اقتصادات عربية

    قطاع الطاقة السوري.. هل يتحول إلى ممر للنفط بعيداً عن هرمز؟

    بقلم باسل محمود••آخر تحديث •4 دقائق
    قطاع الطاقة السوري

    يدخل قطاع الطاقة السوري مرحلة مختلفة عن سنوات الحرب، مع عودة الأصول النفطية والغازية إلى إدارة مركزية، وتوقيع مذكرات تفاهم مع شركات دولية، وطرح مشروعات للكهرباء المتجددة والتخزين المائي.

    وتتمثل الأولوية المباشرة في استعادة الوقود والكهرباء للاقتصاد المحلي، قبل الانتقال إلى طموح أكبر يتمثل في تحويل سوريا إلى ممر إضافي للنفط العراقي نحو المتوسط.

    قبل 2011، كانت سوريا تنتج نحو 380 ألف برميل يومياً من النفط الخام، و900 مليون قدم مكعبة من الغاز يومياً، وبحلول 2021، هبط إنتاج النفط إلى ما بين 50 ألفاً و80 ألف برميل يومياً، بحسب وود ماكنزي، ويشرح هذا الفارق حجم العمل المطلوب في قطاع الطاقة السوري من إصلاح آبار وخطوط نقل ومحطات معالجة ومصافٍ وشبكة كهرباء تضررت خلال أكثر من عقد.

    قطاع الطاقة السوري يبدأ من الحقول والشبكات

    استعادت الدولة السورية خلال عام 2026 السيطرة على حقول رئيسية في الشمال الشرقي، بينها حقل العمر ومواقع للغاز في التبية وكونيكو، بالتوازي مع دمج المؤسسات التي كانت تديرها قوات سوريا الديمقراطية ضمن هياكل الدولة، وأتاح ذلك للشركة السورية للبترول توحيد إدارة أصول كانت موزعة بين سلطات ومناطق مختلفة منذ سنوات الحرب.

    ولا يقتصر أثر هذه الخطوة على زيادة محتملة في إنتاج الخام فقط، فالغاز عنصر أساسي لتشغيل محطات الكهرباء، فيما تخفف زيادة الإنتاج المحلي فاتورة استيراد الوقود وتحسن قدرة المصافي على تلبية الطلب الداخلي، وتبقى حالة الحقول والبنية التحتية والتمويل المتاح عوامل تحدد سرعة التعافي الفعلي في قطاع الطاقة السوري.

    قطاع الطاقة السوري

    مذكرات تفاهم تمهد للاستكشاف البحري

    تجري الشركة السورية للبترول سلسلة اتفاقات منفصلة للاستكشاف في المياه الإقليمية، ففي فبراير 2026، وقعت مذكرة تفاهم مع "شيفرون" و"باور إنترناشيونال هولدينغ" للاستكشاف البحري، ثم أعلنت في أبريل تحديد موقع مستهدف تمهيداً للدراسات والعقود الفنية.

    وفي مايو، وقعت الشركة مذكرة تفاهم أخرى مع "كونوكو فيليبس" و"توتال إنرجيز" و"قطر للطاقة" تتعلق بمراجعة فنية وتجارية لبلوك بحري قبالة الساحل السوري، ويضع الاتفاق إطاراً لتقييم المنطقة وإعداد برنامج عمل محتمل، بحسب بيان توتال إنرجيز.

    ولا تمثل هذه الاتفاقات إنتاجاً بحرياً قائماً أو قراراً نهائياً بالاستثمار، فالانتقال إلى الحفر يحتاج إلى نتائج الدراسات الزلزالية والجيولوجية، وعقود تطوير، وتمويل، وموافقات تنظيمية، لكنها تعيد سوريا إلى خريطة الشركات التي تدرس فرص الاستكشاف في شرق المتوسط.

    الكهرباء المتجددة.. قدرات مستهدفة لا إنتاج مضاف بعد

    وقعت وزارة الطاقة السورية و"أكوا باور" السعودية في أغسطس 2025 اتفاقية تطوير مشتركة لدراسة وتطوير نحو 2.5 غيغاواط من القدرات المتجددة، تشمل غيغاواطاً واحداً من الطاقة الشمسية و1.5 غيغاواط من طاقة الرياح، إلى جانب حلول تخزين على نطاق الشبكة، وتغطي الاتفاقية اختيار المواقع ودراسة الشبكة والمحطات القائمة والجدوى التجارية، بحسب وكالة الأنباء السعودية.

    وفي فبراير 2026، وقعت وزارة الطاقة مذكرة تفاهم مع "مارف إنرجي" لتطوير مشروع رياح بقدرة 700 ميغاواط وربطه بالشبكة الوطنية، وتستهدف الشركة تصنيع التوربينات على مراحل في منشأتها بحمص، مع فترة تنفيذ معلنة تراوح بين خمس وسبع سنوات، ولم تُعلن بعد مواقع التوربينات أو قدرة دخلت الخدمة فعلياً.

    كما طرحت الوزارة في أكتوبر دعوة لإبداء الاهتمام بمشروع سد الحلبية - الزلابية على نهر الفرات، ويتضمن التصور محطة كهرومائية بقدرة 81 ميغاواط ومنشأة تخزين بالضخ تصل قدرتها إلى 1.2 غيغاواط، بكلفة تقديرية تبلغ 1.16 مليار دولار، والدعوة تستهدف اختيار جهات قادرة على الدراسة والتمويل والتنفيذ؛ ولم يُعلن بعد عن مطور مختار أو عقد إنشاء.

    اقرأ أيضاً: نفط العراق عبر سوريا.. هل يستمر الطريق بعد أزمة مضيق هرمز؟

    بانياس يعيد فكرة ممر العراق - سوريا

    تكتسب الجغرافيا السورية أهمية أكبر مع اضطراب طرق الطاقة في المنطقة، فالمسار الذي يحمل وزناً اقتصادياً أكبر لا يتعلق بالنفط السوري وحده، بل بممر محتمل ينقل الخام العراقي غرباً إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط.

    وقعت دمشق وبغداد مذكرات تفاهم ودراسات أولية لإحياء أو إنشاء ممر جديد يربط حقول العراق بالموانئ السورية، وتطرح الخطة منفذاً إضافياً لصادرات العراق، بدلاً من اعتمادها الكبير على طريق واحد، ويأتي ذلك في سياق طموح سوريا لأن تكون بديلاً جزئياً عن مضيق هرمز.

    مضيق هرمز.. مسار إضافي لا بديل كامل

    تزداد جاذبية هذا الممر حين تتعرض الملاحة عبر مضيق هرمز للاضطراب، لكن إنشاء خط جديد عبر العراق وسوريا يحتاج إلى تمويل كبير وأمن طويل الأجل وتفاهمات سياسية وتجارية متعددة الأطراف، وتقدّر تحليلات تشاتام هاوس كلفة المشروع بنحو 15 مليار دولار وفترة بناء تقارب أربع سنوات، مع قدرة أولية مستهدفة عند مليوني برميل يومياً.

    ويمنح الخط العراق منفذاً متوسطياً إضافياً، لكنه لا يعوض مضيق هرمز بالكامل، فجزء كبير من صادرات العراق والخليج يتجه إلى أسواق آسيوية أقرب إلى الخليج، كما أن خط الأنابيب نفسه يحتاج إلى حماية وتأمين وتشغيل مستمر عبر مناطق ما زالت تواجه مخاطر أمنية.

    وساعد رفع معظم العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية على سوريا في تقليص العوائق القانونية أمام الاستثمار والتمويل، وتقول وزارة الخزانة الأميركية إن المؤسسات المالية الأميركية تستطيع إقامة علاقات مصرفية مع مؤسسات سورية، مع استمرار متطلبات الامتثال وفحص الأطراف الخاضعة للعقوبات.

    وتتحول سوريا تدريجياً من بلد يركز على إصلاح منشآت الطاقة المتضررة إلى سوق تدرس فيه شركات دولية فرص النفط والغاز والكهرباء، أما تحويل هذا الزخم إلى إنتاج فعلي أو ممر إقليمي للطاقة، فيعتمد على انتقال الاتفاقات من الدراسات إلى قرارات استثمار ممولة، وعلى استقرار أمني ومؤسسات قادرة على إدارة عقود تمتد لعقود.