تقارير اقتصادية

    لماذا فشل ترامب وبوتين في الاتفاق حول أوكرانيا في قمة ألاسكا؟

    •آخر تحديث •5 دقائق
    لماذا فشل ترامب وبوتين في الاتفاق حول أوكرانيا في قمة ألاسكا؟

    انتهت القمة التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ولاية ألاسكا، دون أي اختراق في ملف الحرب الأوكرانية، وعلى الرغم من الاستقبال الرسمي اللافت الذي حظي به بوتين إلا أنَّ المحادثات لم تُسفر عن اتفاق يوقف إطلاق النار أو يفتح مساراً واضحاً نحو تسوية سياسية، بحسب فاينينشيال تايمز.

    غادر ترامب إلى واشنطن، فيما شدّد بوتين على تمسّكه بشروطه الصارمة التي تُلزم كييف بالاستسلام، لتبقى الأزمة الأوكرانية على حالها، وتعود واشنطن إلى حالة انقسام سياسي داخلي بعد القمة.

    خلفية القمة وأهميتها

    تُعدّ قمة ألاسكا أول اجتماع مباشر بين ترامب وبوتين منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، وعلى مدى أكثر من عامين ظلّ ملف أوكرانيا محور توتر رئيسي في العلاقات بين موسكو وواشنطن، وسط عقوبات اقتصادية غير مسبوقة فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون على روسيا.

    القمة جاءت على عجل خلال أسبوع واحد فقط من الترتيبات، بعد أن عبّر ترامب عن انزعاجه من إصرار بوتين على مطالبه المتشددة، ومنذ الإعلان عنها رُوّج للقاء باعتباره محاولة جديدة لفتح ثغرة في جدار الأزمة، إلا أنّ النتائج جاءت دون التوقعات.

    استقبال بروتوكولي مهيب

    وصل بوتين إلى قاعدة “إلمندورف” الجوية في أنكوريج بألاسكا، حيث فُرش السجاد الأحمر على أرض المطار في مشهد غير معتاد لقادة أجانب قادمين من دول في خصومة مباشرة مع واشنطن، وترامب لم يكتفِ بالاستقبال الرسمي، بل اصطحب نظيره الروسي داخل سيارته المصفّحة، في خطوة فسّرها مراقبون على أنّها رسالة شخصية تهدف إلى إظهار تقارب غير مألوف بين الزعيمين.

    المشهد كان لافتاً في الإعلام الأمريكي، إذ ركّزت الكاميرات على لحظة ركوب الرئيسين معاً في السيارة، قبل أن يتوجّها إلى مقر القمة، والخطوة أثارت انتقادات لاحقة في واشنطن، خاصة أنّها منحت بوتين صورة بروتوكولية تعكس نوعًا من الشرعية السياسية التي يسعى إليها منذ اندلاع الحرب.

    ثلاث ساعات بلا اختراق لملف أوكرانيا

    عُقد الاجتماع بين ترامب وبوتين لنحو ثلاث ساعات، جلس خلالها كل طرف محاطاً بمسؤولَين رفيعَي المستوى إضافة إلى مترجمين، ورغم طول المحادثات إلا أنّها لم تُنتج تقدمًا ملموسًا، وترامب كان قد صرح قبل اللقاء بأنّه سيضغط على بوتين لوقف إطلاق النار في أوكرانيا، لكن البيان الختامي والمؤتمر الصحفي المقتضب أظهرا عكس ذلك.

    لم يحصل ترامب على التزامات، فيما شدّد بوتين على أنّه لا ينوي التراجع عن شروطه، وعلى رأسها استسلام كييف، وعوضاً عن الإعلان عن نتائج واضحة، اكتفى الطرفان بتصريحات عامة تحدّثت عن “أجواء مثمرة” و”بداية جديدة” دون تفاصيل.

    مؤتمر صحفي بلا تفاصيل

    استمر المؤتمر الصحفي المشترك نحو 12 دقيقة فقط، لم يتلقَّ خلاله الزعيمان أسئلة كبيرة من الصحفيين، وبوتين قال إنّه يأمل أن تكون “اتفاقات اليوم نقطة انطلاق ليس فقط لحل الأزمة الأوكرانية، بل أيضاً لاستعادة علاقات عملية وبراغماتية بين روسيا والولايات المتحدة”.

    أما ترامب، فأكد أنّ الخلافات لا تزال قائمة، وأضاف عبارته الشهيرة: “لا صفقة حتى تُبرم الصفقة”، وبدا واضحاً أنّ الطرفين لم يتوصلا إلى أي تسوية ملموسة، خاصة أن جلسة ثانية بين فريقي البلدين أُلغيت دون تفسير. وبالتزامن مع المؤتمر الصحفي، كانت صفارات الإنذار تدوي في سبع مناطق أوكرانية نتيجة هجمات روسية بطائرات مسيرة وصواريخ وقنابل موجّهة.

    وقبل القمة كان بوتين قد لمح إلى إمكانية بحث اتفاق جديد للحد من التسلح إذا سارت المحادثات بشكل إيجابي، لكنّ هذا الملف لم يُطرح في التصريحات الختامية، والسفير الروسي لدى الولايات المتحدة، ألكسندر دارشيف، أوضح لاحقاً أن القمة لم تُسفر عن أي اختراق في العلاقات الثنائية، ما يعكس محدودية ما جرى خلف الأبواب المغلقة.

    رد فعل أوكراني سلبي

    في كييف، وُصفت القمة بأنّها “غريبة جداً”، وفق مسؤول أوكراني صرّح بأنّ بلاده لم تتلقَّ أي اتصال من واشنطن حول نتائج اللقاء، ومساعد آخر للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اعتبر أنّ الاجتماع “عديم القيمة”، في وقت استمرّت فيه روسيا بشن هجماتها على الأراضي الأوكرانية.

    الجانب الأوكراني رأى أنَّ غياب الضغط الأمريكي الجاد على بوتين قد يمنحه وقتاً إضافياً لتثبيت مكاسبه الميدانية، ما يزيد من صعوبة التوصل إلى أي تسوية عادلة مستقبلاً.

    اقرأ أيضًا: ترامب متهم بالخيانة.. اتفاق قد يُغير خريطة أوكرانيا ويهدد

    ردود الفعل في واشنطن

    عودة ترامب إلى العاصمة الأمريكية ترافقت مع عاصفة من الانتقادات، وفي حين أشاد بعض الجمهوريين بمحاولته لقاء بوتين، فقد وصف آخرون القمة بأنّها “فرصة ضائعة”، كما اعتبر بيل أورايللي، المعلق السياسي المحافظ، أنّ القمة افتقرت إلى مكاسب ملموسة، فيما دعا السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام إلى وقف إطلاق نار “قبل عيد الميلاد” كأفضل سيناريو ممكن.

    أما الديمقراطيون فكانوا أكثر حدّة في انتقاداتهم؛ حيث وصف جاك ريد، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، الاستقبال الفاخر لبوتين بأنّه “خطأ استراتيجي”، أما النائب مايك كويغلي فقد قال إنّ “ترامب فرش السجادة الحمراء لبوتين حرفياً، ومنحه الضوء الأخضر لمواصلة الغزو”.

    حتى الإعلام الأمريكي بدا منقسمًا، إذ وجّه بعض المذيعين المقربين من ترامب أسئلة محرجة حول ما جرى فعلياً في القمة، ما أثار امتعاض الرئيس الأمريكي نفسه.

    انقسامات داخل الحزب الجمهوري

    لم تقتصر الانتقادات على الديمقراطيين، بل امتدت إلى داخل الحزب الجمهوري، وفي هذا السياق قال النائب برايان فيتزباتريك إن “السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا بمشاركة أوكرانيا وحلفاء الولايات المتحدة”، في إشارة إلى أن ترامب لا يستطيع إبرام صفقة ثنائية مع بوتين دون دعم كييف.

    في المقابل، رأى بعض الجمهوريين المؤيدين لترامب أنّ اللقاء كان ضرورياً لتجريب مسار دبلوماسي بديل، حتى وإن لم يسفر عن نتائج فورية.

    علاقة شخصية مثيرة للجدل

    كانت العلاقة الشخصية التي حاول ترامب إظهارها مع بوتين من أبرز ما لفت الأنظار خلال القمة، فقد وصفها بأنّها “رائعة” في وقت لا يزال فيه الرئيس الروسي مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب، والمشهد الذي جمعهما داخل سيارة “ذا بيست” تحول إلى مادة دسمة للانتقاد في واشنطن، حيث اعتبره البعض “تنازلًا رمزيًا” لبوتين.

    حتى اللحظة الطريفة في المؤتمر الصحفي، عندما قال بوتين بالإنجليزية: “Next time in Moscow?” (المرة المقبلة في موسكو؟)، وردّ ترامب مبتسمًا: “فكرة مثيرة.. قد أواجه بعض الانتقادات بشأنها، لكن قد يحدث ذلك فعلا” لم تُخفّف من وقع الفشل السياسي الذي لازم القمة.

    ارتدادات القمة

    بعد عودته إلى واشنطن واجه ترامب موجة من الأسئلة حول ما إذا كان قدّم تنازلات ضمنية لبوتين، لكن البيت الأبيض رفض التعليق على مضمون المحادثات، فيما رأى معهد “ديفنس برايوريتيس” الأمريكي أنّ القتال سيستمر طالما أنّ روسيا تحتفظ بميزة عسكرية على الأرض.

    مايكل ماكفول، السفير الأمريكي السابق لدى موسكو، لخّص القمة بقوله: “قمة ألاسكا لم تكن يالطا جديدة، وهذه هي الأخبار الجيدة، لكن هذا معيار منخفض جداً”.

    قمة بدون نتائج

    في نهاية المطاف، لم تُسفر قمة ألاسكا عن وقف إطلاق النار، ولا عن أي تفاهمات جديدة في ملف أوكرانيا، وما نتج هو مجرد صور بروتوكولية وتصريحات عامة، مقابل استمرار العمليات العسكرية على الأرض.

    كما أن ترامب قدّم نفسه قبل القمة كـ”خبير صفقات وصانع سلام”، لكنّه عاد ليقول إن الأمر الآن “متروك للرئيس زيلينسكي”، وبينما يبقى بوتين متمسكًا بشروطه يبدو أنَّ المسافة بين واشنطن وموسكو لا تزال أبعد مما كانت قبل اللقاء.

    قد يهمّك أيضًا: هل يتغير مصير أوكرانيا بعد تراجع الدعم الأمريكي؟