تقارير اقتصادية

    كوريا الجنوبية تتحرك لإنقاذ صناعة السيارات بعد رسوم ترامب

    •آخر تحديث •5 دقائق
    كوريا الجنوبية تتحرك لإنقاذ صناعة السيارات بعد رسوم ترامب

    في خطوة تعكس قلقاً متزايداً من التداعيات الاقتصادية للسياسات الحمائية الأمريكية، أعلنت حكومة كوريا الجنوبية عن نيتها تقديم حزمة دعم مالي طارئة تُقدّر بنحو 3 تريليونات وون، أي ما يعادل ملياري دولار أمريكي تقريبًا، بهدف مساندة قطاع صناعة السيارات المحلي بعد القرار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع الماضي، والذي يقضي بفرض رسوم جمركية بنسبة 25%، ضمن حملة حمائية تهدف إلى تقليل العجز التجاري الأمريكي وتعزيز التصنيع داخل الولايات المتحدة.

    وتعتبر كوريا الجنوبية من أكثر الدول تضرراً من هذا القرار، خاصة وأن صادراتها من السيارات إلى السوق الأمريكية تمثل نحو نصف إجمالي صادراتها من السيارات على مستوى العالم؛ ففي عام 2024 فقط وصلت قيمة هذه الصادرات إلى حوالي 34.7 مليار دولار، الأمر الذي يعكس التأثير الكبير لأي إجراءات أمريكية على هذا القطاع الحيوي في الاقتصاد الكوري.

    تفاصيل خطة كوريا الجنوبية

    بحسب ما نقلته وكالة يونهاب الرسمية، فإنَّ الحكومة الكورية الجنوبية تعتزم إقرار خطة التمويل الطارئة خلال اجتماع وزاري من المقرر عقده خلال الأسبوع الجاري. ومن المتوقع أن يتم تنفيذ هذه الخطة من خلال مؤسسات الإقراض الحكومية، على رأسها بنك التنمية الكوري، وقد ذكر أحد مسؤولي وزارة الاقتصاد والمالية أن الدعم المالي قد يبلغ نحو 3 تريليونات وون، إلا أن الرقم النهائي لم يتم حسمه بعد، وأنه سيُصرف من خلال برامج القروض المعمول بها حالياً.

    وفي إطار جهود أوسع لدعم الاقتصاد المحلي، أعلنت الحكومة الكورية أيضاً عن اعتزامها تقديم دعم مالي إضافي عبر بنك التنمية الكوري ومؤسسات تمويلية أخرى بقيمة تصل إلى 248 تريليون وون خلال العام الحالي. هذه الخطوة تأتي في إطار مساعدة الشركات على التكيف مع الأوضاع الاقتصادية العالمية الصعبة، وتسريع عمليات إعادة هيكلة القطاعات الصناعية المتأثرة.

    إضافة إلى ذلك، كشفت الحكومة عن خطط طموحة لإنشاء صندوق استراتيجي بقيمة 50 تريليون وون خلال السنوات الخمس القادمة لدعم تطوير تقنيات التنقل المستقبلية، في ظل أجواء اقتصادية تتسم بعدم اليقين، خاصة بعد بدء فترة الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

    وتعد السيارات من أهم السلع التصديرية الكورية إلى السوق الأمريكية، ولذلك فإن هذه الإجراءات الحكومية الطارئة والاستراتيجية تهدف إلى الحفاظ على استقرار الصناعة الكورية وحمايتها من التغيرات المفاجئة في السياسات التجارية الدولية، بالإضافة إلى التخفيف من الصدمة التي قد يتعرض لها هذا القطاع الحيوي، وتحفيز قدرته على التكيف مع المستجدات الاقتصادية العالمية.

    اقرأ أيضًا: رسوم ترامب ترعب الأسواق وتهدد بالركود

    المشاورات مع الولايات المتحدة

    منذ عدة أيام قال نائب رئيس الوزراء ووزير الاقتصاد والمالية الكوري الجنوبي، تشوي سانغ-موك،  إن الحكومة تستعد لتعزيز المشاورات مع الولايات المتحدة بشأن قضايا التجارة والعملة، إلى جانب صياغة إجراءات استجابة سريعة قبل إعلان واشنطن عن الرسوم الجمركية المتبادلة.

    وخلال اجتماع مع خبراء الأسواق المالية الدولية في جونغ-غو بسيول، أوضح سانغ-موك أن «إعلان الولايات المتحدة عن الرسوم الجمركية قد يؤدي إلى تقلبات قصيرة الأجل في الأسواق المالية العالمية»، وأضاف: «نحن نراقب من كثب التأثيرات الاقتصادية العالمية لهذه الرسوم، بالإضافة إلى الوضع الاقتصادي وسوق العمل في الولايات المتحدة، واتجاهات السياسة النقدية المستقبلية».

    كما أكد أن الحكومة تحافظ على نظام مراقبة على مدار الساعة لمنع التقلبات المفرطة في الأسواق المالية وسوق الصرف الأجنبي. وكانت وزارة الاقتصاد والمالية قد اتخذت بالفعل إجراءات لتعزيز استقرار سوق العملات، بما في ذلك تبسيط إجراءات الإعفاء الضريبي لاستثمارات السندات الحكومية، واستئناف البيع على المكشوف في سوق الأسهم، وتوسيع ساعات التداول في سوق العملات.

    وأشار سانغ-موك إلى أن الحكومة ستواصل دعم الجهود التشريعية لمشاريع القوانين التي تهدف إلى رفع قيمة السوق، مثل الإعفاءات الضريبية للشركات التي تزيد من عوائد المساهمين، والضرائب المنفصلة على أرباح الأسهم، وتعزيز الإفصاحات باللغة الإنجليزية، بالإضافة إلى التحضيرات للإدراج في مؤشر السندات الحكومية العالمية (WGBI) في نوفمبر.

    وأكد نائب رئيس الوزراء تشوي أهمية الحفاظ على مصداقية النظام الاقتصادي الكوري، مشدداً على أنه «مع استمرار الحكومة في إعادة هيكلة بيئة الاستثمار وفقاً للمعايير العالمية، ينبغي للمؤسسات المالية أيضاً أن تكثف جهودها لجذب المستثمرين الأجانب والانخراط في الأعمال التجارية الدولية».

    قد يهمّك أيضًا: رسوم ترامب تهدد هيمنة السيارات الألمانية في السوق الأمريكية

    تأثير الرسوم الجمركية على كوريا الجنوبية

    من جانبها، تقول الدكتورة مروى الشافعي، الخبيرة الاقتصادية، إنَّ قرار الحكومة الكورية الجنوبية بضخ ما يعادل ملياري دولار لدعم قطاع السيارات المحلي يمثل خطوة استراتيجية لمواجهة التداعيات الاقتصادية السريعة والواسعة للرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب.

    وأضافت الخبيرة: “تعد صناعة السيارات من أعمدة الاقتصاد الكوري الجنوبي، ومن أبرز القطاعات التصديرية للبلاد، لا سيما تجاه السوق الأمريكية؛ ففي عام 2024 بلغت قيمة صادرات السيارات ما يعادل نصف إجمالي صادرات السيارات الكورية، بالتالي فإن أي تقليص في الصادرات بسبب ارتفاع الرسوم الجمركية من شأنه أن يوجه ضربة مزدوجة للاقتصاد الكوري، تتمثّل في تراجع في العوائد التصديرية وضغط على قطاع حيوي يشغّل مئات الآلاف من العمال ويمثل شبكة مترابطة من الشركات الصغيرة والمتوسطة.

    ووفقًا للخبيرة تأتي الخطة الكورية بضخ 3 تريليونات وون من خلال مؤسسات إقراض عامة مثل بنك التنمية الكوري كإجراء وقائي سريع، يهدف إلى:

    • الحفاظ على السيولة في قطاع السيارات.
    • منع موجة من التسريحات أو إفلاس الشركات المرتبطة بالسلاسل الإنتاجية.
    • تعزيز قدرة الشركات الكورية على التكيف مع بيئة تجارية متغيرة وضبابية.

    كما تخطط الحكومة لتمويل إضافي بقيمة 248 تريليون وون لدعم الشركات الكورية في مختلف القطاعات، مع التركيز على إعادة الهيكلة الصناعية، وتوسيع القدرات الإنتاجية المحلية، وتنويع الأسواق التصديرية بعيداً عن الاعتماد الكبير على السوق الأمريكية.

    اطّلع على تفاصيل تأثير رسوم ترامب الجمركية على اقتصادات الدول العربية

    التحول نحو المستقبل

    أشارت الخبيرة إلى أنَّه في ظل هذه الأزمة، لم تغفل الحكومة الكورية عن أهمية النظر إلى المستقبل؛ حيث أعلنت عن تأسيس صندوق استراتيجي لتطوير تقنيات “التنقل الذكي” مثل السيارات الكهربائية وذاتية القيادة، كجزء من استراتيجية التحول الصناعي والابتكار الذي يسعى لتأمين مكانة كوريا الجنوبية في سوق السيارات العالمي، بغض النظر عن التقلبات التجارية والسياسية.

    واختتمت الخبيرة تصريحاتها قائلة إن الرسوم الجمركية الأمريكية تمثل تهديداً مباشراً لصادرات كوريا الجنوبية من السيارات، وهو ما تطلب استجابة عاجلة وواسعة النطاق من الحكومة، والدعم المالي المعلن عنه يعكس وعي سيول بخطورة الموقف وسرعة التحرك لاحتواء التداعيات قصيرة الأجل، إلى جانب بناء رؤية طويلة الأمد تعتمد على التحول التكنولوجي والابتكار الصناعي.

    ومع ذلك، فإن استمرار النهج الحمائي في السياسة الأمريكية يضع تحديات إضافية أمام الاقتصاد الكوري، ما يستوجب إعادة النظر في تنويع الشراكات التجارية وتقوية السوق الداخلية.

    اقرأ أحدث مستجدات رسوم ترامب: كيف أثرت الرسوم الجمركية الأمريكية على أسواق النفط؟