اقتصادات عربية

    قطاع التعدين في مصر.. هل يصبح طوق النجاة للاقتصاد؟

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •5 دقائق
    حفارة ثقيلة لأغراض التعدين.

    تتسارع خطى الدولة المصرية لإعادة رسم خارطة استغلال ثرواتها الطبيعية؛ حيث اتخذت منذ مطلع عام 2024 خطوات جادة وملموسة لتطوير قطاع التعدين ورفع مساهمته في الاقتصاد القومي.

    وتأتي هذه التحركات مدفوعة باستراتيجية شاملة تهدف إلى تحديث البنية التشريعية والتقنية للقطاع، بهدف جذب التدفقات الاستثمارية الأجنبية والمحلية وتحويل مصر إلى مركز عالمي للتعدين، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة من الفرص الواعدة وتحقيق القيمة المضافة بدلاً من تصدير المواد الخام بصورتها الأولية.

    رؤية طموحة حتى عام 2030

    يصف الخبير الاقتصادي، الدكتور عمرو سلامة، في تصريحات خاصة، قطاع التعدين بأنه بمثابة "طوق النجاة" للاقتصاد المصري وصمام أمان للنهوض بالدولة، نظراً لما تمتلكه مصر من ثروات معدنية وحجرية هائلة تراكمت عبر آلاف السنين ولم تُستغل بالشكل الأمثل بعد.

    ويقول سلامة: "بدأت خطة التحول لمركز تعديني عالمي بتعديل القوانين والتشريعات التي كانت تعوق تدفق رؤوس الأموال، إلى جانب إتاحة قواعد البيانات اللازمة لتمكين القطاع الخاص من اقتناص الفرص الاستثمارية بوضوح. وتستهدف الخطط الرسمية للدولة ضخ استثمارات مباشرة في قطاع التعدين تصل إلى 750 مليون دولار سنوياً، لرفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5% بحلول عام 2030".

    اقرأ أيضًا: الدول الخليجية تنافس بقوة في إفريقيا

    كنوز محجرية ومنجمية لا تنضب

    من جانبه، يؤكد الدكتور سيد قاسم، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، أن قطاعي التعدين والطاقة يمثلان الرافد الأساسي لإعادة هندسة المشهد الاقتصادي المصري وتوفير آلاف فرص العمل.

    ويستعرض قاسم حجم الاحتياطيات الهائلة التي تؤهل مصر لتكون منصة استثمارية إقليمية من الدرجة الأولى:

    الخامات المحجرية:

    • الحجر الجيري: يغطي 60% من مساحة مصر باحتياطي يقارب 15 مليار طن (يدخل في أكثر من 30 صناعة).

    الخامات المنجمية الأساسية:

    • الذهب: يتوزع في أكثر من 140 منطقة (أبرزها: السكري، البرامية، الفواخير، ووادي العلاقي).

    • الفوسفات: احتياطيات ضخمة تصل إلى نحو 3 مليارات طن.

    • الكولين (الصلصال الصفحي): احتياطي يتجاوز 800 مليون طن.

    • الكبريت: احتياطي يقدر بنحو 40 مليون طن.

    • الألمينيت: احتياطي يبلغ 80 مليون طن بمتوسط جودة يصل إلى 35%.

    • الفلسبار: احتياطي يقترب من 7 مليارات طن.

    اقرأ أيضًا: صناعة الأسمدة في مصر.. إلى أين؟

    المنصة الرقمية وتطوير البنية الأساسية

    لم تقتصر الجهود المصرية على استخراج الخام؛ بل امتدت لتشمل مشروعات صناعية عملاقة لتعظيم القيمة المضافة مثل مجمع إنتاج الكوارتز بالعين السخنة، ومشروع السيليكون، ومجمع إنتاج الصودا آش، مما يسهم في تحويل الثروات التعدينية إلى منتجات صناعية عالية القيمة.

    ولتسهيل رحلة المستثمر، أطلقت الحكومة منصة رقمية متكاملة للتعدين والثروة المعدنية تتيح للمستثمرين الوصول الفوري للبيانات الجيولوجية والخرائط والمزايدات المطروحة. وقد تم في هذا الصدد تجميع وتدقيق البيانات الأساسية لـ 27 خامة معدنية لإدراجها بالمنصة.

    ويترافق هذا التطور التقني مع تحديث البنية التحتية للبعثات الجيولوجية؛ حيث تم الانتهاء من تطوير معمل هيئة الثروة المعدنية بمدينة مرسى علم لخدمة الأنشطة التعدينية في الصحراء الشرقية، وتزويده بأحدث التقنيات والمعدات لمواكبة الأهداف الاستراتيجية القومية.

    اقرأ أيضًا: ثروات المغرب من المعادن تقود ثورة في الطاقة المتجددة

    "المثلث الذهبي".. ركيزة التنمية المستدامة بصعيد مصر

    يمثل مشروع "المثلث الذهبي" في جنوب مصر أحد أهم المشروعات القومية المستدامة التي تعول عليها الدولة لدفع عجلة التنمية الشاملة وخلق مجتمعات صناعية وعمرانية جديدة.

    وفي هذا الصدد، يوضح المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس الهيئة العامة للبترول الأسبق، في تصريحات خاصة، أن هذا المشروع يرتكز على أبعاد استراتيجية متكاملة:

    1. تعظيم القيمة المضافة للخامات:‏ استخراج وتصنيع المعادن الاستراتيجية كالذهب والفوسفات والحديد وتوطين صناعاتها محلياً بدلاً من تصديرها خاماً.

    2. التأسيس المستدام وجذب الاستثمار:‏ تطوير شبكات الطرق والمرافق الحيوية بالمنطقة لجذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية مع تطبيق معايير الاستدامة البيئية.

    3. ‫التنمية الشاملة وتوفير العمل:‏ خلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة لأبناء الصعيد والحد من معدلات البطالة ورفع مستويات المعيشة.

    ويتفق الدكتور سيد قاسم مع هذا الطرح، لافتاً إلى أن المشروع يستهدف جذب استثمارات ضخمة تُقدر بنحو 16.5 مليار دولار على مدار 30 عاماً (موزعة على 6 مراحل تنموية مدة كل منها 5 سنوات). ويؤكد قاسم أن العوائد الاقتصادية للمثلث الذهبي لن تقتصر على التعدين فحسب؛ بل ستمتد لتشمل قطاعات الزراعة، والتجارة، والسياحة، نظراً لوقوع المنطقة على مسار طريق الحج القديم الذي يزخر بالمواقع التاريخية والأثرية الهامة.

    من الخطط الورقية إلى الشراكات اللوجستية والإنتاجية

    شهد ملف "المثلث الذهبي" الواقع في جنوب مصر تحولاً تنفيذياً بارزاً عبر إبرام شراكات استراتيجية تهدف إلى ترجمة الموارد الطبيعية الكامنة بالمنطقة إلى عوائد اقتصادية ملموسة. وتجسد هذا التحول في توقيع المنطقة الاقتصادية للمثلث الذهبي مذكرة تفاهم لتأسيس شركة مساهمة مشتركة مع مجموعة "السويدي إليكتريك" الرائدة في أغسطس 2025.

    وتهدف هذه الشراكة إلى إنشاء وتطوير وإدارة منطقة صناعية ولوجستية متكاملة ومستدامة بميناء سفاجا، لتكون النواة الأساسية لاحتضان الصناعات التعدينية، والتحويلية، والكيماوية والغذائية المستفيدة من ثروات الصعيد.

    ويتزامن ذلك مع تفعيل اتفاقيات موازية لإنشاء شبكات متطورة لتوزيع الكهرباء النظيفة والغاز الطبيعي المضغوط، وتوفير مصادر المياه الصالحة للاستخدامات الصناعية، بما يمهد الطريق لجذب الاستثمارات الأجنبية المستهدفة بالمنطقة والتي تسعى للوصول إلى 19 مليار دولار بالتعاون مع كبريات المكاتب الاستشارية العالمية.

    قفزة الذهب وآلية "القطاعات المفتوحة" لعام 2026

    لم تعد طموحات مصر التعدينية مجرد خطط نظرية؛ إذ حقق قطاع الذهب أرقاماً غير مسبوقة خلال العام المالي الماضي بارتفاع حجم الإنتاج الإجمالي إلى 640 ألف أونصة (بزيادة بلغت 14%)، محققاً مبيعات قوية تجاوزت قيمتها 1.5 مليار دولار.

    وللحفاظ على هذا الزخم الاستثماري، اتخذت وزارة البترول والثروة المعدنية في عام 2026 خطوتين استراتيجيتين رئيستين:

    • طرح مزايدة الذهب الكبرى

    أطلقت مصر أضخم مزايدة عالمية للتنقيب عن الذهب لأول مرة منذ أربع سنوات، تشمل أكثر من 210 مناطق في الصحراء الشرقية، إلى جانب تجهيز 27 منطقة استثمارية استكشافية إضافية لطرحها قبل نهاية العام الجاري.

    • نظام "القطاعات المفتوحة" الجديد

    دشنت هيئة الثروة المعدنية هذه الآلية المرنة التي تتيح للمستثمرين على مدار العام -ودون انتظار طرح مزايدات دورية- التقدم للحصول على تراخيص البحث والاستكشاف عن الذهب، والفوسفات، والتلك، والكاولين.

    وتعطي هذه الآلية الأولوية للمستثمرين الذين يلتزمون بتأسيس صناعات تحويلية محلية تزيد من القيمة المضافة للخام قبل تصديره.

    اقرأ أيضًا: إيرادات قياسية لقطاع التعدين السعودي 2023