اقتصادات عربية

    عودة الأموال الساخنة تقود الجنيه المصري لأقوى أداء عالمي

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •7 دقائق
    عودة الأموال الساخنة تقود الجنيه المصري لأقوى أداء عالمي

    سجلت تعاملات العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي المصري (الأموال الساخنة) صافي شراء بلغ 6.96 مليار دولار منذ بداية يونيو الجاري، بحسب بيانات البورصة المصرية، في موجة تدفقات قوية دعمت صعود الجنيه المصري أمام الدولار.

    وأصبح الجنيه العملة الأفضل أداءً عالميًا، بعدما ارتفع بنحو 4% مقابل الدولار، متفوقًا على جميع العملات التي ترصدها “بلومبرج” حول العالم، كما صعد إلى ما دون مستوى 50 جنيهًا للدولار للمرة الأولى منذ 3 مارس.

    وفي تعليقه على تلك التطورات، قال الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، إن استعادة الجنيه المصري جزءًا كبيرًا من قوته خلال الأسابيع الأخيرة، وعودة الدولار إلى مستويات دون 50 جنيهًا، لا يمكن النظر إليهما باعتبارهما مجرد تحسن مؤقت مرتبط بتدفقات أجنبية قصيرة الأجل فقط، فهما يعكسان في الأساس نتائج إصلاحات اقتصادية وتعديلات هيكلية وتشريعية نفذتها الدولة المصرية على مدار فترة طويلة.

    نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي

    قال الشوربجي إن الاقتصاد المصري بدأ حاليًا "يجني ثمار برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي جرى تنفيذه بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، إلى جانب مجموعة من التعديلات التشريعية وتغييرات السياسات النقدية، وفي مقدمتها المرونة الكاملة التي بدأ البنك المركزي المصري في تطبيقها بسوق الصرف، وترك سعر الدولار أمام الجنيه يتحرك وفق آليات العرض والطلب".

    وأوضح أن هذه المرونة مثلت تحولًا مهمًا في إدارة سوق الصرف، إذ لم يعد سعر الدولار مثبتًا أو مُدارًا بصورة جامدة، بل أصبح يتحرك وفقًا لتدفقات النقد الأجنبي وحركة السوق، وهو ما ساعد الاقتصاد المصري على امتصاص صدمات شديدة مرت بها المنطقة خلال الأشهر الماضية.

    اقرأ أيضًا: أزمة الأموال الساخنة في مصر

    عودة الأموال الساخنة للسوق المصرية بعد تهدئة الشرق الأوسط

    أشار الشوربجي إلى أن بداية التوترات السياسية والحرب الإيرانية خلال النصف الأول من فبراير كان لها تأثير واضح على الأسواق الناشئة، ومن بينها السوق المصرية، موضحًا أن حجم الأموال الساخنة الموجودة آنذاك في أدوات الدخل الثابت المصرية وأدوات الدين الحكومية كان يقدر بنحو 15 مليار دولار.

    وأكد أن هذه الأموال خرجت تدريجيًا مع ارتفاع حدة التوترات في الشرق الأوسط، وهو ما تسبب في ضغوط على سعر الصرف، ودفع الدولار للصعود خلال تلك الفترة، إلا أن الاقتصاد المصري تعامل مع هذه الموجة بقدر كبير من المرونة دون العودة إلى سياسات تثبيت سعر الصرف أو خلق اختلالات كبيرة في السوق.

    وأضاف أنه مع بداية الهدنة في النصف الثاني من أبريل، بدأت الأموال الساخنة تعود مرة أخرى إلى السوق المصرية، حيث شهدت البلاد عودة ما يقرب من 5 إلى 7 مليارات دولار من الأموال التي خرجت خلال فترة التوترات، وهو ما عكس تحسن ثقة المستثمرين الأجانب في الاقتصاد المصري.

    ولفت إلى أن السوق شهدت خلال جلسة أو جلستين فقط عودة نحو 4 مليارات دولار دفعة واحدة، بالتزامن مع مزاد استثنائي أجرته وزارة المالية، معتبرًا أن هذه التطورات تؤكد أن ما يحدث ليس مجرد تحسن عابر، بل مؤشر على قوة اقتصاد استطاع امتصاص صدمات كبيرة في واحدة من أصعب الفترات التي مرت بها منطقة الشرق الأوسط.

    اقرأ أيضًا: هل تتراجع البورصة المصرية لسوق مبتدئة؟ الأبعاد والتداعيات

    تحويل الأموال الساخنة إلى فرص تنمية مستدامة

    قال الشوربجي إن قدرة الاقتصاد المصري على تجاوز هذه المرحلة تؤكد أن هناك تنمية أكثر استدامة بدأت تتشكل، وأن السوق لم تعد تتأثر بالصدمات بنفس الحدة التي كانت تظهر في سنوات سابقة، خاصة في ظل تحسن أدوات إدارة السياسة النقدية والمالية.

    وأضاف أنّ السؤال الأهم الآن لا يتعلق فقط بعودة الأموال الساخنة إلى أذون الخزانة، ولكن بكيفية تحويل هذه التدفقات قصيرة الأجل إلى استثمارات طويلة الأجل تساهم في التنمية الاقتصادية، وهو ما يتطلب استمرار تغيير الفكر الاقتصادي، وتعميق الإصلاحات التشريعية، وتحسين بيئة الاستثمار بصورة أكبر.

    وأوضح الشوربجي أن استدامة المشروعات التنموية، ووجود بيئة خصبة للاستثمار في مصر، وتحسين مناخ الأعمال، كلها عوامل قادرة على تحويل جزء من التدفقات قصيرة الأجل إلى استثمارات مباشرة وطويلة الأجل، خاصة إذا وجد المستثمر الأجنبي رؤية واضحة، وفرصًا محددة، وجدولًا زمنيًا معلنًا لتنفيذ الإصلاحات والمشروعات.

    اقرأ أيضًا: هل ينجح النمو الاقتصادي بمصر في استيعاب مستحقات صندوق النقد؟

    عودة تدريجية لمسار خفض أسعار الفائدة

    أشار الشوربجي إلى أن أسعار الفائدة لعبت دورًا مهمًا في المرحلة الأخيرة، موضحًا أنه مع بداية العام كانت هناك توقعات داخل السوق بأن يتجه البنك المركزي المصري لخفض أسعار الفائدة بنسب تتراوح بين 5% و6%، إلا أن زيادة حدة التوترات الجيوسياسية وارتفاع الضغوط التضخمية دفعا صناع السياسة النقدية إلى التحرك بحذر.

    وأضاف أن البنك المركزي خفض الفائدة بنحو 1% فقط، ثم اتجه بعد ذلك إلى تثبيت أسعار الفائدة لمراقبة تطورات التضخم، خاصة أن موجة التضخم لم تكن محلية فقط، بل امتدت إلى المنطقة العربية والعالم نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء واضطرابات سلاسل الإمداد.

    وتوقع الشوربجي أن يشهد الربع الأخير من العام عودة تدريجية لمسار خفض أسعار الفائدة، إذا واصلت معدلات التضخم التراجع واستقرت الأوضاع الإقليمية، مشيرًا إلى أن ذلك قد يتزامن مع استمرار الإقبال الكبير على السندات الحكومية وأذون الخزانة المصرية.

    مؤشرات تدفق النقد الأجنبي

    فيما يتعلق بتحويلات المصريين بالخارج، قال الشوربجي إن تسجيل التحويلات مستويات تاريخية تجاوزت 39 مليار دولار يعكس استعادة الثقة في الاقتصاد المصري والقنوات الرسمية، مؤكدًا أن الإصلاحات الاقتصادية ومرونة سعر الصرف أسهمتا بصورة مباشرة في عودة التحويلات إلى الجهاز المصرفي.

    وأوضح أن اختفاء السوق الموازية تقريبًا كان أحد أهم العوامل التي دفعت المصريين في الخارج إلى استخدام القنوات الشرعية والرسمية في تحويل أموالهم، بعدما أصبح سعر الصرف أكثر مرونة وعدالة، ولم يعد هناك فارق كبير أو مغرٍ بين السوق الرسمية والسوق غير الرسمية كما كان يحدث في فترات سابقة.

    من ناحية أخرى، أكد الشوربجي أن مرونة سعر الصرف لم تكن عاملًا مهمًا للمصريين بالخارج فقط، بل كانت أيضًا رسالة طمأنة للمستثمرين الأجانب، لأنها عكست التزام الدولة بسياسات اقتصادية أكثر واقعية وشفافية، وقدرتها على التعامل مع الأزمات دون خلق تشوهات في السوق.

    كما أشار إلى أن التزام الحكومة المصرية، خلال واحدة من أصعب فترات الاقتصاد، بسداد جميع المستحقات المتأخرة لشركات البترول الأجنبية، كان رسالة شديدة الأهمية للمستثمرين والمؤسسات الدولية، لأنه أكد قوة الاقتصاد المصري وجدية الدولة في الوفاء بالتزاماتها، الأمر الذي فتح الباب أمام مزيد من الاستثمارات في قطاع الطاقة.

    اقرأ أيضًا: التمويل الخارجي لمصر.. ماذا يعني العودة لسندات الساموراي؟

    مستهدفات وخطوات تمكين القطاع الخاص في مصر

    فيما يخص دور القطاع الخاص، قال الشوربجي إن إعلان الحكومة أن القطاع الخاص أصبح يساهم بأكثر من 65% من الاستثمارات المنفذة يعكس تحولًا مهمًا في هيكل الاقتصاد المصري، ويؤكد أن خطة الدولة لتمكين القطاع الخاص بدأت تظهر على أرض الواقع.

    وأوضح أن الدولة بدأت بالفعل في التخارج من عدد من المشروعات والشركات، وليس مجرد الإعلان عن نية التخارج، مشيرًا إلى أن الاجتماعات الحكومية الأخيرة برئاسة رئيس مجلس الوزراء، وبحضور وزير الاستثمار ووزير المالية ومساعد رئيس الوزراء لوحدة الشركات المملوكة للدولة، عكست جدية هذا الملف.

    وأضاف أن الحكومة تعمل على إعادة هيكلة الشركات القابضة والتابعة وتجهيزها للتخارج أو الطرح، سواء من خلال الطرح العام في البورصة، أو من خلال مستثمر استراتيجي، أو عبر آليات أخرى تضمن توسيع قاعدة الملكية وتعزيز دور القطاع الخاص.

    وأكد الشوربجي أن هذا التوجه لم يعد مجرد تصريحات، بل أصبح أرقامًا وخطوات واضحة تظهر في السوق، خاصة مع جاهزية عدد من الشركات للقيد في جداول البورصة المصرية، ووجود تحركات متتالية لطرح شركات جديدة أو إعادة تأهيلها استعدادًا للتخارج.

    وأشار إلى أن استكمال ملف تخارج الدولة من بعض الأنشطة سيكون خطوة مهمة للغاية في تحسين مناخ الاستثمار، ورفع كفاءة إدارة الأصول، وزيادة مشاركة القطاع الخاص في قيادة النمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.

    متطلبات تعزيز تنافسية مناخ الاستثمار الأجنبي المباشر

    قال الشوربجي إن المستثمر الأجنبي، لكي يعتبر مصر وجهة لاستثمارات طويلة الأجل وليست مجرد سوق للاستفادة من أسعار الفائدة المرتفعة، يحتاج إلى مزيد من التسهيلات، وجدول زمني واضح ومحدد المعالم، يمكنه من معرفة القطاعات المتاحة للاستثمار، والشركات المطروحة، والفرص الحقيقية داخل السوق.

    وأضاف أن المستثمر يحتاج أيضًا إلى وضوح في الإجراءات، وتحديد دقيق للتراخيص المطلوبة، وخفض المعوقات البيروقراطية، وتسريع دورة الموافقات، مؤكدًا أن الحكومة المصرية بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات لتسهيل هذه الإجراءات، لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من التحرك في هذا الاتجاه.

    وأوضح أن تسهيل بيئة الاستثمار لا يعني فقط تقديم حوافز مالية أو ضريبية، بل يتطلب أيضًا وضوحًا مؤسسيًا، واستقرارًا تشريعيًا، وسرعة في تنفيذ القرارات، وقدرة المستثمر على الدخول والخروج من السوق بسهولة وشفافية.

    واختتم الدكتور محمد الشوربجي تصريحاته بالتأكيد على أن تحسن أداء الجنيه وعودة التدفقات الأجنبية وارتفاع تحويلات المصريين بالخارج وزيادة دور القطاع الخاص كلها مؤشرات مترابطة تؤكد أن الاقتصاد المصري دخل مرحلة أكثر استقرارًا، لكنها مرحلة تحتاج إلى استكمال الإصلاحات وعدم التوقف عند المكاسب الحالية.

    اقرأ أيضًا: ماذا يعني تمديد اتفاق تبادل العملات بين مصر والصين للاقتصاد المصري؟