.

    البرلمان يرفض والجيش ينتشر في العاصمة

    انتشرت قوات الجيش في العاصمة سيول، يوم الثلاثاء، عقب إعلان رئيس كوريا الجنوبية، يون سوك يول، فرض الأحكام العرفية، وهي خطوة مفاجئة أثارت أزمة سياسية حادة في البلاد.

    وقد أظهرت صور نشرتها وكالات الأنباء الجنود وهم يتمركزون أمام مقر البرلمان الكوري الجنوبي وفي داخله، في حين كان البرلمان قد رفض قرارات الرئيس بشأن فرض الأحكام العرفية.

    وفي جلسة عُقدت يوم الثلاثاء، صوّت البرلمان الكوري الجنوبي ضد قرارات الرئيس بأغلبية 190 صوتًا من أصل 300 نائب، ما يعكس معارضة واسعة لهذه القرارات. وقال رئيس البرلمان الكوري الجنوبي إنَّ فرض الأحكام العرفية “باطل”، مشيرًا إلى أنَّ هذه الإجراءات تتعارض مع الدستور. ومن جانبه، وصف زعيم المعارضة هذه الخطوة بأنَّها “غير قانونية”، وأكَّد أن المعارضة لن تقبل هذه الإجراءات التي يعتبرونها تجاوزًا غير دستوري.

    كما أعرب رئيس الحزب الحاكم، هان دونغ هون، عن رفضه التام لإعلان الأحكام العرفية، واصفًا إياها بـ “الخطأ”، مُعلنًا عزمه منع تنفيذ هذه الخطوة بالتعاون مع الشعب الكوري الجنوبي. أما الأحزاب الأخرى فقد اعتبرت هذه الخطوة “غير دستورية” و“مناهضة للمصلحة العامة”.

    فرنسا أمام كارثة مالية وسياسية مع نهاية 2024 .. اقرأ التفاصيل في تقريرنا الكامل!

    خطاب مفاجئ لإعلان الأحكام العرفية والتأهب العسكري

    كان الرئيس قد ألقى خطابًا تلفزيونيًا مفاجئًا في وقت متأخر من الليل، أعلن فيه فرض الأحكام العرفية في البلاد، وأشار إلى أنَّ هذه الخطوة ضرورية لحماية كوريا الجنوبية من “القوات الشيوعية” في كوريا الشمالية، وللتصدي لعناصر “مناهضة للدولة” تهدد الأمن والاستقرار.

    واعتبر يون تحركات حزب المعارضة الديمقراطي الذي يُهيمن على البرلمان، مثل عزل كبار المدعين العامين ورفض مقترح الميزانية الحكومية، تهديدًا للأمن والاستقرار الداخلي، فقد قال في خطابه: “لحماية كوريا الجنوبية من التهديدات التي تشكلها القوات الشيوعية في الشمال ومن أجل القضاء على العناصر المناهضة للدولة، أعلنت حالة الطوارئ وفرض الأحكام العرفية”.

    وفي أعقاب هذا الإعلان، أمر وزير الدفاع، كيم يونغ هيون، بعقد اجتماع طارئ مع كبار القادة العسكريين، حيث تم رفع مستوى اليقظة العسكرية في البلاد، مع تشديد حالة التأهب القصوى.

    وبحسب وكالة الأنباء الكورية الجنوبية “يونهاب”، تمَّ تعزيز الإجراءات الأمنية حول مبنى البرلمان الكوري الجنوبي، ما أدى إلى عرقلة دخول المشرعين إلى المبنى. كما تم إغلاق المبنى، وهبطت مروحيات على سطحه بعد إعلان الأحكام العرفية.

    قد يهمّك أيضًا: حرب تجارية عالمية تلوح في الأفق مع فوز ترامب