يعقد البنك المركزي المصري اجتماعه الرابع لهذا العام لحسم أسعار الفائدة الأساسية، وذلك بعد أن أبقى عليها دون تغيير في اجتماعه السابق. وتتجه الأنظار إلى مقر البنك المركزي وسط ترقب واسع لقرار اللجنة؛ إذ تبلغ أسعار الفائدة الحالية مستويات قياسية هي الأعلى تاريخياً في مصر عند 27.25% للإيداع و28.25% للإقراض، وسط انقسام وتفاوت في تقديرات الخبراء بين سيناريوهات التثبيت الحذر أو البدء في خفض تدريجي.
الغالبية ترجح "التثبيت" الحذر
تميل أغلب توقعات الخبراء والمحللين إلى اتخاذ البنك المركزي قراراً بالإبقاء على أسعار الفائدة الحالية دون تغيير. وفي هذا الصدد، يتوقع الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح أن تتجه اللجنة نحو سيناريو التثبيت، معللًا ذلك بقوله: ""تشير المعطيات الحالية إلى تفضيل التثبيت، لا سيما مع تباطؤ التضخم السنوي في الحضر ليتراجع إلى 27.5%، نزولاً من ذروته التاريخية التي اقتربت من حاجز 40%".
ويُضيف: "توجهات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنوك المركزية العالمية الأخرى تعطي مؤشرات هامة لاتجاهات السياسة النقدية عالمياً، وهي عوامل تلقي بظلالها مباشرة على القرار المحلي".
اقرأ أيضًا: الدعم في مصر.. أيهما الأفضل النقود أم السلع؟
سحب 3 تريليونات جنيه لمواجهة التضخم
يوضح الخبير المصرفي الدكتور أحمد شوقي أن استقرار الأسعار وخفض فجوة التضخم والإنتاج يمثلان الهدف الأسمى للسياسة النقدية، تزامناً مع التحول لنظام استهداف التضخم المرن وتحرير سوق الصرف.
وقد نجح البنك المركزي في كبح جماح التضخم العام والأساسي عبر حزمة أدوات تقييدية شملت:
امتصاص فائض السيولة: سحب نحو 3 تريليونات جنيه من السوق عبر عطاءات البنوك والمؤسسات المالية خلال الأشهر الثلاثة الماضية، مما يحد من قدرة البنوك على التوسع الائتماني المفرط ويقلص المعروض النقدي.
الفائدة المرتفعة: الحفاظ على مستويات العائد التقييدية بعد رفعها بمقدار 8% منذ مطلع العام، مما ضيق الفجوة بين معدلات التضخم وأسعار الفائدة.
ويؤكد شوقي أن استمرار السياسة التشددية يدعم التثبيت؛ نظراً لأن خفض الفائدة المتسرع قد يزيد من سلبية الفائدة الحقيقية التي بدأت تقترب من النطاق الإيجابي، في حين أن أي رفع إضافي للفائدة سيترجم فورياً إلى أعباء ثقيلة على الموازنة العامة للدولة؛ إذ يُقدر أن كل رفع بنسبة 1% يزيد من كلفة خدمة الدين العام بنحو 75 إلى 80 مليار جنيه.
اقرأ أيضًا: أزمة الطاقة في مصر تنهك الاقتصاد
اقتصاد في "مرحلة النقاهة" وتحركات أسعار الطاقة
يتفق الخبير المصرفي، الدكتور محمد الشوربجي، مع ضرورة التريث، لافتاً إلى أن المؤشرات الكلية شهدت تحسناً ملموساً؛ حيث تراجع التضخم، واستقر سعر الصرف، بالتوازي مع قفزة الاحتياطي الأجنبي إلى 46.3 مليار دولار.
ويُتابع د. محمد الشوربجي: "على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، إلا أن خفض أسعار الفائدة مستبعد حالياً؛ فالاستقرار لا يزال حديثاً والاقتصاد يمر بـ 'مرحلة نقاهة' ولم يتعافَ كلياً من الضغوط التضخمية. يضاف إلى ذلك ترقب الأسواق لتحركات هيكلية مرتقبة في أسعار حوامل الطاقة والكهرباء والمحروقات ضمن خطط إصلاح الدعم، وهو ما قد يولد صدمات تضخمية مؤقتة تستدعي من المركزي الإبقاء على حذره".
ويتطابق هذا التوجه مع رؤية الباحث الاقتصادي كريم عادل، الذي يرجح التثبيت متوقعاً بقاء التضخم في نطاق يتراوح بين 25% و30% خلال الأشهر المقبلة متأثراً بإعادة هيكلة الدعم، مع استقرار سعر صرف الجنيه مقابل الدولار بين 49 و50 جنيهاً، مستبعداً بدء دورة خفض الفائدة قبل نهاية العام الجاري أو مطلع العام المقبل.
سيناريو التيسير النقدي
على النقيض من تيار التثبيت، يتبنى الخبير المصرفي ماجد فهمي رؤية مغايرة؛ إذ يتوقع أن تفاجئ لجنة السياسة النقدية الأسواق بقرار خفض أسعار الفائدة بنحو 2%. ويبني فهمي توقعه على عدة ركائز:
التراجع المتواصل لمعدلات التضخم السنوية على مدار الأشهر الماضية لتسجل أدنى مستوياتها في نحو عام ونصف.
التدفقات القوية لرؤوس الأموال الأجنبية نحو أدوات الدين المحلية (الأموال الساخنة) نتيجة استعادة الثقة واستقرار الجنيه.
القناعة بأن دورة التقييد النقدي العنيفة (التي شملت رفع الفائدة بنسبة 11% منذ مارس من العام الماضي) قد أدت غرضها تماماً في سحب القوة الشرائية الفائضة وتهدئة الأسواق.
وترهن لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي قراراتها دائماً بمعدلات التضخم المتوقعة مستقبلاً وليس المعدلات السائدة حالياً، مؤكدة التزامها الكامل باستخدام جميع أدواتها النقدية المتاحة لضمان تقارب التضخم مع مستهدفاته على المدى المتوسط بشكل مستدام.
اقرأ أيضًا: الحكومة الجديدة في مصر.. تحديات وآمال اقتصادية
