ارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات إلى أكثر من 3% للمرة الأولى منذ عام 1996، مع تجدد الضغوط على الين وتصاعد توقعات رفع الفائدة، في وقت تواجه فيه طوكيو معضلة تتجاوز حدود سوقها المحلية؛ فدعم العملة قد يتطلب تسييل أصول أجنبية، من بينها سندات الخزانة الأمريكية.
وتزداد حساسية هذه المعادلة بعدما أظهرت بيانات وزارة المالية اليابانية تراجع حيازات الأوراق المالية الأجنبية بنحو 87.8 مليار دولار بنهاية أغسطس، ما عزز ترجيحات بأن طوكيو باعت جزءًا من هذه الأصول لتمويل تدخل قياسي لدعم الين.
وتضع هذه التطورات اليابان وواشنطن أمام مصالح متشابكة؛ فاستقرار العملة اليابانية يحد من اضطرابات الأسواق، بينما قد يضيف بيع سندات أمريكية لتمويل التدخل ضغوطاً على سوق الدين التي تسعى الولايات المتحدة إلى تهدئتها.
فائدة اليابان تدفع كلفة الاقتراض للصعود
صعد عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات بمقدار 6 نقاط أساس، متجاوزاً مستوى 3% بقليل، مع ترقب المستثمرين مسار الفائدة والضغوط المالية المرتبطة بالموازنة المقبلة، ويعني ارتفاع العوائد زيادة الكلفة التي تواجهها الحكومة عند إصدار ديون جديدة أو إعادة تمويل الديون المستحقة.
وقال تاكوجي أوكوبو، المدير العام في "جابان ماكرو أدفايزرز"، إن التحرك يعكس تزايد احتمال رفع بنك اليابان الفائدة في سبتمبر، وربما إعادة تسعير المستوى الذي ستنتهي عنده دورة الرفع من 1.5 إلى 1.75% أو أكثر، مقارنة بفائدة رئيسية تبلغ حالياً 1%.
وتعززت هذه التوقعات بعد تصريحات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الذي قال في مقابلة مع "سي إن بي سي" إنه يتوقع تحركات من الحكومة اليابانية والبنك المركزي تؤدي إلى ين أقوى.
ويثير ضعف العملة قلق طوكيو بسبب انعكاسه على كلفة الواردات وأسعار المستهلكين، خاصة مع عودة سعر الدولار إلى تجاوز 160 ين، لكن ارتفاع كلفة الاقتراض يضيف بدوره ضغوطاً على المالية العامة، ما يزيد صعوبة الموازنة بين دعم العملة وإدارة الدين.

تدخل قياسي يخفض الاحتياطيات
أنفقت السلطات اليابانية 15.4 تريليون ين، تعادل نحو 98.6 مليار دولار، على التدخل في سوق الصرف خلال الشهر المنتهي في 26 أغسطس، مسجلة أكبر مبلغ شهري لهذا الغرض.
وشملت الفترة تدخلاً مشتركاً مع الولايات المتحدة في 31 يوليو، وهو أول تحرك منسق بين البلدين لدعم الين منذ عام 1998، غير أن العملة فقدت لاحقاً جانباً كبيراً من مكاسبها.
وبنهاية أغسطس، تراجعت احتياطيات اليابان من العملات الأجنبية بمقدار 94.6 مليار دولار إلى 995 مليار دولار، وشمل التراجع انخفاض حيازات الأوراق المالية الأجنبية بنحو 87.8 مليار دولار، إلى جانب هبوط الودائع بالعملات الأجنبية بمقدار 6.9 مليار دولار.
وقال مسؤول في وزارة المالية، إن التدخل كان أحد أسباب انخفاض الاحتياطيات، ومع ذلك، لا تكشف البيانات تفاصيل الأوراق التي جرى بيعها أو آجالها.
ويرجح أتسوشي تاكيدا، كبير الاقتصاديين في "إيتوتشو ريسيرش إنستيتيوت"، أن اليابان استخدمت الأوراق المالية والودائع معاً، وأن التمويل شمل على الأرجح بيع سندات خزانة أمريكية.
اقرأ أيضاً: السندات الأمريكية تحت ضغط الدين والفائدة
لماذا تراقب واشنطن تمويل دعم الين؟
تمثل اليابان أكبر حائز أجنبي للدين الحكومي الأميركي، ويقدّر مشاركون في السوق أن نحو 70% من احتياطياتها الأجنبية مستثمرة في سندات الخزانة الأميركية، ما يجعل طريقة تمويل التدخل مهمة للأسواق العالمية، فإذا اعتمدت طوكيو على بيع كميات كبيرة من هذه السندات للحصول على الدولار ثم شراء الين، فقد تضغط المبيعات على أسعار السندات وترفع عوائدها، بما يزيد تعقيد جهود واشنطن لاحتواء كلفة الاقتراض طويلة الأجل.
وتأتي هذه المخاوف بعدما أعلن بيسنت مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء الديون الأميركية الأطول أجلاً لمدة شهرين وحتى 4 نوفمبر، في خطوة تبدو موجهة لتخفيف الضغوط على هذا الجزء من السوق.
وحذرت أكاري نيشيمورا، الخبيرة الاقتصادية في "معهد أبحاث اليابان"، من أن بيع سندات أميركية لتمويل تدخل إضافي قد يجذب ضغوطاً من واشنطن، رغم استمرار التنسيق بين البلدين بشأن العملة.
وقالت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما، إن الطرفين مستعدان لمواجهة التحركات غير المنظمة في الين، بحسب رويترز.
اقرأ أيضاً: أزمة الثقة تهز الين والسندات اليابانية بعد خطة التحفيز
تمويل بديل دون بيع السندات
أشارت كاتاياما إلى إمكانية الاستعانة بتسهيل "فيما" لاتفاقيات إعادة الشراء، الذي يتيح للسلطات النقدية الأجنبية الحصول على سيولة بالدولار مقابل سندات الخزانة الأميركية، دون الاضطرار إلى بيعها مباشرة في السوق، وقد يوفر هذا المسار خياراً لتمويل شراء الين مع تخفيف أثر العملية على أسعار السندات الأميركية، لكن اليابان لم تلجأ إلى استخدام هذا المسار حتى الآن.
وترى نيشيمورا أن غياب سابقة يابانية لاستخدام هذا المسار يمثل عقبة، وأن الإشارة إليه تعكس امتلاك طوكيو خيارات تمويل إضافية أكثر مما تؤكد استعدادها الفوري لتفعيله.
وتظل قدرة اليابان على دعم عملتها مرتبطة بتكلفة الأدوات المتاحة؛ فرفع الفائدة يزيد الضغوط على الاقتراض المحلي، بينما قد ينقل بيع الأصول الأجنبية جانباً من الضغط إلى السوق الأمريكية.
