اقتصادات عربية

    قرار الفائدة في مصر.. كيف تجنب المركزي صدمة جديدة للاقتصاد؟

    •آخر تحديث •4 دقائق
    قرار الفائدة في مصر.. كيف تجنب المركزي صدمة جديدة للاقتصاد؟

    قررت لجنة السياسة النقدية  بالبنك المركزي المصري خلال اجتماعها المنعقد الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، في إطار توجه البنك المركزي لمواصلة السياسة النقدية الحذرة في ظل التطورات الاقتصادية العالمية والتحديات التضخمية الراهنة، كما أعلنت تثبيت سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19.00%، وسعر عائد الإقراض لليلة واحدة عند 20.00%، فيما تم الإبقاء على سعر العملية الرئيسة للبنك المركزي عند 19.50%.

    وقررت اللجنة أيضًا تثبيت سعر الائتمان والخصم عند مستوى 19.50%، بما يعكس استمرار توجه البنك المركزي نحو الحفاظ على استقرار السياسة النقدية ومراقبة تطورات الأسواق المحلية والعالمية من كثب.

    وأوضح البنك المركزي أن قرار تثبيت أسعار الفائدة جاء متسقًا مع تقييم لجنة السياسة النقدية لآخر تطورات معدلات التضخم وتوقعاتها المستقبلية، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تهيمن على البيئة الاقتصادية الخارجية نتيجة التوترات الجيوسياسية العالمية وتقلبات أسعار الطاقة والسلع وأسواق المال الدولية.

    ويأتي القرار في وقت تواصل فيه لجنة السياسة النقدية متابعة تداعيات التطورات الاقتصادية العالمية على الأسواق الناشئة، بما في ذلك تحركات أسعار الفائدة العالمية، وتطورات سعر الصرف، ومستويات السيولة والتضخم، إلى جانب تأثير التوترات الإقليمية الحالية على الأسواق الدولية.

    ويعكس تثبيت أسعار الفائدة توجه البنك المركزي لتحقيق التوازن بين احتواء الضغوط التضخمية والحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي ودعم معدلات النمو، في ظل استمرار حالة الترقب بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي والسياسات النقدية الدولية خلال الفترة المقبلة.

    الدوافع الاقتصادية لقرار تثبيت الفائدة في مصر

    في تعليقه على القرار، أكد الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، أنّ قرار البنك المركزي المصري بتثبيت أسعار العائد عند 19% للإيداع و20% للإقراض لا يمكن اعتباره قرارًا تقليديًا، وإنما يعكس إدارة دقيقة ومعقدة للتوازن بين ثلاثة ضغوط اقتصادية رئيسة تتمثل في احتواء التضخم، والحفاظ على استقرار الجنيه، وتجنب زيادة أعباء الدين العام.

    وقال شوقي إن البنك المركزي يدرك أن أي رفع جديد في أسعار الفائدة سيؤدي بصورة مباشرة إلى زيادة تكلفة خدمة الدين المحلي، خاصة في ظل وصول الدين المحلي إلى مستويات مرتفعة، موضحًا أن زيادة أسعار الفائدة بنسبة 1% فقط قد تضيف أكثر من 140 مليار جنيه إلى أعباء الموازنة العامة للدولة.

    وأشار إلى أن الحكومة تُعد أكبر مقترض من القطاع المصرفي المصري، وبالتالي فإن أي زيادة في أسعار الفائدة تنعكس بشكل مباشر على تكلفة الاقتراض الحكومي، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى توجيه مواردها نحو الاستثمار والإنفاق الاجتماعي والحماية الاجتماعية، بدلاً من توجيه الجزء الأكبر من الإنفاق العام إلى فوائد الدين التي تمثل بالفعل النسبة الأكبر من مصروفات الموازنة.

    وأضاف الخبير الاقتصادي أن خفض أسعار الفائدة في الوقت الحالي لم يكن خيارًا آمنًا أيضًا، نظرًا لاستمرار الضغوط التضخمية، خاصة مع تحرك معدلات التضخم قرب مستوى 15% وفق أحدث بيانات البنك المركزي، إلى جانب استمرار التوترات الجيوسياسية العالمية وتقلبات أسعار الطاقة والشحن، وهو ما كان قد يفتح الباب أمام موجة تضخمية جديدة ويزيد الضغوط على سعر صرف الجنيه.

    وأوضح شوقي أن البنك المركزي اختار ما وصفه بـ “منطقة التوازن الذكي”، بحيث يتجنب رفع الفائدة بما يضغط على الموازنة العامة ويزيد تكلفة الدين، وفي الوقت نفسه يتفادى خفضها بصورة سريعة قد تؤدي إلى عودة التضخم والتأثير سلبًا على استقرار سوق الصرف.

    اقرأ أيضًا: إصدار عملة 2 جنيه في مصر.. هل يحل أزمة الفكة ويواكب التضخم؟

    التحول الهيكلي في إدارة المخاطر النقدية

    أكد شوقي أنّ القرار يعكس تحولًا واضحًا في فلسفة السياسة النقدية داخل مصر، من سياسة “العلاج بالصدمة” إلى “الإدارة المرنة للمخاطر”، خاصة بعد دورة التشديد النقدي التاريخية التي شهدها السوق خلال 2024، عندما وصلت أسعار الفائدة إلى مستويات قاربت 27%، قبل أن يبدأ البنك المركزي مسار التراجع التدريجي خلال عامي 2025 و2026.

    وأشار إلى أن تثبيت أسعار الفائدة يمنح البنوك والقطاع الخاص فرصة أفضل لإعادة ترتيب تكلفة التمويل، كما يحافظ في الوقت نفسه على جاذبية أدوات الدين المحلية أمام المستثمرين الأجانب، وهو عنصر حيوي لدعم استقرار سوق الصرف وتعزيز الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية.

    وأضاف أن القرار يحمل رسالة واضحة للأسواق مفادها أن الأولوية الحالية للبنك المركزي تتمثل في الحفاظ على استقرار الجنيه، ودعم تدفقات الاستثمار غير المباشر، دون خنق النشاط الاقتصادي أو تحميل الموازنة العامة أعباء إضافية في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية المضطربة.

    ومن ناحية أُخرى، أوضح شوقي أن الرسالة الأهم من قرار تثبيت الفائدة تتمثل في أن البنك المركزي لم يعد يستهدف فقط خفض معدلات التضخم، بل أصبح يركز على إدارة التوازن بين استقرار الأسعار، واستدامة المالية العامة، واستقرار سوق النقد الأجنبي، في توقيت يشهد تقلبات عالمية حادة وعدم يقين اقتصادي واسع.

    وأكد أن القرار جاء رغم توقعات بعض المؤسسات المالية الدولية باتجاه البنك المركزي نحو رفع أسعار الفائدة في مصر، وهو ما يعكس ثقة البنك المركزي في مسار التضخم الحالي، وقدرته على إدارة مستويات السيولة وتحركات الأسواق بصورة أكثر مرونة وكفاءة.

    واختتم الدكتور أحمد شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تفرض أولوية واضحة تتمثل في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، مشيرًا إلى أن السياسة النقدية لم تعد تعتمد فقط على أدوات الرفع أو الخفض التقليدية للفائدة، وإنما أصبحت تركز بصورة أكبر على تحقيق التوازن بين النمو والاستقرار المالي والنقدي في بيئة عالمية شديدة التعقيد والتقلب.

    إقرأ أيضًا: موديز تثبت تصنيف مصر عند Caa1 وتحذر من تحديات الديون والسيولة