في خطوة جريئة تُمَهِّد لتحول كبير في هيكل النظام المالي والضريبي في مصر، أصدر الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، توجيهًا بإلغاء الرسوم المتعددة التي كانت تفرضها الجهات والهيئات الحكومية المختلفة واستبدالها بضريبة إضافية موحدة تُحسب على صافي أرباح الشركات.
هذا القرار يأتي في إطار مساعي الدولة المستمرة لإصلاح بيئة الأعمال، وتعزيز الشفافية، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي من خلال تبسيط الإجراءات وتوحيد المعايير المالية. وفي ظل تعقيدات النظام السابق وتعدد الجهات المحصّلة للرسوم، يُنظر إلى هذا التوجيه باعتباره نقطة تحوّل يمكن أن تُحدث نقلة نوعية في مناخ الاستثمار بمصر، وتعيد رسم العلاقة بين الدولة والمستثمرين.
تحول هيكلي في النظام الضريبي المصري
في تعليقه على القرار صرّح وليد عادل، الخبير الاقتصادي والمصرفي، أنَّ توجيه الرئيس الأخير، باستبدال الرسوم التي كانت تفرضها الجهات والهيئات الحكومية المختلفة بضريبة إضافية موحدة تُحسب على صافي أرباح الشركات، يُمثّل تحولًا هيكليًا كبيرًا في النظام الضريبي المصري، يهدف إلى تعزيز الشفافية وتبسيط الإجراءات المالية، بما يُسهّل مناخ الأعمال ويُحفز الاستثمار المحلي والأجنبي.
وأوضح عادل أن الوضع القائم قبل هذا التوجيه كان يشهد قيام جهات وهيئات حكومية مثل الهيئة العامة للتنمية الصناعية، وهيئة المجتمعات العمرانية، وهيئة قناة السويس، وغيرها، بفرض رسوم أو مقابل خدمات على الشركات والمستثمرين، وكانت هذه الرسوم تتخذ أشكالاً متعددة، تشمل رسوم التراخيص والتشغيل والصيانة، وأحيانًا نسبًا من الأرباح، أو مبالغ مالية ثابتة تُدفع سنويًا أو عند انطلاق المشروع.
هذه الطريقة أدت إلى حالة من التشتت المالي داخل الشركات، حيث كانت تُجبر على التعامل مع جهات متعددة ذات أنظمة مختلفة للرسوم، مما أسفر عن صعوبة التنبؤ بالتكاليف الحقيقية للمشروعات، وزيادة احتمالية الازدواج الضريبي، فضلًا عن تفاوت تطبيق الرسوم من جهة لأخرى، وهو ما فتح المجال أمام بعض أشكال الفساد الإداري.
اقرأ أيضًا: ضريبة الشركات والحالات التي يتم الإعفاء منها
تفاصيل قرار إلغاء الرسوم المتعددة
أشار عادل إلى أن التوجيه الجديد يقضي بإلغاء الرسوم المنفصلة التي كانت تُفرض من قبل كل جهة، واستبدالها بضريبة إضافية موحدة تُحسب على صافي الربح، وتضاف إلى ضريبة الدخل العادية التي تسددها الشركات.
وبموجب هذا النظام، لن تضطر الشركات إلى دفع رسوم مباشرة للجهات المختلفة، بل ستقوم بدفع ضريبة واحدة إلى مصلحة الضرائب، بينما تحصل الجهات الحكومية المعنية على نسبتها من خلال وزارة المالية، وليس من الشركات مباشرة، وهذا يُعد نقلة نوعية في أسلوب إدارة الموارد المالية الحكومية.
رغم وضوح التوجه العام، إلا أن هناك بعض النقاط التي لم يتم الإعلان عنها بعد، ولا تزال بحاجة إلى توضيح من الجهات الرسمية؛ أبرزها النسبة المئوية التي ستُطبق في الضريبة الإضافية الموحدة، وفيما إذا كان سيتم تطبيق القرار على جميع القطاعات الاقتصادية أم ستُستثنى بعض الأنشطة كما لم يُحدد بعد متى سيتم بدء التطبيق الفعلي لهذا النظام.
تعرّف أيضًا إلى التفاصيل المتعلّقة بضريبة الدخل في مصر
أهداف القرار في تبسيط النظام الضريبي
أوضح الخبير، أن الهدف الأساسي من هذا القرار هو تبسيط النظام الضريبي المصري، وتوفير مناخ أكثر شفافية وعدالة للمستثمرين، خصوصًا الأجانب الذين كانوا يجدون صعوبة في فهم النظام المتعدد والمتشعب للرسوم.
إضافة إلى ذلك، يسعى القرار إلى ضمان كون الضريبة مرتبطة بالأرباح الفعلية للشركات، وليس بناءً على رسوم ثابتة أو عشوائية، ما يُحقق عدالة ضريبية حقيقية، كما أنّه يُسهم في تقليل فرص الفساد المرتبطة بتحصيل الرسوم، ورفع كفاءة تحصيل الدولة لإيراداتها بشكل أكثر تنظيمًا.
تأثير القرار على السوق المحلي
فيما يتعلق بأثر هذا القرار على السوق المحلي، أكد الخبير أن هذا التوجيه سيساهم بشكل مباشر في تحسين مناخ الأعمال داخل مصر؛ فالنظام القديم كان معقدًا وغير واضح، مما جعل الكثير من المستثمرين المحليين يشتكون من الرسوم المفروضة فجأة والتي تُربك دراسات الجدوى، في حين أنّ النظام الجديد يمنح المستثمرين صورة أوضح عن التكاليف المستقبلية، مما يساهم في تحسين التخطيط المالي والاستثماري.
إضافة إلى ذلك، ستستفيد الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي غالبًا ما تعمل بهوامش ربح محدودة، من النظام الضريبي الجديد، إذ ستدفع الضرائب استنادًا إلى أرباحها الفعلية بدلاً من الالتزام برسوم ثابتة كانت تُفرض عليها حتى في حالات الخسارة.
ومن شأن هذا التحول أن يُعزز من الالتزام الضريبي، إذ كلما كانت القوانين الضريبية أكثر وضوحًا وبساطة، ازداد استعداد الشركات للامتثال لها، كما أنّ تقليص الحاجة إلى التعامل مع جهات متعددة يقلل من فرص التهرب الضريبي ويحد من احتمالات الفساد.
تأثير القرار على الاستثمار الأجنبي
أما على مستوى الاستثمار الأجنبي، فقد أشار وليد عادل إلى أن هذا القرار يرفع من جاذبية مصر كوجهة استثمارية، خاصةً أن المستثمر الأجنبي يبحث دائمًا عن بيئة شفافة ومستقرة وسهلة الفهم من الناحية الإدارية والمالية، وبهذا الشكل فإنّ النظام الجديد يُعتبر إصلاحًا هيكليًا يُسهم في إزالة واحدة من أكبر العقبات التي كان يواجهها المستثمرون في مصر، وهي غموض الرسوم وتعدد مصادرها.،
ومن المتوقّع أن يُسهم القرار في تحسين ترتيب مصر في المؤشرات الدولية مثل مؤشر “سهولة ممارسة الأعمال” الصادر عن البنك الدولي، وهو ما سينعكس مباشرة على حجم ونوعية الاستثمارات الواردة، فضلًا عن أنّ ربط الضريبة بالأرباح الفعلية يُشجّع الاستثمارات طويلة الأجل، حيث يشعر المستثمر بمزيد من الأمان لأنه لن يدفع إلا عندما يُحقق أرباحًا فعلية.
أثر القرار علة موارد الدولة
يرى الدكتور وليد أن الدولة ستحقق تحصيلًا أكثر عدالة وكفاءة من خلال مصلحة الضرائب، إذ سيُصبح التحصيل مركزيًا ومنظّمًا ويقلل من فرص التهرب أو الهدر المالي، كما أن زيادة الاستثمارات والنشاط الاقتصادي المتوقع نتيجة هذا النظام ستُسهم على المدى الطويل في زيادة الإيرادات العامة، من خلال ضريبة تعتمد على أداء الشركات، وليس على رسوم غير متناسبة مع حجم أعمالها.
اقرأ أيضًا: إصلاحات ضريبية جديدة في مصر لدعم المشروعات الصغيرة
التحديات المتوقعة وكيفية التعامل معها
رغم الإيجابيات المتعددة التي ذُكرت، حذّر وليد عادل من بعض التحديات المحتملة التي يجب على الدولة معالجتها بفعالية لضمان نجاح النظام الجديد، أولها هو كيفية تقدير صافي الربح بدقة، إذ قد تلجأ بعض الشركات إلى تقليل أرباحها المحاسبية للتهرب من الضريبة، ما يستدعي وجود آليات رقابية صارمة وشفافة.
ثانيًا، أشار الخبير الاقتصادي إلى أن بعض الهيئات الحكومية التي كانت تعتمد بشكل مباشر على رسوم الخدمات كمصدر لتمويل أنشطتها قد تُبدي اعتراضًا أو مقاومة، ما يتطلب من الدولة أن توفر بدائل تمويل مناسبة لها من خلال الموازنة العامة.
واختتم وليد عادل تصريحاته بالتأكيد على أن هذا القرار يُعد خطوة إصلاحية كبيرة باتجاه نظام اقتصادي أكثر عدالة وشفافية، وأن نجاحه يعتمد على كيفية تطبيقه ومتابعته، مشددًا على أن هذه السياسة المالية، إذا نُفذت بشكل دقيق وفعّال، فإنها ستُسهم في جذب مزيد من الاستثمارات، وتوسيع النشاط الاقتصادي، وتحسين صورة الاقتصاد المصري على المستويين الإقليمي والدولي.
قد يهمّك أيضًا: جدل ضريبة الهواتف الجمركية.. حماية التصنيع أم عبء اقتصادي؟
