يجتمع قادة العالم في دبي خلال شهر ديسمبر المقبل للمشاركة في قمة الأمم المتحدة لتغير المناخ “كوب 28″، الحدث السنوي الأبرز لمناقشة مستقبل العمل المناخي العالمي. ويتضمن جدول أعمال القمة ملفات محورية، أبرزها خفض انبعاثات الغازات الدفيئة، والتكيف مع الظواهر المناخية المتطرفة، وآليات تداول انبعاثات الكربون، إضافة إلى قضايا عابرة مثل عدم المساواة بين الجنسين في سياسات المناخ.
وتأتي القمة في توقيت بالغ الحساسية، بعدما كشف العام الجاري 2023 مجدداً عن الآثار المدمرة لتغير المناخ على مختلف أنحاء العالم؛ حيث سجل فصل الصيف في نصف الكرة الشمالي أعلى درجات حرارة على الإطلاق، في مؤشر واضح على تسارع الاحترار العالمي، كما أودت عاصفة دانيال التي ضربت شرق البحر المتوسط في سبتمبر بحياة نحو 5 آلاف شخص في ليبيا، في حين أسفرت حرائق الغابات في جزيرة ماوي بهاواي عن مقتل ما لا يقل عن 115 شخصاً، مخلفة دماراً واسع النطاق.
الموعد والموقع الرسمي لانعقاد كوب 28 في دبي
من المقرر أن تنطلق أعمال قمة كوب 28 في الإمارات يوم الخميس، 30 نوفمبر 2023، على أن تختتم رسمياً يوم الخميس 12 ديسمبر، ورغم أن المحادثات تمتد عادة على مدار أسبوعين فإن التجارب السابقة تشير إلى إمكانية تمديد المفاوضات يوماً أو يومين إضافيين، في ظل الخلافات حول الصياغة النهائية للبيان الختامي والتزامات الدول.
وتتولى دولة الإمارات العربية المتحدة رئاسة القمة هذا العام، على أن تُعقد فعالياتها في مدينة إكسبو دبي، التي تستضيف الوفود الرسمية وممثلي الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص.
رئاسة الإمارات بين الجدل والرهان
أثار اختيار الإمارات، إحدى أكبر الدول المنتجة للنفط في العالم، لرئاسة محادثات المناخ حالة من الجدل الدولي، إلا أن الإمارات أكدت أن هذا الدور يعكس قوة موقفها وقدرتها على لعب دور جسري بين الدول الصناعية الكبرى والدول المنتجة للطاقة، خصوصاً في ما يتعلق بإقناع الدول الغنية بالنفط والغاز بتسريع وتيرة خفض الانبعاثات والمضي قدماً في التحول الطاقي بشكل عملي ومتوازن.
وتسعى قمة كوب 28 إلى الخروج بنتائج ملموسة تعكس حجم التحديات المناخية المتسارعة، وسط مطالب متزايدة بتحويل التعهدات السابقة إلى التزامات قابلة للتنفيذ، بما يحد من تداعيات تغير المناخ على الاقتصادات والمجتمعات الأكثر هشاشة.
اقر أيضًا: مصر تهنئ الإمارات بنجاح مؤتمر COP28
ما المقصود بقمة COP؟
هي قمة سنوية تجمع قرابة مئتي دولة تحت مظلة الأمم المتحدة، وتهدف إلى بحث سبل الحدّ من تغيّر المناخ الناتج عن الأنشطة البشرية، إلى جانب مناقشة آليات التكيّف مع الارتفاع المتسارع في درجات الحرارة عالميًا. وقد تواصل هذا المسار التفاوضي على مدى 28 عامًا دون انقطاع، في إطار اجتماعات دورية تسعى إلى بلورة استجابة دولية أكثر فاعلية لأزمة المناخ.
وتحمل مفاوضات هذا العام المسمى الرسمي: الدورة الثامنة والعشرون لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ. ويُعرف هذا المؤتمر اختصارًا بـ COP، وهي الأحرف الأولى لعبارة Conference of the Parties، أي “مؤتمر الأطراف”، في إشارة إلى الدول الموقعة على الاتفاقية الإطارية والمعنية بصياغة سياسات خفض الانبعاثات وتعزيز العمل المناخي العالمي.
كيف نشأ مؤتمر الأطراف؟
تعود الفكرة الأساسية التي انطلقت قبل نحو ثلاثة عقود إلى إنشاء مسار تفاوضي متعدد الأطراف، يتمتع فيه جميع المشاركين بفرص متكافئة للتأثير في القرار العالمي المتعلق بكيفية خفض انبعاثات الغازات الدفيئة، غير أن هذا المسار لم يكن خاليًا من التعقيدات؛ إذ لا تزال الخلافات العميقة قائمة بين الدول الغنية والفقيرة، فالدول النامية تؤكد أن الدول المتقدمة راكمت ثرواتها على مدى عقود من خلال تطوير صناعات كثيفة الاعتماد على الوقود الأحفوري، وترى بالتالي أن من حقها أن تسلك المسار ذاته لتحقيق نموها الاقتصادي.
وقد أسفر مسار قمم “كوب” عن محطة مفصلية تمثلت في اتفاق باريس عام 2015، حين وافقت جميع الدول، للمرة الأولى، على الالتزام بإبقاء الارتفاع في متوسط درجات الحرارة العالمية دون درجتين مئويتين مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع تبنّي هدف أكثر طموحًا يقضي بعدم تجاوز 1.5 درجة مئوية. ويستلزم تحقيق هذا الهدف خفض الانبعاثات الكربونية إلى مستوى “الصفر الصافي” بحلول منتصف القرن الحالي.
ورغم الأهمية التاريخية لاتفاق باريس، واجهت الدول صعوبات كبيرة في الوفاء بتعهداتها؛ إذ طُلب من كل دولة عضو تقديم التزامات وطنية توضّح من خلالها الإجراءات التي ستتخذها للحد من ارتفاع درجات الحرارة، إلا أن تلك الخطط في مجملها لم تكن كافية لتحقيق الأهداف المناخية المنشودة.
قد يهمّك أيضًا: الصين تبني محطات فحم جديدة حتى 2027 رغم وعودها المناخية
كم عدد المشاركين المتوقع حضورهم في “كوب 28″؟
من المرتقب أن تكون قمة هذا العام الأكبر من حيث عدد المشاركين منذ انطلاق مؤتمرات المناخ؛ فقد استعدّت دولة الإمارات لاستضافة حدث بهذا الحجم من خلال توفير طاقة فندقية كبيرة في دبي، إلى جانب الاعتماد على أحد أكثر المطارات اتصالًا وحيوية على مستوى العالم، بما يسهّل تدفّق الوفود من مختلف الدول.
وسجلت قمّتا «كوب 21» في باريس و«كوب 26» في غلاسغو حضورًا تجاوز 40 ألف مشارك مسجل في كل منهما، في حين بلغ عدد المسجلين في «كوب 27» الذي استضافته مصر نحو 33 ألف مشارك. وتشير هذه الأرقام إلى منحنى تصاعدي يعكس تنامي الاهتمام العالمي بقضايا تغيّر المناخ، وهو ما يعزّز التوقعات بأن تشهد «كوب 28» مشاركة غير مسبوقة.
من يملك حق التفاوض والتأثير؟
يشكّل المفاوضون العمود الفقري لقمة “كوب 28 في الإمارات”، حيث يشارك مسؤولون يمثلون 197 دولة في مفاوضات تمتد على مدار أسبوعين، تُعقد معظمها خلف أبواب مغلقة، وتركّز على صياغة تفاصيل الاتفاقات التي يُفترض أن ترسم ملامح العمل العالمي لمواجهة تغيّر المناخ خلال السنوات المقبلة. وغالبًا ما يرافق هؤلاء المفاوضين وزراء مختصون، وفي بعض الحالات يحضر رؤساء دول وحكومات، بما يتيح دفع المباحثات نحو تسويات سياسية حاسمة.
ولا يقتصر الحضور على الوفود الحكومية فحسب؛ إذ تشارك مؤسسات المجتمع المدني، والمنظمات غير الحكومية، إلى جانب ممثلي الشركات والقطاع الخاص، في فعاليات القمة وعلى هامشها، لعرض وجهات نظرهم ومواقفهم بشأن السياسات المناخية والانتقال الطاقي. كما يحظى المؤتمر بتغطية إعلامية واسعة، حيث يتوافد آلاف الصحفيين من مختلف أنحاء العالم لنقل مجريات القمة وتطوراتها إلى الرأي العام العالمي.
من هو رئيس “كوب 28 الإمارات”؟
عينت دولة الإمارات الدكتور سلطان أحمد الجابر رئيسًا لقمة “كوب 28 في الإمارات”، وهو يشغل رئاسة مجلس إدارة شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك)، أكبر شركة نفطية مملوكة للدولة، ما أثار تساؤلات بين نشطاء البيئة حول قدرته على التحلي بالحياد خلال المفاوضات الحساسة.
لكن مؤيديه يشيرون إلى أن الجابر يقود أيضًا شركة مصدر للطاقة المتجددة، أحد أكبر مطوري مشاريع الطاقة الشمسية عالميًا، ويؤكدون أن مهمته الأساسية تكمن في توحيد صفوف 197 دولة مشاركة في القمة، وتسخير خبراته الدبلوماسية لتجاوز الخلافات، بما يمكّن الأطراف من التوصل إلى اتفاق نهائي يحقق تقدّمًا ملموسًا في مواجهة تغيّر المناخ.
اقرأ أيضًا: رئيس دولة الإمارات يشكر وفود العالم على إنجاح COP28
أهمية كوب 28 في ضوء تقييم اتفاق باريس 2024
يمثّل عام 2024 محطة مفصلية في مسار العمل المناخي العالمي، إذ يشهد للمرة الأولى إجراء تقييم شامل لمدى التقدم الذي أحرزته الدول في مواجهة تغيّر المناخ منذ توقيع اتفاق باريس عام 2015. ورغم أن نتائج هذا التقييم باتت متوقعة إلى حدّ كبير، فإن الصورة العامة تشير بوضوح إلى أن الدول لم تتحرك بالسرعة المطلوبة لخفض الانبعاثات وفق الوتيرة التي نصّ عليها الاتفاق. ومن المفترض أن يشكّل هذا التقييم أداة ضغط سياسية ومعنوية تدفع الحكومات إلى تسريع جهودها خلال المرحلة المقبلة.
وبعد انعقاد “كوب 28 في الإمارات”، ستُمنح الدول مهلة حتى عام 2025 لتقديم خططها الوطنية الجديدة لمكافحة تغيّر المناخ، وهي الخطط التي ستكشف بصورة أكثر دقة ما إذا كان العالم يسير فعلاً على المسار الصحيح لتحقيق أهداف الحد من الاحترار العالمي، أم أنه يبتعد عنها.
في هذا السياق، تمارس بعض الدول الغنية، ولا سيما الأوروبية منها، ضغوطًا من أجل إقرار تعهدات أكثر صرامة، تشمل التخلي التدريجي عن الوقود الأحفوري، ووضع سقف للانبعاثات لا يجوز تجاوزه بحلول عام 2025، غير أن هذه المطالب تثير تحفظات واسعة لدى العديد من الدول النامية، مثل الهند التي ترى في الوقود الأحفوري عنصرًا أساسيًا لدعم نموها الاقتصادي وتلبية احتياجاتها التنموية.
تمويل العمل المناخي
كما تضطلع “كوب 28 في الإمارات” بدور محوري في ملف تمويل العمل المناخي. فعلى الرغم من التعهدات المتكررة، لم تفِ الدول الغنية حتى الآن بالتزامها توفير 100 مليار دولار سنويًا لمساعدة الدول الفقيرة على التكيّف مع أسوأ تداعيات تغيّر المناخ والحد منها.
وخلال العام المقبل، سيعمل المفاوضون على التوصل إلى اتفاق بشأن هدف جماعي جديد لتمويل العمل المناخي لما بعد عام 2025. وفي حين انطلق هذا المسار من مبدأ مسؤولية الدول الغنية عن الحصة الأكبر من الانبعاثات التاريخية، برزت في الآونة الأخيرة مطالب، من دول مثل غانا، بتوسيع قاعدة المساهمين لتشمل الاقتصادات الكبرى، وفي مقدمتها الصين، التي تُعد حاليًا أكبر مصدر للغازات المسببة للاحتباس الحراري في العالم.
اقرأ أيضًا: COP28.. اتفاق تاريخي لحماية الأرض والبشرية
هل ينجح كوب 28 في تجنب سيناريوهات الإخفاق السابقة؟
الإخفاق الحقيقي لأي قمة مناخية يظهر عندما تنقضي فترة انعقادها –عادة أسبوعان– دون إحراز أي تقدم ملموس، وقد شهد التاريخ أمثلة عدة على ذلك؛ ففي مدريد عام 2019 انتهت “كوب 25” بلا اتفاق نهائي بعد فشل الأطراف في التوصل إلى توافق حول البيان الختامي في مجالات حساسة. أما «كوب 21» في كوبنهاغن عام 2009، فقد اعتُبرت فاشلة على نطاق واسع، إذ عجز المفاوضون عن صياغة اتفاق ملزم لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة ليحل محل بروتوكول كيوتو الذي انتهت صلاحيته في 2012.
حتى لو تمكن المشاركون من الموافقة على نص نهائي، ستظل بعض الدول –ولا سيما الجزرية الصغيرة المعرضة بشدة لآثار الاحترار العالمي– تعتبر القمة غير ناجحة إلا إذا تضمن الاتفاق التزامًا صارمًا بالتخلي التدريجي عن الوقود الأحفوري والحفاظ على ارتفاع درجات الحرارة دون 1.5 درجة مئوية. ويطرح هذا العام تحديًا إضافيًا يتمثل في إمكانية أن يكون رئيس القمة غير محايد بما يكفي للتوسط بين جميع الأطراف المتباينة.
اقرأ أيضًا: مؤتمر المناخ COP29.. اتفاقيات جديدة للتعويضات الكربونية تُثير الجدل
