بعد الخسائر الحادة التي تكبدتها العملة الخضراء عقب القمة المسجلة في الثامن والعشرين من سبتمبر من العام الماضي، عاد نجم الدولار إلى اللمعان، مسجلًا أطول موجة مكاسب في تسع سنوات، في انعكاس واضح لتحولات عميقة في المشهد النقدي والاقتصادي العالمي.
جاء هذا الصعود مدعومًا أساسًا بتحركات الاحتياطي الفيدرالي الذي تمسك بسياسة نقدية متشددة، وأبقى الباب مفتوحًا أمام زيادات إضافية في أسعار الفائدة، مع الإشارة إلى إبقائها عند أعلى مستوياتها في عشرين عامًا لفترة أطول من المتوقع، حتى تتم السيطرة على التضخم. كما عزز الأداء القوي للاقتصاد الأمريكي هذا الاتجاه، بعدما سجل نموًا بنسبة 4.9% في الربع الثالث، متجاوزًا التوقعات ومؤكدًا متانة الطلب المحلي.
الفائدة.. العدو الأول للسندات
مع كون أسعار الفائدة تمثل الخصم المباشر لأسواق السندات، كان لتشديد السياسة النقدية أثر بالغ القسوة؛ إذ ارتفعت عوائد السندات الأمريكية إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2007، فيما بلغت العوائد الألمانية أعلى مستوياتها في 12 عامًا، وقد عززت هذه القفزة في العوائد جاذبية الدولار الذي بات يُنظر إليه كأحد أبرز الأصول الآمنة في ظل اضطراب الأسواق.
في السياق ذاته، توقعت وزيرة الخزانة الأمريكية استمرار الفائدة المرتفعة لفترة ممتدة، مستندة إلى قوة الاقتصاد المحلي وارتفاع معدلات الإنفاق، مدفوعة بنمو الأجور بوتيرة فاقت التوقعات.
تداعيات هيمنة الدولار الأمريكي
مكاسب الدولار وضعته في صدارة المشهد النقدي العالمي، بينما تراجعت العملات المنافسة؛ إذ يتجه اليورو نحو أطول سلسلة خسائر أسبوعية في تاريخه، فيما هبط الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوى في ستة أشهر عقب قرار بنك إنجلترا المفاجئ بتثبيت الفائدة، كما تعرض الذهب لضغوط بيعية قوية دفعت الأونصة إلى كسر مستوى 1900 دولار للمرة الأولى خلال شهر.
ولا تقتصر تداعيات صعود الدولار على أسواق العملات فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي ككل؛ إذ يؤدي ارتفاعه إلى زيادة كلفة الواردات، والضغط على القدرة التنافسية للشركات، ورفع أعباء خدمة الديون على الدول التي تقترض أو تسدد التزاماتها بالدولار.
كما تلقى الدولار دعمًا إضافيًا من التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، حيث دفعت حرب غزة واحتمالات اتساع نطاقها المستثمرين إلى تقليص تعرضهم للأصول عالية المخاطر والتوجه نحو الملاذات الآمنة، وفي مقدمتها الدولار والذهب. في المقابل، أسهم توقف البنك المركزي الأوروبي عن رفع الفائدة في توسيع الفجوة بين العوائد الأمريكية والأوروبية، ما عمّق خسائر اليورو وزاد من زخم العملة الأمريكية.
تجدر الإشارة إلى أن هذا التقرير صدر في 28 أكتوبر 2023، وأن البيانات الواردة فيه قابلة للتغير باستمرار تبعًا لتطورات الأسواق والأحداث الجيوسياسية
اقرأ أيضًا: الدولار الأمريكي يسقط أمام العملات الرئيسة
