اقتصادات عالمية

    كبرى الدول المنتجة للغذاء تتمرد على قواعد إزالة الغابات

    •آخر تحديث •4 دقائق
    كبرى الدول المنتجة للغذاء تتمرد على قواعد إزالة الغابات

    تواجه قواعد الاتحاد الأوروبي الجديدة الخاصة بمنع إزالة الغابات اعتراضات متزايدة من كبرى الدول المنتجة للغذاء في العالم، وسط تحذيرات من أنها ستؤدي إلى رفع تكاليف إنتاج الغذاء عالميًا، وفق وكالة بلومبرغ.

    وتشترط القواعد الأوروبية على المصدّرين تقديم أدلة تثبت أن المحاصيل لم تُزرع على أراضٍ أُزيلت منها الغابات، وهو ما اعتبرته دول منتِجة عبئًا تنظيميًا وتكلفة إضافية يصعب تحمّلها.

    ردّ برازيلي حاد

    أبرز ردود الفعل جاءت من البرازيل، أكبر مصدّر عالمي للبن وفول الصويا، حيث انتقد وزير الزراعة كارلوس فافارو بشدة القيود الجديدة خلال الأسبوع الجاري، مشككًا في توافقها مع مبادئ منظمة التجارة العالمية.

    وأكد فافارو أن بلاده ستعمل على توسيع شراكاتها التجارية خارج الاتحاد الأوروبي، لا سيما مع دول تكتل “بريكس” الذي يضم روسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، معتبرًا أن أوروبا تتجاهل الجهود البيئية التي تبذلها البرازيل. وقال: “إذا كانت أوروبا لا تريد الاعتراف بدور البرازيل في حماية البيئة، فهناك أطراف أخرى تدرك ما نقوم به”.

    ضغط أوروبي وتكلفة مرتفعة

    يتطلب الامتثال للتشريع الأوروبي إنشاء أنظمة تتبع دقيقة ومعقدة لسلاسل الإنتاج، وهو ما يُتوقع أن يكون عالي التكلفة وصعب التنفيذ، خصوصًا مع خضوع طيف واسع من السلع لهذا الشرط، من اللحوم إلى زيت النخيل.

    ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه تضخم أسعار الغذاء عودة إلى الصعود، ما يزيد مخاوف من انتقال هذه التكاليف إلى المستهلكين، ليس في أوروبا فقط، بل عالميًا، نظرًا لحجم السوق الأوروبية وتأثيرها على أنماط الإنتاج العالمية.

    ويرجّح محللون أن يضطر المزارعون والمنتجون إلى تغيير ممارساتهم الزراعية على نطاق واسع للحفاظ على وصولهم إلى السوق الأوروبية، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى تحميل المستهلك النهائي أعباء مالية إضافية.

    قد يهمّك أيضًا: ترتيب الدول الأكثر امتلاكًا للغابات

    تكيف حتمي رغم الاعتراضات

    رغم الانتقادات، بدأت بالفعل شركات ومزارعون حول العالم اتخاذ خطوات للتكيّف مع القواعد الجديدة، لضمان استمرار نفاذ منتجاتهم إلى الأسواق الأوروبية.

    وفي هذا السياق، قال باولو سوزا، رئيس وحدة العمليات في البرازيل لدى شركة “كارغيل”، إحدى أكبر الشركات الزراعية عالميًا، إن الامتثال للقواعد سيتطلب تعديل الإجراءات التشغيلية عبر مختلف مناطق العالم.

    وأشار إلى أن الالتزام سيؤدي إلى تكاليف إضافية، لكنه في الوقت ذاته يمنح الشركات يقينًا أكبر بالقدرة على تلبية متطلبات العملاء، مضيفًا أن ذلك يستلزم رفع معايير الأداء.

    أهداف مناخية أوروبية

    من جهتها، أكدت المفوضية الأوروبية أن التشريع يهدف إلى مكافحة التغير المناخي وفقدان التنوع البيولوجي، موضحة أن اللائحة تنطبق على السلع لا على الدول، ولا تمثل إجراءً عقابيًا أو حمائيًا، بل تسعى إلى خلق بيئة تنافسية عادلة، ومتوافقة مع قواعد منظمة التجارة العالمية.

    ودخل تشريع إزالة الغابات حيّز التنفيذ في 29 يونيو 2023، مع منح الموردين مهلة تتراوح بين 18 و24 شهرًا لتوفيق أوضاعهم، إلا أن هذه المهلة تُعد قصيرة نسبيًا، في ظل التفاوت الكبير في قدرات التتبع بين الدول، ما يثير مخاوف من أن تصب القواعد في صالح المنتجين في الاقتصادات المتقدمة، على حساب المنتجين الصغار والأكثر هشاشة.

    تأثير محتمل على أسعار الكاكاو

    وفي انعكاس مباشر لهذه القواعد، تدرس ساحل العاج وغانا، اللتان تهيمنان معًا على نحو ثلثي الإنتاج العالمي من الكاكاو، تطبيق آلية تسعير جديدة لمواجهة التكاليف الإضافية.

    ومن المتوقع أن تأتي هذه الآلية فوق ما يُعرف بـ”فرق الدخل المعيشي”، وهو رسم إضافي قدره 400 دولار للطن فُرض سابقًا لتحسين أجور المزارعين، ما يفتح الباب أمام مزيد من الضغوط على أسعار الكاكاو عالميًا.

    وقال إيف كوني، رئيس المجلس الأعلى للبن والكاكاو، الجهة التنظيمية المشرفة على قطاع الكاكاو في ساحل العاج: “لا يمكن زيادة تكاليف الإنتاج دون أن ينعكس ذلك مباشرة على الأسعار”.

    اقرأ أيضًا: أزمة عالمية.. أسعار الشوكولاتة تضرب جيوب الأوروبيين

    مزارعون يحصدون ثمار الكاكاو.

    التكيّف المناخي… فرصة استثمارية أم عبء جديد؟

    يراهن بعض المستثمرين على أن التكيّف مع متطلبات المناخ قد يتحول في نهاية المطاف إلى نشاط مربح، إلا أن الواقع على الأرض، لا سيما في الدول المنتجة للغذاء، يعكس صورة أكثر تعقيدًا.

    ويبرز هذا التحدي بوضوح في قطاع لحوم الأبقار، حيث يفرض التشريع الأوروبي الجديد تتبع الماشية منذ لحظة ولادتها، وهو ما يمثل عقبة كبيرة أمام كبار المصدّرين، خصوصًا في البرازيل، إذ ينتقل الحيوان بين مواقع متعددة خلال مراحل حياته المختلفة.

    ومنذ عام 2009، طُبّق نظام محدد يفرض تتبع الحيوانات بشكل فردي للتحكم في شحنات التصدير إلى أوروبا، إلا أن هذا النظام، وفق المعنيين بالقطاع، لم يعد كافيًا.

    وفي هذا السياق، أوضح فرناندو سامبايو، المدير التنفيذي لجمعية مصدري لحوم الأبقار البرازيلية “أبيك”، أن المتطلبات الجديدة تستدعي توسيع فترة التتبع من 90 يومًا قبل الذبح إلى فترة أطول بكثير تبدأ منذ ولادة الحيوان.

    وقال سامبايو: “سنتعاون مع المزارع المعتمدة، وسنضم مورديها إلى نظام التتبع، لكن الأوروبيين يدركون أن هذه التكاليف الإضافية ستُنقل في النهاية إلى المستوردين”.

    اقرأ أيضًا: التغير المناخي يكلف الاقتصاد العالمي 2 تريليون دولار خلال عقد

    معاناة المزارعين تمتد إلى فول الصويا والبن

    لا يقتصر التأثير على قطاع اللحوم، إذ من المرجّح أن يواجه مزارعو فول الصويا في الأرجنتين تحديات مماثلة، بحسب رودولفو روسي، رئيس رابطة منتجي فول الصويا “أكسوجا”.

    وتُعد الأرجنتين من أكبر مصدّري طحين فول الصويا المستخدم في أعلاف الحيوانات عالميًا، إلا أن روسي حذّر من أن نحو 15% من مناطق زراعة فول الصويا قد تتأثر سلبًا بهذه القواعد، مؤكّدًا أن الرابطة تضغط بقوة لحماية المزارعين من تحمّل أعباء مالية إضافية.

    أما في فيتنام، ثاني أكبر مصدّر للبن في العالم، فتبدو التحديات أكثر حدة، إذ تُزرع حبوب البن في الغالب داخل مزارع عائلية صغيرة، تقل مساحة الكثير منها عن نصف هكتار، وفق رابطة القهوة الفيتنامية.

    وقال نجوين نام هاي، رئيس رابطة فيتنام للكاكاو والقهوة: “تتبّع منشأ المنتجات بدقة يمثل تحديًا كبيرًا، خصوصًا عندما يكون المطلوب تحديد موقع كل مزرعة على حدة”.

    اقرأ أيضًا: الأمم المتحدة تنفي تقديم روسيا حبوب مجانية لبرنامج الغذاء