اختتمت قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" في أنقرة ببيان موحد أكد التزام الدول الأعضاء بالدفاع الجماعي بموجب المادة الخامسة من معاهدة الحلف، في رسالة أراد القادة من خلالها إظهار تماسك الناتو رغم الخلافات السياسية التي سبقت الاجتماعات ورافقتها.
وأعلن الحلفاء أنهم سيتحملون مسؤولية أكبر في الدفاع المشترك، مع الكشف عن مشتريات دفاعية جديدة تتجاوز 50 مليار دولار، إلى جانب تعهدات بمساعدات عسكرية لأوكرانيا بقيمة 80 مليار دولار في 2026، وبمستويات دعم مماثلة على الأقل في 2027.
ترامب يفرض ملفات الخلاف
رغم الخطاب الموحد الصادر عن القمة، فقد بدت إلى حد بعيد قمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فقد بدأها بانتقادات حادة لحلفائه الأوروبيين، قبل أن يختتمها بنبرة أكثر هدوءاً، واصفاً اللقاء بأنه شهد وحدة و"قدراً كبيراً من المحبة".
كان ترامب الحاضر الأبرز في أنقرة، ليس فقط بسبب موقع الولايات المتحدة داخل الحلف، بل بسبب الملفات التي حملها معه إلى طاولة الناتو، أبرزها إيران، وغرينلاند، وإسبانيا، ومستقبل الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا.
تباين الرؤى بين واشنطن والشركاء الأوروبيين
وخلال القمة، اشتكى الرئيس الأمريكي من أن شركاء واشنطن لم يساندوه بما يكفي في مساعيه لإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام الملاحة، كما أثار قراره تنفيذ ضربات ضد إيران، بعد وقت قصير من مغادرته مأدبة عشاء لقادة الحلف، تطوراً غير مألوف في سياق قمة يُفترض أنها مخصصة لتأكيد وحدة الناتو.
وفي السياق ذاته، فتح ترامب جبهة مع إسبانيا، واصفاً إياها بأنها "شريك سيئ" بسبب خلافات تتعلق بالإنفاق الدفاعي وموقفها من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، لكنه عاد لاحقاً وخفف لهجته، قائلاً إن مدريد استجابت لطلب زيادة مساهماتها داخل الحلف.
أما في ملف غرينلاند، فجدد ترامب حديثه عن أهمية السيطرة الأمريكية عليها، ما أثار استياء حلفاء أوروبيين، خاصة الدنمارك، التي تتمسك بسيادتها على الجزيرة وترفض أي طرح يمس وضعها.
اقرأ أيضًا: موجات الحر في أوروبا تبرز الاعتماد التجاري على الصين
انفتاح تجاه أوكرانيا
في ملف أوكرانيا، بدا لقاء ترامب بالرئيس فولوديمير زيلينسكي أكثر إيجابية من محطات سابقة شهدت توتراً بين الرجلين، وقال ترامب إن الولايات المتحدة ستمنح ترخيصاً يتيح تصنيع منظومات باتريوت خارج أراضيها لصالح كييف، لمساعدتها في التصدي للهجمات الصاروخية الروسية.
ورغم أن التفاصيل العملية لم تُعلن بالكامل، فإن الرسالة السياسية كانت مهمة لأوكرانيا، التي خرجت من القمة بتعهدات دعم جديدة، وبإشارة أمريكية أكثر انفتاحاً تجاه احتياجاتها الدفاعية.
تركيا وسوريا على هامش القمة
وفي خطوة لافتة تجاه الدولة المضيفة، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة مستعدة لرفع العقوبات الدفاعية المفروضة على تركيا، بما قد يفتح الطريق أمام صفقة محتملة لبيع أنقرة مقاتلات "إف-35"، لكنه أبقى القرار النهائي مفتوحاً، قائلاً إنه يدرسه في ضوء قوة التحالف مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وعلى هامش القمة، التقى ترامب الرئيس السوري أحمد الشرع، وبعد اللقاء قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، إن واشنطن تتجه إلى شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوة قد تفتح الباب أمام التجارة والاستثمارات الدولية وتخفف عزلة دمشق بعد سنوات من العقوبات.
اقرأ أيضًا: زيارة ماكرون لسوريا.. باريس تعود عبر بوابة إعادة الإعمار
هدايا أردوغان تخطف جانباً من المشهد
بعيداً عن البيانات الرسمية والاجتماعات المغلقة، أثارت هدايا أردوغان لقادة الناتو اهتماماً واسعاً، فقد قدم الرئيس التركي لضيوفه مسدسات منقوشة بأسمائهم، مرفقة بذخيرة حية، في لفتة رمزية غير مألوفة داخل قمة دبلوماسية بهذا الحجم.
وكشفت حكومات أوروبية لاحقاً أن الهدايا وُضعت تحت إجراءات قانونية خاصة، فبعض القادة تركوا المسدسات في سفارات بلادهم، وآخرون قرروا تسجيلها ضمن الهدايا الرسمية، فيما قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إنها ستتبرع بها إلى متحف عسكري.
هذا المشهد الجانبي اختصر شيئاً من روح القمة؛ تحالف يريد أن يظهر موحداً لكنه يتحرك وسط توترات ثقيلة، في الوقت الذي يسعى فيه الرئيس الأمريكي لإعادة تشكيل جدول الأعمال، ويستثمر المضيف التركي اللحظة لإبراز موقع أنقرة داخل الحلف.
في النهاية، خرج الناتو من قمة أنقرة ببيان قوي على الورق، وصفقات دفاعية، وتعهدات لأوكرانيا، لكن هناك أسئلة كبرى لا تزال مطروحة: إلى أي مدى يمكن للحلف أن يحافظ على وحدته إذا ظلت واشنطن تتحرك بهذا القدر من الانفرادية؟ وهل يستطيع الأوروبيون زيادة إنفاقهم الدفاعي من دون أن يتحول ذلك إلى اعتماد أكبر على القرار الأمريكي؟
قد يهمّك أيضًا: هل تنخفض أسعار النفط إلى 60 دولاراً قبل نهاية 2026؟
