سجلت ليبيا فائضاً في الميزان التجاري بلغ نحو 6.3 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى نهاية يوليو 2026، مدفوعاً بالصادرات النفطية التي ظلت المصدر الرئيس للعملة الأجنبية في البلاد. وبلغ إجمالي الصادرات نحو 17.9 مليار دولار، مقابل واردات سلعية قيمتها 11.6 مليار دولار، بحسب بيانات أعلنتها وزارة الاقتصاد والتجارة.
وتكشف الأرقام عن أن الصادرات غطت واردات السلع بفارق مريح خلال الأشهر السبعة الأولى من العام. ويظل هذا الرقم خاصاً بتجارة السلع، فلا يشمل المدفوعات الخارجية الأخرى، ولا يحدد بمفرده حجم النقد الأجنبي المتاح للمصارف أو للموازنة.
الفائض التجاري لا يساوي رصيد الحساب الجاري
الميزان التجاري يقيس حركة السلع فقط؛ أي قيمة ما تصدره ليبيا وما تستورده من منتجات ومحروقات ومعدات وغذاء، أما استخدامات النقد الأجنبي الأخرى مثل مخصصات الأغراض الشخصية، وإنفاق القطاع العام في الخارج، وخدمات النقل والتأمين والتحويلات والمدفوعات الخدمية فتدخل في حسابات أوسع ضمن ميزان المدفوعات والحساب الجاري.
هذا التمييز مهم في الحالة الليبية؛ فالفائض البالغ 6.3 مليار دولار يعكس نتيجة إيجابية في تجارة السلع، لكنه لا يحدد وحده حجم الزيادة في الاحتياطيات أو مقدار السيولة الدولارية المتاحة في السوق، والوزارة نفسها أوضحت أن الرقم لا يشمل تلك الاستخدامات الأخرى للنقد الأجنبي.
كما أن ارتفاع الواردات لا يحمل بالضرورة دلالة سلبية بمفرده، لأن جانباً منها يرتبط بتأمين الوقود والسلع الأساسية ومدخلات الإنتاج، في حين أن ما يهم هو قدرة الاقتصاد على تمويل هذه الاحتياجات بصورة منتظمة، ومن خلال قنوات مصرفية واضحة دون أن تتحول إلى ضغط إضافي على سعر الصرف أو السوق الموازية.
اقرأ أيضًا: "أولا إنرجي" الليبية تعزز حضورها في إثيوبيا بصفقة مع "توتال"
إيرادات نفط ليبيا تجاوزت المستهدف
أظهرت بيانات وزارة الاقتصاد أن إيرادات الصادرات النفطية بالنقد الأجنبي بلغت نحو 15.2 مليار دولار خلال النصف الأول من العام، متجاوزة المستهدف البالغ نحو 14 مليار دولار بنسبة 11.5%، كما بلغت إيرادات الميزانية العامة من تصدير النفط الخام 96.8 مليار دينار، مقابل مستهدف قدره 89.7 مليار دينار.
وسجل إنتاج النفط الخام 246 مليون برميل بين يناير ويونيو، مقابل مستهدف قدره 252 مليون برميل. ورغم ذلك، تجاوزت إيرادات التصدير المستهدف المحدد للنصف الأول، ولم توضح الوزارة في بيانها العناصر التي أسهمت في هذا الأداء المالي.
أما على مستوى الإنتاج اليومي؛ فقد أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في 21 يونيو وصول إنتاج الخام إلى 1.4 مليون برميل يومياً، إضافة إلى 49.2 ألف برميل من المكثفات، ليصل إجمالي الإنتاج إلى نحو 1.488 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى تسجله المؤسسة منذ 2013، علمًا أن المؤسسة تستهدف بلوغ 1.5 مليون برميل يومياً من الخام قبل نهاية 2026.
فاتورة الوقود تستهلك جزءاً كبيراً من العائدات
بلغت واردات المحروقات نحو 4.3 مليار دولار حتى نهاية يوليو، أي ما يعادل نحو 40% من إجمالي الواردات السلعية خلال الفترة. كما بلغت واردات القطاع الخاص عبر الاعتمادات المستندية نحو 6.98 مليار دولار، ما يوضح أن فاتورة الوقود وتمويل التجارة الخاصة شكلا معظم الإنفاق على استيراد السلع.
وتظهر بيانات المؤسسة الوطنية للنفط كيف تتداخل إيرادات التصدير مع تمويل احتياجات السوق المحلية، ففي أبريل بلغ ما حُوّل إلى الحساب السيادي لدى المصرف الليبي الخارجي من إيرادات النفط نحو 2.83 مليار دولار، قبل خصم قيمة اعتمادات توريد المحروقات، ليُحال رصيد قدره 1.91 مليار دولار إلى مصرف ليبيا المركزي. هذه الأرقام تخص شهر أبريل وحده، لكنها توضح أن جزءاً من حصيلة النفط يذهب مباشرة إلى تغطية اعتمادات استيراد المحروقات، قبل تحويل الرصيد المتبقي إلى مصرف ليبيا المركزي.
ولهذا وضعت وزارة الاقتصاد -بالتنسيق مع مصرف ليبيا المركزي ووزارة التخطيط- موازنة استيرادية استرشادية لعام 2026 تستهدف ترتيب أولويات التوريد وضبط الطلب على النقد الأجنبي، مع تبسيط الإجراءات أمام الموردين الملتزمين.
اطّلع أيضًا على: كنوز ليبيا المفقودة
مستقبل الفائض التجاري وتوصيات صندوق النقد
النتيجة الإيجابية حتى يوليو تمنح ليبيا هامشاً أفضل لتمويل الواردات، لكنها تبقي الاقتصاد شديد الارتباط بقدرة قطاع النفط على الإنتاج والتصدير دون انقطاعات، ولهذا تبحث المؤسسة الوطنية للنفط مع المصرف الليبي الخارجي تمويل مشروعات لتطوير البنية التحتية وزيادة السعات التخزينية، إلى جانب مشروعات تستهدف رفع الكفاءة التشغيلية والإنتاج.
صندوق النقد الدولي كان قد أشار في آخر مشاوراته مع ليبيا إلى أن قطاع النفط يظل العامل الأكثر تأثيراً في النشاط الاقتصادي والحساب الخارجي والمالية العامة، وأن فاتورة الواردات الكبيرة تجعل البلاد معرضة لتقلبات أسعار النفط، أو أي اضطراب في الإنتاج. كما أنه دعا إلى ميزانية موحدة، وضبط الإنفاق الجاري، خاصة الأجور ودعم الطاقة، مع توسيع الإيرادات غير النفطية.
ورغم أنّ الفائض التجاري الحالي يعكس قوة الصادرات خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، لكنه لا يكفي وحده للحكم على الوضع المالي أو النقدي للاقتصاد الليبي، فالصورة الأوسع ستتحدد بما يحدث للإنتاج النفطي، وكلفة استيراد الوقود، وحجم الاعتمادات المستندية، وقدرة المؤسسات على إدارة الإيرادات والإنفاق ضمن إطار مالي واضح.
قد يهمّك أيضًا: خطة لتطوير صادرات النفط العراقي وتفادي مضيق هرمز
