يشهد قطاع الدفاع الأمريكي موجة ازدهار تتجاوز المألوف، موجة لا تشبه حالات الانتعاش التقليدية التي ترتبط عادة بالحروب أو التوترات الجيوسياسية، بل إنها، بشكل يثير الدهشة، تنفجر في عهد رئيس يصفه البيت الأبيض بـ”رئيس السلام”، رغم أن سياساته المعلنة وتوجهاته العملية تعكس توجهاً معاكساً، وفق بلومبرغ.
هذه المفارقة هي التي تحرك جزءًا كبيرًا من سلوك المستثمرين الآن، فعلى الرغم من أن أسهم الدفاع كانت دائمًا محط جدل أخلاقي، إلا أنّها تحوَّلت في عهد دونالد ترامب الثاني إلى قصة استثمارية جذابة، حتى أنّها تتداول بأسعار تفوق ما تسمح به الأساسيات المالية وحدها. وبقدر ما يشجع الرئيس الأوروبيين والآسيويين على زيادة إنفاقهم العسكري، تتنامى قناعة السوق بأن الشركات الأمريكية ستكون المستفيد الأكبر، وأن هذه اللحظة تشبه نقطة انعطاف تاريخية تعيد هندسة قطاع الدفاع عالميًا.
الدفاع يتحول إلى موضة استثمارية
منذ بدايات الولاية الثانية لترامب، ظهر أنَّ المزاج الاستثماري في الولايات المتحدة يتحرك نحو نزعة أكثر خشونة، فالتوجهات الثقافية التي كانت تحتفي بالقوة الناعمة والدبلوماسية والليبرالية الاجتماعية تبدو الآن في حالة انحسار، وبالمقابل تتقدم لغة القوة والاستعراض العسكري وتمجيد الصناعات الثقيلة.
وينعكس ذلك في سلوك المستثمرين الأفراد، الذين يقبلون على شراء أسهم شركات مثل “Lockheed Martin” و”Northrop Grumman” و”RTX”، ويرونها رموزاً سياسية في مرحلة تعيد تعريف الهوية الأمريكية، وتعزز هذا التوجه مع صعود شركات “Defense “Tech، وعلى رأسها “Palantir”، التي أصبحت تعامل في السوق كما لو أنها حكاية نمو تكنولوجي، وليست مجرد شركة تبيع برمجيات للجيش الأمريكي.
القيمة السوقية الضخمة للشركة التي تتجاوز 470 مليار دولار -رغم أنها تحقق أرباحًا أقل بكثير من شركات التكنولوجيا التقليدية -تظهر كيف يمكن للسياسات والثقافة أن ترفع تقييمات الشركات بمعزل عن معايير الربحية القياسية.
ترامب والإنفاق الدفاعي.. ضغوط على العالم
المحرك الأكبر للموجة الحالية ليس ثقافيًا فحسب، بل سياسيًا واقتصاديًا في الأساس؛ ففي يونيو الماضي نجح ترامب في دفع قادة حلف الناتو إلى الالتزام برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى لم يكن مطروحًا حتى في أكثر لحظات الحرب الباردة توترًا.
هذا التعهد يعني أن الحلفاء الأوروبيين -من ألمانيا إلى بولندا- سيضخون مئات المليارات من الدولارات في تحديث أنظمتهم الدفاعية، ومع أن أوروبا تمتلك صناعات دفاعية قوية، إلا أن اختلال موازين التكنولوجيا والاعتماد التاريخي على أمريكا يجعل الشركات الأمريكية في مقدمة المستفيدين.
أما في آسيا، فإن تراجع ثقة دول مثل كوريا الجنوبية واليابان وتايوان في المظلة الأمنية الأمريكية التقليدية يدفعها إلى زيادة إنفاقها العسكري أيضاً، ما يعزز النظرة بأن العقد المقبل سيكون عقد التسلح العالمي، وهو ما بدأت بنوك الاستثمار الأميركية بالفعل تضمنه في نماذجها الربحية.
اقرأ أيضًا: صعود غير مسبوق في مبيعات السلاح عالميًا
“Golden Dome”.. مشروع دفاعي بين الأسطورة والواقع
تتضاعف شهية المستثمرين مع الحديث المتزايد عن مشروع “Golden Dome”، وهو النسخة الأمريكية من “القبة الحديدية” لكن على نطاق صاروخي عالمي، وبكلفة تقدر بتريليونات الدولارات، ورغم أن المشروع لا يزال غامضًا من حيث التفاصيل إلا أن مجرد اقتران اسمه بالبيت الأبيض ومعسكر ترامب جعله يتحول إلى محور توقعات في وول ستري.
المستثمرون يفترضون أن أي مشروع دفاعي بهذا الحجم سيغدق عقودًا هائلة على الشركات الأمريكية في مجالات الصواريخ، وأنظمة الإنذار المبكر، وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي العسكري. ومع تلك التوقعات، ترتفع أسعار أسهم الشركات الدفاعية حتى قبل وضوح ملامح المشروع، ما يكشف أنّ الأسواق تتحرك وفقاً لمعادلات سياسية أكثر من كونها مالية محضة.
كيف جعلت إدارة ترامب القوة الخشنة بديلاً للصحة العامة؟
لا يمكن فصل موجة ازدهار الدفاع عن التحول الثقافي الذي تقوده إدارة ترامب الحالية، والذي يتجلى في تفاصيل قد تبدو هامشية لكنها تحمل دلالات كبيرة، فوزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسث، على سبيل المثال، يفضل لقب “وزير الحرب” على “وزير الدفاع”، كما أن الإدارة تستبدل خطاب الصحة العامة التقليدي بخطاب “الصحة الصلبة”، الذي يشجع تدريبات الضغط بدلاً من اللقاحات.
وفي الأسواق، هذا الخطاب يغذي الطلب على أسهم الشركات التي تجسد هذه القوة، فالاستثمار هنا ليس فقط بحثا عن الربح، بل مشاركة في “هوية وطنية جديدة”.
اقرأ أيضًا: أمريكا تتصدر قائمة أكبر مصدري الأسلحة في العالم
لماذا ترتفع أسهم الدفاع بهذا الشكل؟
البيانات تكشف أن أداء أسهم قطاع الدفاع تحت ترامب يتجاوز ما حدث حتى في فترة ما بعد أحداث 11 سبتمبر، فبالنظر إلى الأداء المتحرك لأسهم الدفاع على مدى 260 يوم تداول، يتضح أن الفترة الحالية هي الأقوى منذ ظهور نائب الرئيس الأمريكي السابق ديك تشيني -أحد أبرز رجال الأعمال في قطاع الخدمات الدفاعية- إلى الساحة السياسية.
ومع أن فترة ترامب الثانية لا تزال في بدايتها مقارنة بولايات أخرى امتدت 4 أو 8 سنوات، إلا أن الأسابيع الأولى كانت كافية لإثارة موجة غير مسبوقة من الطلب على أسهم الدفاع، حتى أصبحت هذه الأسهم تساهم بنحو 1.2 نقطة من إجمالي مكاسب مؤشر S&P 500 منذ يوم التنصيب.
التكنولوجيا العسكرية.. حين يلتقي الدفاع بالذكاء الاصطناعي
أحد أهم ملامح المرحلة الجديدة هو التزاوج بين الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا المتقدمة، خاصة الذكاء الاصطناعي، فشركات “Defense Tech” وعلى رأسها “Palantir” أصبحت جزءًا لا يتجزأ من سلسلة القيمة الدفاعية الأمريكية. وهي تطور قدرات تُستخدم مباشرة في إدارة الـ”Kill “Chain، أي سلسلة اتخاذ قرارات الاستهداف في المعارك، الأمر الذي يخلق فئة استثمارية جديدة لا تستطيع السوق مقاومتها، خاصة في ظل توقعات الأرباح التي ترتفع بمعدلات هائلة خلال الأعوام الثلاثة المقبلة.
المستثمرون الأفراد.. اندفاع عاطفي أم رؤية استراتيجية؟
تظهر بيانات منصات التداول أنَّ المستثمرين الأفراد أصبحوا جزءًا رئيساً من هذه الموجة، فأسهم الدفاع تعتبر اليوم رائجة شعبياً، مدفوعة بخطاب وطني حاسم وبحالة استقطاب سياسي لم يشهدها السوق منذ عقود، ولكن هذا الاندفاع يثير تساؤلات حول مدى استدامته، لأن جزءًا كبيرًا من التدفقات يستند إلى العاطفة والمزاج العام، وليس إلى أساسيات مالية متينة.
هل هذا الازدهار صحي؟
رغم الأرباح القياسية، يزداد القلق من أن هذه الموجة تعكس نظرية أكثر قتامة، وهي أن العالم يتجه نحو صدام أكبر، وأن المستثمرين يختارون الاصطفاف مع هذا الواقع الجديد، فالدفاع ينتج مكاسب مالية، لكنه في الوقت نفسه، مرآة لحالة توتر جيوسياسي ولخطاب داخلي أمريكي يعيد تعريف الأمن الوطني على أنه نتاج للقوة الصلبة فقط.
وتكمن المفارقة الكبرى في أن هذا كله يحدث تحت رئيس يسوق نفسه كـ”رئيس السلام”، ويؤكد أنه أوقف عدة حروب، لكن الأرقام والاتجاهات في السوق تشير إلى العكس، فأسعار أسهم الدفاع ترتفع حين تتجه السياسة الأمريكية نحو مزيد من المواجهة، وتحقق المكاسب الأكبر حين يتراجع دور القوة الناعمة، وبذلك يجد المستثمرون أنفسهم أمام مشهد غير مسبوق: رئيس يعد بالسلام، ولكن سياساته وأسواقه تنتج صناعة حربية مزدهرة.
اقرأ أيضًا: ما هي الدول العربية الأكثر إستيرادًا للأسلحة؟
