اقتصاد كلي

    قناة السويس تدفع فاتورة الصراع في الشرق الأوسط

    خسائر بـ 3.5 مليار دولار، قفزة في الشحن بـ 124%، ومشروع ازدواج بـ 14 مليار دولار يواجه تحديات الدين الخارجي

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •5 دقائق
    قناة السويس تدفع فاتورة الصراع في الشرق الأوسط

    تواجه هيئة قناة السويس ضغوطاً متزايدة جراء الاضطرابات الجيوسياسية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط، مما ألقى بظلاله على مساهمة المجرى الملاحي في رفد الخزانة المصرية بالنقد الأجنبي، وتغطية الفجوة التمويلية المقدرة بنحو 28.5 مليار دولار (بعد احتساب عوائد صفقة رأس الحكمة التدفقات الأخرى وتوجيهها لتعزيز الاحتياطي النقدي).

    خسائر فادحة وعوامل الجذب التاريخية

    كشف الدكتور فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب المصري، أن القناة تكبدت خسائر تقترب من 3.5 مليار دولار منذ اندلاع التوترات الجيوسياسية الأخيرة، مشيراً إلى أن حصيلة إيرادات القناة للعام المالي 2022/2023 كانت قد بلغت 9 مليارات دولار، ما يمثل ربع قيمة الاحتياطي النقدي الأجنبي لدى البنك المركزي المصري.

    وبالمقارنة التاريخية، كانت الإيرادات السنوية قبل عام 2015 تتراوح بين 4 و5.5 مليار دولار؛ إلا أن تدشين قناة السويس الجديدة نجح في جذب خطوط الشحن والناقلات العملاقة، مستفيدة من التحديات والمخاطر الهيكلية التي تواجه الممرات الأخرى، مثل أزمة الجفاف في قناة بنما، وعدم جاهزية طريق رأس الرجاء الصالح لاستيعاب السفن الصغيرة بفاعلية كافية.

    اقرأ أيضًا: التوترات الإقليمية تؤثر على إيرادات قناة السويس في 2024

    رؤية تفاؤلية وبدائل تمويلية مرتقبة

    أوضح الفقي، في تصريحات خاصة، أنه لولا اضطرابات الملاحة في مضيق باب المندب، لكان من المتوقع أن تقفز إيرادات القناة إلى 10.5 مليار دولار، متوقعاً أن تستقر الإيرادات الفعلية بنهاية العام المالي عند حدود 7 مليارات دولار.

    وأضاف أن القناة كانت تحقق عوائد لافتة قبل الهجمات الأخيرة؛ حيث كانت تجني متوسط 400 ألف دولار عن عبور كل سفينة، تُسدد مسبقاً إلكترونياً، وتؤول 70% من هذه الإيرادات مباشرة إلى الخزانة العامة للدولة، بينما تخصص الـ 30% المتبقية للتشغيل وعمليات التطوير المستمرة.

    ورغم عمق الأزمة، يرى الفقي أن الاقتصاد المصري يمتلك القدرة على استيعاب هذه الصدمة، مدعوماً بنمو قطاع السياحة، وتدفقات صفقة "رأس الحكمة"، إلى جانب الحصيلة المرتقبة لصفقة تطوير أرض الحزب الوطني على كورنيش النيل مع مجموعة "الشعفار" الاستثمارية بقيمة تناهز 5 مليارات دولار.

    أسطورة "بحر الشمال" كبديل للمجرى المصري

    في سياق الحديث عن المسارات البديلة المنافسة، استبعد الخبراء إمكانية اعتماد "طريق بحر الشمال" الروسي كبديل كفء لقناة السويس؛ حيث يشير الخبير الاقتصادي الدكتور محمد عبد الهادي إلى أن هذا الممر يواجه تحديات جغرافية وقانونية معقدة، أبرزها سيطرة السلطات الروسية على معظم أجزائه، مما يلزم السفن بالحصول على تصاريح مسبقة وسداد رسوم عبور خاصة.

    وأوضح عبد الهادي أن الملاحة في بحر الشمال تفرض عوائق تشغيلية حادة؛ فالمياه القريبة من الساحل (الأكثر أماناً) ضحلة للغاية، مما يجبر شركات الشحن على استخدام سفن حاويات أصغر وتقليص حمولاتها. بالإضافة إلى التكاليف الباهظة لتأمين وتصميم سفن قادرة على مقاومة الجليد القطبى السميك، وصعوبة وكلفة عمليات الإنقاذ والطوارئ مقارنة بالبنية التحتية المهيأة في قناة السويس.

    وفي هذا الصدد، يؤكد الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، أن الممر الروسي لا يعمل سوى 4 أشهر فقط في السنة بسبب تجمّد الثلوج، بجانب محدوديّة غاطسه الذي لا يتعدى 9 أمتار، مقارنة بغاطس قناة السويس البالغ 18.5 متر، والذي يسمح بمرور الناقلات العملاقة وسفن الحاويات الأكبر عالمياً بكفاءة وسرعة تدعم سلاسل الإمداد الدولية.

    من جانبه، يدعم الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الشوربجي هذا التحليل، واصفاً الملاحة عبر بحر الشمال بالمعقدة والمكلفة مالياً رغم قصره الزمني؛ نظراً للحاجة الدائمة للاستعانة بكاسحات جليد روسية (بمعدل 3 كاسحات لكل قافلة) لفتح المسارات الملاحية، ناهيك عن غياب المساعدات والمنارات اللوجستية الكافية على طول الطريق.

    التداعيات السعرية للأزمة على الأسواق العالمية

    رصد الدكتور محمد الشوربجي قفزات حادة في مؤشرات الشحن البحري منذ ديسمبر 2023؛ حيث ارتفعت أسعار الشحن بين الشرق الأقصى وشمال أوروبا بنسبة 124%، وبين الشرق الأقصى والساحل الشرقي الأمريكي بنسبة 45%، فيما سجلت كلفة الشحن إلى حوض البحر الأبيض المتوسط زيادة بنسبة 118%.

    وجهة الشحن

    نسبة الارتفاع في تكلفة الشحن

    شمال أوروبا

    124%

    البحر الأبيض المتوسط

    118%

    الساحل الشرقي الأمريكي

    45%

    كما تضاعفت أقساط الشحن الإضافية من المتوسط إلى شمال أوروبا لتصل إلى 800 دولار للحاوية مقارنة بـ 250 دولاراً قبل الأزمة (بزيادة 220%)، وتأخر زمن وصول البضائع بنسبة 44%. هذا الشلل في سلاسل التوريد البحرية دفع المصدرين نحو الشحن الجوي كبديل سريع، مما تسبب في قفزة موازية في أسعار نولون الطيران.

    وتظل مصر -بحسب الخبراء- المتضرر الأكبر مالياً من هذه التوترات، نظراً لأن القناة تستحوذ في وضعها الطبيعي على 12% من إجمالي حركة التجارة العالمية.

    قراءة البنك الدولي وتحذيرات الاستدامة المالية

    في سياق متصل، أشار الخبير المصرفي الدكتور رمزي الجرم إلى أن طول أمد الحرب في قطاع غزة انعكس سلباً على المؤشرات الكلية للاقتصاد المصري، مسبباً شبه شلل في المجرى المائي وتراجع الحصيلة الدولارية الدورية. واستشهد الجرم بتقرير البنك الدولي الصادر تحت عنوان (الصراع والديون في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا)، والذي وثق انخفاضاً في عوائد مصر من رسوم عبور القناة بنسبة 42% خلال أول شهرين من عام 2024، مع تراجع عدد السفن العابرة إلى 2.3 ألف سفينة مقارنة بنحو 3.9 ألف سفينة في الفترة ذاتها من العام السابق.

    ونبّه الجرم إلى مأزق مالي يواجه الموازنة العامة؛ فرغم التدفقات الاستثنائية الأخيرة البالغة 45 مليار دولار (الناتجة عن صفقة رأس الحكمة، وقرض صندوق النقد الدولي، وحزم دعم الاتحاد الأوروبي، وتنازلات العملة بعد قرار تحرير سعر الصرف الرابع)، إلا أن هذه التدفقات تظل "إيرادات رأسمالية غير مستدامة" ولا تعوض غياب الموارد التشغيلية المنتظمة كقناة السويس.

    كما حذر من أن استمرار الأزمة قد يدفع الخطوط الملاحية عالمياً لتثبيت مسارات بديلة طويلة كطريق رأس الرجاء الصالح، مما يعني تحمل الأسواق الدولية كلفة تأخير تتراوح بين 7 إلى 10 أيام، وزيادة في نفقات الشحن والتأمين وتلف بعض الشحنات.

    اقرأ أيضًا: صندوق النقد الدولي يطالب مصر بمزيد من الإصلاحات

    مشروع الازدواج الكامل

    تدرس هيئة قناة السويس حالياً مشروعاً استراتيجياً ضخماً للازدواج الكامل للمجرى الملاحي؛ بهدف رفع معدلات أمان عبور السفن بنسبة 100% والحد من زمن الانتظار ليصبح 3 ساعات فقط بدلاً من 11 ساعة.

    ووفقاً للبيانات التشغيلية، يبلغ طول الأجزاء غير المزدوجة حالياً 80 كيلومتراً (50 كم في القطاع الشمالي و30 كم في القطاع الجنوبي)، ويجري العمل على ازدواج وعقد توسعة لمسافة 10 كيلومترات لتنضم إلى القناة الجديدة ليرتفع طولها الإجمالي من 72 كم إلى 82 كم.

    اقرأ أيضًا: كيف يعزز مشروع ازدواج قناة السويس أهميتها في حركة الملاحة العالمية؟

    محددات مشروع الازدواج المقترح

    • التكلفة التقديرية: 14 مليار دولار.

    • فترة الدراسة والبحوث: 16 شهراً (بالتعاون مع بيوت خبرة دولية لإعداد دراسات التربة والبيئة والجدوى).

    • المستهدف (بحلول عام 2034): مواكبة نمو التجارة العالمية المتوقع بنسبة 5.3%، واستيعاب نحو 135 سفينة يومياً.

    ورغم المزايا التنافسية الواعدة للمشروع في خفض كلفة الشحن وتعزيز مكانة مصر كمركز لوجيستي عالمي، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمد عبد الهادي أن التوقيت الراهن غير مواتٍ للبدء في مشاريع مليارية ضخمة ذات فترات استرداد طويلة؛ مستنداً إلى مؤشرات الدين الخارجي للبلاد الذي سجل 168 مليار دولار، والتزامات سداد فوائد وأقساط ديون حتمية بلغت 42.3 مليار دولار خلال العام الحالي.

    وفي هذا السياق، دعا عبد الهادي الحكومة إلى إرجاء التنفيذ الفعلي للمشروع لحين استقرار المؤشرات النقدية وتأمين التمويل عبر الشراكات الاستثمارية دون الضغط على الموازنة العامة أو استنزاف الفائض المالي الحالي للقناة.