تقارير اقتصادية

    قبضة الدولار تكسر الاقتصادات الضعيفة

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •3 دقائق
    قبضة الدولار تكسر الاقتصادات الضعيفة

    تقرير: باسل محمود

    باتت قوة الدولار الأمريكي تشكّل تهديداً مباشراً للاستقرار المالي العالمي وضغطاً متزايداً على الاقتصادات الناشئة؛ هذا هو التحذير الأبرز الذي أطلقه صندوق النقد الدولي على لسان مديرته العامة، كريستالينا غورغييفا، واضعاً صناع السياسة النقدية حول العالم في مواجهة تحديات معقدة.

    حلقة مفرغة بين كلفة الاستيراد وضغوط الفائدة

    في هذا السياق، يوضح هيثم الجندي، محلل أسواق المال في شركة "تي ماتريكس" للاستشارات المالية، أن الصعود المستمر للعملة الخضراء أصبح مبعث قلق بالغ، لا سيما للدول النامية التي تعتمد بشكل مكثف على الاستيراد؛ إذ تتسبب قوة الدولار في رفع تكاليف السلع المستوردة، مما يؤجج الضغوط التضخمية ويُنهك العملات المحلية.

    وأضاف الجندي أن هذا المأزق يجبر البنوك المركزية على رفع معدلات الفائدة محلياً، وهو إجراء ينتهي بخنق النمو الاقتصادي والاستثمار، وتآكل احتياطيات النقد الأجنبي، مُدخلاً هذه الدول في حلقة مفرغة يتعذر الإفلات منها.

    كما بيّن الجندي أن تسارع مكاسب الدولار يضغط بصفة خاصة على الدول المثقلة بالديون، والتي تجد صعوبة بالغة في الولوج إلى أسواق الدين الدولية للاقتراض أو الوفاء بالتزاماتها، مما ينعكس سلباً على استقرارها الاجتماعي.

    ويتزامن هذا التحليل مع تسجيل مؤشر الدولار ارتفاعاً تجاوز 103 نقاط، متخطياً المستويات المسجلة في مطلع عام 2024 والتي كانت تقف عند 102.2 نقطة.

    من جانبه، يتفق عاصم منصور، رئيس أبحاث السوق في شركة "OW Markets"، مع هذا الطرح، مؤكداً أن ارتدادات قوة الدولار تظهر بوضوح في مستويات التضخم العالمية، حيث ترفع من قيمة السلع والخدمات المصدرة من الولايات المتحدة، وتضاعف أعباء الدول المثقلة بالديون الخارجية نتيجة الارتفاع التلقائي في القيمة الحقيقية لتلك الديون مقومة بالعملة الأمريكية.

    اقرأ أيضًا: الدولار ملك العملات

    "الاستثنائية الأمريكية" ومصير أسعار الفائدة

    يعزو هيثم الجندي صمود الدولار إلى ما يُعرف بـ "الاستثنائية الأمريكية"، والمتمثلة في تحقيق الولايات المتحدة لمعدلات نمو سريعة مقارنة بنظرائها من الدول المتقدمة. وتستند هذه الاستثنائية إلى سياسات مالية توسعية مُمولة في أغلبها بالدين، مما أبطل أثر الزيادات الحادة لأسعار الفائدة التي أقرها مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ودفع الأخير لإبقاء تكاليف الاقتراض عند ذروتها في عقدين لفترة أطول مما كان متوقعاً.

    في المقابل، يرى عاصم منصور أن الارتفاع الراهن يرجع أساساً إلى انحسار توقعات الأسواق بشأن لجوء الفيدرالي الأمريكي لخفض الفائدة لمرات متعددة هذا العام، وذلك مدفوعاً بمعاودة معدلات التضخم الصعود خلال الأشهر الأخيرة، لتستقر التوقعات الحالية عند خفض وحيد لأسعار الفائدة بحلول نهاية العام الجاري.

    اقرأ أيضًا: سر هيمنة الدولار: النفط والجيش ومعادلة البترودولار

    تداعيات هيكلية على موازنات الدول الناشئة

    يرى منصور أن الدول الناشئة تواجه معضلة حقيقية في امتصاص صدمات العملة الخضراء نتيجة لغياب مرونة أسعار الصرف، والارتفاع الحاد في معدلات الفائدة المحلية، مما يقلص هوامش المناورة لديها، لا سيما في الدول المعتمدة على التصدير السلعي؛ نظراً لوجود علاقة عكسية تاريخية بين قيمة الدولار وحجم التجارة السلعية العالمية.

    وأشار منصور إلى أن مؤشر الدولار حقق مكاسب بنسبة 3% منذ بداية العام، مستشهداً بالإحصاءات الاقتصادية التي تفيد بأن استمرار الصعود حتى نسبة 10%، سيتسبب في تراجع معدلات الإنتاج في الدول الناشئة بنحو 1.9% بعد عام من حدوثه، فضلاً عن احتمالية اتساع عجز الموازنة العامة لهذه الدول بنسبة 1% من ناتجها المحلي الإجمالي.

    بين الملاذ الآمن والذروة المؤقتة

    في ختام التحليل، يشير الجندي إلى أن الدولار لا يزال المستفيد الأكبر من مكانته التقليدية كـ "ملاذ آمن" في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية المتصاعدة عالمياً.

    بينما يتبنى منصور نظرة مغايرة على المدى المتوسط، مرجحاً أن تكون هذه الارتفاعات مؤقتة وغير مستدامة خلال العام المقبل 2025؛ نظراً لأن السياسة النقدية الأمريكية قد بلغت بالفعل ذروة التشديد، وأن المحطة التالية حتماً ستكون خفض أسعار الفائدة، وإن تأخرت بعض الشيء.

    اقرأ أيضًا: الدولار في 2025 يسجل أسوأ أداء سنوي منذ عام 2003