تقارير اقتصادية

    ضغوط الشرق الأوسط تلهب سعر الدولار في مصر

    •آخر تحديث •5 دقائق
    ضغوط الشرق الأوسط تلهب سعر الدولار في مصر

    تواجه الاقتصادات الإقليمية، وعلى رأسها الاقتصاد المصري، ضغوطًا متزايدة على كافة المستويات، بدءًا من سوق الصرف وصولًا إلى أدوات الدين والاستثمار الأجنبي، وقد انعكست هذه التطورات سريعًا على حركة رؤوس الأموال، وأثرت على سعر الدولار في مصر مقابل الجنيه، وسط ارتفاع ملحوظ في معدلات الطلب على العملات الأجنبية.

    وقال الدكتور أحمد شوقي، الخبير المصرفي، إن الارتفاع الأخير في سعر الدولار في مصر أمام الجنيه المصري بنسبة 2% -بما يعادل قرابة جنيه واحد- يعود بشكل مباشر إلى تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية منذ اندلاع الحرب الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، والتي دفعت المستثمرين إلى إعادة تموضع استثماراتهم عالميًا، بما في ذلك السوق المصرية.

    وأوضح شوقي أنَّ هذه التوترات دفعت المستثمرين نحو الذهب باعتباره الملاذ الآمن في أوقات عدم اليقين، وهو ما انعكس على سعر أونصة الذهب التي ارتفعت إلى 3423 دولارًا، بزيادة تجاوزت 1% خلال فترة قصيرة، وهو ما يؤكد تغير مزاج الأسواق نحو الأصول منخفضة المخاطر.

    وأضاف أن السوق المصري شهد خروجًا جزئيًا للمستثمرين الأجانب من أدوات الدين، أو ما يُعرف بالأموال الساخنة، منذ يوم الخميس الماضي، ما تسبب في زيادة ملحوظة في الطلب على الدولار داخل سوق الإنتربنك -السوق بين البنوك– حيث تجاوز حجم الطلب 600 مليون دولار في يوم واحد، وهو ما دفع بسعر الدولار إلى الارتفاع في محاولة لتقليل حدة الخروج المفاجئ.

    تأثير التوترات الجيوسياسية على سعر الصرف ومزاج المستثمرين

    أشار شوقي إلى أنَّ هذا التحرك جاء أيضًا في سياق سياسة مرونة سعر الصرف، والتي أتاحت تحركًا بنسبة 2% فقط حتى الآن، وهي نسبة لم تتجاوز المستهدف الطبيعي لتحركات العملة المقدر بنحو 5%. واعتبر شوقي أن هذا التحرك يحمل رسالة طمأنة مفادها أن العملة المصرية لا تزال تحافظ على قدر من التوازن والمرونة رغم التغيرات الإقليمية والدولية الجارية.

    وشدد الدكتور أحمد شوقي على أن الانخفاض الحالي في قيمة الجنيه لا يمثل التحدي الأكبر، وإنما يكمن التحدي الحقيقي في استمرار التوترات لفترات طويلة، وانعكاس ذلك على توجهات المستثمرين، وخاصة في ما يتعلق بأدوات الدين، وأسعار الطاقة، وتدفقات الغاز، فضلًا عن تأثر القطاعات الأساسية المدرة للنقد الأجنبي، مثل السياحة وقناة السويس، إذا ما طال أمد الصراع وتواصلت الإغلاقات أو الاضطرابات.

    وفي هذا الإطار، أكد شوقي ضرورة التحرك السريع لتفعيل عدد من الأدوات الاقتصادية التي من شأنها التخفيف من حدة الأزمة، وفي مقدمتها الإسراع في تنفيذ الإصدار السيادي الثاني للصكوك، لما يمثله من مصدر مهم لتدبير العملة الأجنبية بعيدًا عن الاقتراض التقليدي، كما شدد على أهمية الاستمرار في تطبيق مرونة سعر الصرف لتقليص احتمالات خروج المزيد من الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين.

    كما دعا الخبير المصرفي إلى الإسراع في تفعيل مبادرة دعم القطاع الصناعي البالغة 30 مليار جنيه عبر البنوك المصرية، بما يتيح دعم الصناعات التصديرية في الأجل القصير، ويعزز حصيلة الصادرات، وبالتالي يرفع من تدفقات النقد الأجنبي في مواجهة أي صدمات خارجية محتملة.

    واختتم شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص الصدمات تتوقف على سرعة الاستجابة، ووضوح الرؤية الاقتصادية، والتوازن بين إدارة السياسة النقدية، وتحفيز الإنتاج والتصدير، بما يضمن الاستقرار المالي وتوفير احتياجات الدولة من النقد الأجنبي دون الاعتماد المفرط على الديون أو الاحتياطات قصيرة الأجل.

    اقرأ أيضًا: مصر تتحول إلى مركز إقليمي للاستثمار الأجنبي خطة 2025/2026

    تداعيات الصراع على الأسواق المالية المصرية

    اتفق الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي مع رأي شوقي قائلاً إنَّ “التصعيد العسكري الأخير بين إيران وإسرائيل ألحق أثرًا مباشرًا وفوريًا على الأسواق المالية العالمية، وبدأت تداعياته تنعكس بوضوح على الاقتصاد المصري، لا سيما في ما يتعلق بحركة الأموال الساخنة وسعر الدولار في مصر”.

    وأوضح أنَّ المخاوف من توسع رقعة الصراع دفعت العديد من المستثمرين الأجانب إلى الخروج الجزئي من أدوات الدين الحكومية في الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، وهو ما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في الطلب على الدولار الأمريكي، سواء في سوق الإنتربنك أو في السوق الموازية، مشيرًا إلى أن هذه التحركات دفعت بالجنيه المصري إلى التراجع أمام الدولار، في ظل زيادة الضغط على السيولة الدولارية.

    وأشار إلى أن هذا السلوك الاستثماري ليس استثنائيًا، بل يأتي كاستجابة طبيعية لحالة عدم اليقين التي تعيشها المنطقة، وهو ما يُترجم عادة بزيادة الطلب على العملات الأجنبية، وتحديدًا الدولار، باعتباره عملة الملاذ الآمن، مؤكدًا أن هذا ما شهدته السوق المصرية بالفعل، بعد أن تجاوز حجم الطلب على الدولار داخل سوق الإنتربنك 640 مليون دولار في يوم واحد، بزيادة 75% عن اليوم السابق، ما يعكس حجم القلق داخل الأوساط المالية.

    وأضاف الدكتور رمزي الجرم أن خروج الأموال الساخنة يُشكل تحديًا مزدوجًا للاقتصاد المصري؛ فهو من جهة يُفقد السوق أحد مصادر التمويل الأجنبية السريعة، ومن جهة أخرى يُحدث خللًا في التوازن بين العرض والطلب على العملة الأجنبية، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال إلى ارتفاع سعر الصرف وزيادة الضغوط التضخمية.

    اقرأ المزيد: الصراع بين إيران وإسرائيل يدفع الاقتصاد العالمي نحو حافة الانفجار

    تحديات التضخم والطاقة وتأثيرها على الاقتصاد المصري

    أكد الجرم أن تداعيات الأزمة لن تتوقف عند سوق الصرف فقط، بل ستمتد إلى معدلات التضخم، التي من المتوقع أن تعود للارتفاع خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل توقعات بزيادة أسعار النفط والغاز الطبيعي والسلع الغذائية عالميًا نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد. وأوضح أن هذه الزيادات ستؤدي إلى تقليص القوة الشرائية للجنيه المصري، وتوسيع فجوة العجز في الميزان التجاري، وهو ما يُضعف من صلابة الاقتصاد الكلي.

    وشدد الجرم على أن استمرار الحرب لفترة طويلة سيُفاقم الأزمة، لا سيما إذا تواصل نزوح الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، والتي تُقدّر بنحو 38 مليار دولار، في وقت تواجه فيه الحكومة تحديات إضافية تتمثل في تدبير موارد دولارية جديدة لتأمين احتياجات السوق المحلية من الغاز الطبيعي، بعد انقطاع الإمدادات من إسرائيل.

    وفي هذا السياق، أشار الجرم إلى أنَّ الحكومة ستكون مضطرة في هذه الحالة إلى ضخ مزيد من العملة الأجنبية في السوق، وهو ما سيتطلب إما السحب من الاحتياطي النقدي أو البحث عن أدوات تمويل جديدة، وهو ما يُضاعف الضغط على الوضع المالي للدولة، ويزيد من صعوبة إدارة السياسة النقدية.

    وأضاف الجرم أن هذه التحديات ستؤثر سلبًا على مناخ الاستثمار المحلي، حيث يتجه المستثمرون في مثل هذه الظروف إلى التحوط والابتعاد عن ضخ أموالهم في القطاعات الإنتاجية، ويفضلون التحول نحو الذهب والعملات الآمنة، مما يؤدي إلى انكماش في حجم الائتمان المتاح للمشروعات، وارتفاع في تكلفة التمويل، وبالتالي تراجع معدل الإنتاج المحلي وتباطؤ النمو.

    وأكد أن هذه التوترات قد تدفع نحو زيادات متتالية في أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، بهدف احتواء الضغوط التضخمية، لكن ذلك سيكون على حساب النمو الاقتصادي، ويُعمق من التحديات التي تواجه القطاع الخاص.

    واختتم الدكتور رمزي الجرم تصريحاته بالتأكيد على ضرورة التحرك السريع لتنشيط أدوات التحوط، وتفعيل برامج جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، والإسراع في تنفيذ الإصدار الثاني من الصكوك السيادية كأحد البدائل لتمويل احتياجات الدولة من العملة الصعبة، إلى جانب مواصلة تطبيق مرونة سعر الصرف بشكل مدروس، يحمي الاقتصاد من الصدمات المفاجئة، ويُحافظ على استقرار السوق في ظل هذه التحديات المتصاعدة.

    قد يهمّك أيضًا: ماذا يعني تخصيص أرض البحر الأحمر لخفض الدين العام في مصر؟