تقرير: باسل محمود
بعض الأُسر في قطاع غزة، تحاول التنقّل وهي تتجنب الغارات الجوية الإسرائيلية، باستخدام خرائط غوغل لمتابعة منازلهم، بعد إجبارهم على مغادرتها من قبل إسرائيل، ولكن الصور على هذه المنصة، لا تُحدَّث بشكل فوري.
هذه قصة متكررة في جميع أنحاء جنوب قطاع غزة، عندما تسمح فترات هدوء القتال للأسر بمغادرة المخيمات في مناطق الأمان، والعودة إلى ممتلكاتهم، ولو لفترة قصيرة.
المناطق الواقعة شمال ممر نتساريم، وهو الطريق العسكري الذي بنته إسرائيل في مارس، مغلقة، وهذا للسماح لإسرائيل بملاحقة حماس والبنية التحتية لها، رداً على هجمات السابع من أكتوبر.
70 % من منازل قطاع غزة متضررة
منذ ذلك الحين، تم الإبلاغ عن تضرر أكثر من 70% من المنازل في غزة، والتي كانت قد استنزفت بالفعل في صراعات سابقة، جنباً إلى جانب عدد مع المستشفيات والشركات.
معظم سكان قطاع غزة البالغ عددهم 2.2 مليون شخص مشردون، ومحشورون في شريط صغير من الأرض على طول ساحل البحر المتوسط، ومقطوعون إلى حد كبير عن المياه العذبة والطعام، وكذلك الدواء والخدمات الصحية الأساسية، حسب وكالات الإغاثة.
وسط هذا الدمار، أدت الهجمات الإسرائيلية إلى وفاة أكثر من 40 ألف شخص في غزة، والتي لا تميز بين المدنيين وأفراد حماس.
حجم الدمار، يعني أنه مع استئناف محادثات وقف إطلاق النار يوم الخميس الماضي في العاصمة القطرية، الدوحة، يجري أيضًا مناقشة عملية إعادة الإعمار على أعلى مستوى.
42 مليون طن من الحطام في قطاع غزة
حتى الآن، تركت الغارات الجوية الإسرائيلية أكثر من 42 مليون طن من الحطام في جميع أنحاء القطاع، حسبما أفادت الأمم المتحدة، وهو يكفي لملء خط من شاحنات القمامة يمتد من نيويورك إلى سنغافورة.
إزالة كل ذلك قد يستغرق سنوات، وقد يكلف ما يصل إلى 700 مليون دولار، وستعقِّد هذه المهمة القنابل غير المنفجرة، والملوثات الخطرة، والجثث البشرية تحت الأنقاض.
أغلبية الركام تتكون من منازل مدمرة، وتوزيعها عبر القطاع يعكس تقريباً كثافة سكان غزة قبل الحرب، لهذا سيتعين إزالة ما لا يقل عن 8.5 مليون طن من الحطام من خان يونس فقط.
اقرأ أيضًا: غزة.. معاناة تحت الركام
موت الأراضي الزراعية في قطاع غزة
كانت هذه المنطقة، تنتج في السابق معظم ثمار الحمضيات في غزة، بما في ذلك البرتقال والجريب فروت، وقد أصبحت بساتينها وحقولها الآن في حالة خراب، حيث تم تدمير نصف الأراضي الزراعية في القطاع على الأقل، مما أدى إلى انهيار القطاع الزراعي الذي سيستغرق سنوات للتغلب عليه.
الوضع حاد بشكل خاص في الشمال، ومدينة غزة – التي كانت سابقًا أكبر مركز حضري في الأراضي الفلسطينية ومحيطها – قد تضررت بشكل كبير، حيث تمثل أكثر من نصف ركام القطاع.
إعادة بناء غزة، وحياة سكانها، سيتطلب إصلاحاً شاملاً للبنية التحتية المادية، وبعض الحلول السياسية حول ما ستبدو عليه غزة الجديدة، لكن قبل كل ذلك، سيكون جمع الأنقاض والتخلص منها – بعد انتهاء الحرب – ذو أهمية قصوى.
صعوبات التخلص من الركام في قطاع غزة
حقوق الملكية، وصعوبات إيجاد مواقع للتخلص من الحطام الملوث، ستزيد من تعقيد العملية، ويمكن أن يكلف إعادة بناء غزة أكثر من 80 مليار دولار، عند أخذ التكاليف المخفية في الحسبان، مثل الأثر الطويل الأمد لسوق العمل المتضرر بسبب الموت، والإصابات، والصدمات النفسية.
“يمكنك إعادة بناء مبنى، لكن كيف تعيد بناء حياة مليون طفل؟”.. قال دانيال إغل اقتصادي كبير في معهد راند في كاليفورنيا.
من سيتحمل تكلفة إعادة الإعمار في غزة؟
ولا يزال من غير الواضح من سيتحمل التكلفة، وفي هذا الصدد قال مارك جارزومبيك، أستاذ تاريخ العمارة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: “ما نراه في غزة شيء لم نشهده من قبل في تاريخ العمران”، مضيفًا: “الأمر لا يتعلق فقط بتدمير البنية التحتية المادية، بل تدمير المؤسسات الأساسية للحكم والشعور بالحياة الطبيعية”.
وتابع: “ستكون تكلفة إعادة البناء باهظة، ومواقع البناء على هذا النطاق يجب أن تكون خالية من الناس، مما سيخلق موجة أخرى من النزوح بغض النظر عما يفعله المرء، ستعاني غزة لأجيال من هذه الأزمة”.
جهود خيرية لتأمين المساعدات المالية
عُقد اجتماع للدول المانحة والمؤسسات الخيرية العالمية في مدينة رام الله في الضفة الغربية في 12 أغسطس، وكان إشارة افتتاحية لتلك الجهود لتأمين المساعدات المالية، وقد نظم هذا الاجتماع، برامج الأمم المتحدة للتنمية والبيئة والسلطة الفلسطينية، وناقش ما يجب القيام به لاحقًا.
بالنظر إلى المال والقوى العاملة والمعدات اللازمة، فإن وضع خطة الآن لجمع الأنقاض أمر حاسم حتى يتمكن العمل من البدء بمجرد انتهاء القتال، كما قال عاهد بسيسو، وزير الأشغال العامة والإسكان في السلطة الفلسطينية.
ليست غزة غريبة عن النزاعات، فحماس خاضت أربع حروب أخرى مع إسرائيل منذ عام 2007، ولكن هذه الحرب هي الأطول والأكثر ضررًا بكثير.
اقرأ أيضًا: هل يحتمل الشرق الأوسط تداعيات حرب شاملة؟
تعهدات دولية بتوفير المساعدات المالية
بعد جولات القتال السابقة، كانت دول الخليج، والاتحاد الأوروبي، وأميركا واليابان، من بين الدول التي تعهدت، لكنها لم توفر دائمًا، أموالًا للمساعدة في تعافي غزة.
كانت قطر واحدة من أكبر الداعمين، وتمول شق الطرق، وبناء المستشفيات، والمجمعات السكنية، وكذلك المشاريع الزراعية والبنية التحتية، بالإضافة إلى تقديم منح، بمئات الملايين من الدولارات على مدى عقد من الزمان.
لكن الجهات الرئيسية، أشارت إلى ترددها في المساهمة مرة أخرى، دون مسار تفاوضي يؤدي إلى حل سياسي، ينهي دائرة العنف.
في رام الله، رسم مسؤولو السلطة الفلسطينية خريطة لإعادة إعمار غزة منذ أشهر، وقدموا رؤيتهم للمجتمع الدولي في بروكسل في مايو، ويحاولون كسب الدعم منذ ذلك الحين.
على الرغم من تهميش السلطة الفلسطينية في غزة، إلا أن السلطة لا تزال تتحمل نحو 40% من النفقات الرسمية في القطاع، مثل رواتب ومعاشات الموظفين المدنيين والخدمات مثل الماء والكهرباء، التي تتحكم فيها إسرائيل إلى حد كبير.
كما نسقت جهود إعادة الإعمار بعد النزاع السابق بين إسرائيل وحماس مع المؤسسات الدولية، ومنظمات الإغاثة، والوكالات الأممية المختلفة.
من المحتمل أن يكون هذا هو الحال أيضًا هذه المرة، ويتعين على جميع الأطراف، الاتفاق على مخطط إعادة الإعمار، وأهمها إسرائيل، التي منعت دخول المواد ذات الاستخدام المزدوج، أي تلك التي يمكن أن تساعد حماس في بناء الأنفاق أو الأسلحة، إلى القطاع منذ عام 2007.
إعادة الإعمار بشكل تدريجي
تحت خطة السلطة الفلسطينية، سيتم تفكيك جميع الذخائر غير المنفجرة بمجرد الحصول على الضوء الأخضر لبدء إعادة الإعمار، وستُزال الطرق بعد ذلك، للسماح بالوصول إلى مواقع الإقامة المؤقتة التي لم تُبنى بعد.
كل مجموعة ستشمل مدارس، وملاعب، ومكاتب حكومية، وستُقام تدريجيًا حسب توفر المال بالقرب من المراكز الحضرية المدمرة لكي يتمكن المواطنون من المساعدة في عملية إعادة البناء، وفي الوقت نفسه، ستبدأ عملية إزالة الأنقاض.
إقامة مؤقتة لإعادة الإعمار
بعد الحروب السابقة، كان الناس يميلون إلى الإقامة مع العائلة أو استئجار عقارات، بينما يتم إعادة بناء منازلهم، لكنّ حجم التدمير يعني أن هذا لم يعد ممكنًا، وتشعر وكالات الإغاثة بالقلق بشأن الأشخاص الذين يقومون بإزالة الحطام بأنفسهم، ويعيشون في منازل مؤقتة غير آمنة.
بعد عودتهم إلى ممتلكاتهم في مارس، عندما انسحبت القوات الإسرائيلية من بعض المناطق، قاموا بتنظيف حدائقهم وتجميع مأوى من الخشب، والبطانيات، والحطام، ولكن بعض الناس كانوا ينامون في الشوارع.
نقص في القوى العاملة
تقول الأمم المتحدة، إن آلاف الأشخاص مطلوبون لجمع وإزالة الحطام، وإن هناك نقصًا في القوة العاملة الكبيرة للتعامل مع العمل في كل من غزة وأوكرانيا في الوقت نفسه.
سيتولى الخبراء القانونيون حقوق الملكية، التي تعقدت أكثر بتدمير بعض الأحياء بالكامل ووفاة مالكي الأراضي، وستساعد الفرق المتخصصة في تحديد الأشياء الخطرة والتعامل مع أي مخاطر صحية فورية وطويلة الأمد من النفايات السامة.
انتشار الأمراض بسبب الحطام
يعد الحطام بيئة مثالية للذباب الرملي، الذي يمكن أن ينشر الليشمانيات، وهي حالة جلدية طفيلية قاتلة إذا تُركت دون علاج، بالإضافة إلى العقارب الصفراء والأفاعي التي تعشش في الشقوق الصخرية.
وهناك الأسبستوس الذي يُستخدم على نطاق واسع كعازل، حيث تحتوي نحو 2.3 مليون طن من الحطام في غزة على هذا المادة، وفقًا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، وهي مادة محظورة في العديد من الدول، إذ يمكن أن تطلق جزيئات هوائية قد تسبب أنواعًا متعددة من السرطان.
قدمت الأمم المتحدة موقعين في غزة لمثل هذا الحطام، أحدهما في الشمال والآخر في الجنوب على طول السياج مع إسرائيل.
قال باسل نصار الكفارنة، وزير الدولة الفلسطيني للإغاثة الطارئة، إن 20 ميلاً مربعاً مطلوب لهذه المواقع، وإن المناطق القريبة من البحر، يتم النظر فيها أيضًا.
القلق بشأن تسرب الملوثات إلى المياه الجوفية والتغطية في بعض المناطق، يتطلب دراسات بيئية إلى جانب موافقة الدول المجاورة، وسيتم تحديد الموقع الدقيق بمجرد أن تقرر إسرائيل ما إذا كانت ستوسع حافة أمانها إلى كيلومتر واحد داخل غزة.
اقرأ أيضًا: الحرب الكبرى تضع أسعار النفط أمام رالي ارتفاعات جديد
استخدام الحطام في إعادة الإعمار
يمكن استخدام الحطام غير الملوث في إعادة الإعمار، على سبيل المثال بعد تحطيمه إلى خرسانة، وتقدر الأمم المتحدة أنَّ إعادة معالجة نصف هذا الحطام فقط ستكون كافية لإعادة بناء شبكة الطرق بالكامل في غزة.
وفي هذا السياق، اقترح المسؤولون استخدامه في هياكل دفاعية بحرية مثل الحواجز للحماية من التآكل الساحلي والفيضانات، كما تشمل الاستخدامات الأخرى المحتملة كتل الرصف للأرصفة، وقنوات الصرف والمجاري.
إذا كانت المنطقة ستعيد تدوير نصف هذا الحطام فقط، فقد تستعيد نحو ثلث تكاليف التنظيف وتقلل نحو 143 مليون دولار من الفاتورة الإجمالية.
